لطالما أعيد استخدام روث الماشية في الأراضي الزراعية باعتباره مصدرًا للعناصر الغذائية والنيتروجين، لكن توسع الإنتاج الحيواني جعل كميات الروث في بعض المناطق تتجاوز قدرة الأراضي الزراعية القريبة على استيعابها.
ويعني ذلك تخزين كميات كبيرة من المخلفات، مع ما يصاحبها من انبعاثات للأمونيا والميثان وفقدان للنيتروجين.
وتشير دراسة عالمية جديدة إلى أن يرقات ذبابة الجندي الأسود يمكن أن توفر جزءًا من الحل، من خلال تغذيتها على فائض روث الماشية وتحويله إلى بروتين يمكن استخدامه في أعلاف الحيوانات.
ويقدر الباحثون أن هذا المسار قد ينتج كمية من بروتين الحشرات تكفي لاستبدال نحو 8% من الأعلاف الحيوانية القائمة على المحاصيل عالميًا، إلى جانب تقليل خسائر الأمونيا بنحو 21%.
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS).
من فائض الروث إلى علف غني بالبروتين
اعتمدت الدراسة على بيانات الثروة الحيوانية والأراضي الزراعية والتجارة في 166 دولة، واستخدم الباحثون نموذج GLEAM الذي تديره منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، إلى جانب نماذج لتحليل استخدام الأراضي والتكاليف.
وأجرى الدراسة باحثون من جامعة تشجيانغ الصينية، بالتعاون مع باحثين من Carnegie Science والمعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية IIASA.
ووفق النموذج، فإن نحو 87% من المحاصيل التي يمكن الاستغناء عن استخدامها في أعلاف الحيوانات تأتي من فول الصويا ومحاصيل البذور الزيتية الأخرى، وهي محاصيل غنية بالبروتين وترتبط زراعتها في بعض الدول المصدرة بإزالة الغابات.
وبالتالي، فإن إنتاج بروتين الحشرات من المخلفات لا يقتصر على معالجة مشكلة الروث، بل يمكن أن يقلل أيضًا الطلب على جزء من المحاصيل المستخدمة حاليًا في تغذية الحيوانات.
الأراضي الزراعية لا تستطيع استيعاب كل الروث
يمثل الروث مصدرًا مهمًا للنيتروجين، ولذلك يستخدم كسماد عضوي في الحقول.
لكن المشكلة تكمن في اختلاف المكان والتوقيت.
فالحيوانات تنتج الروث يوميًا على مدار العام، بينما تحتاج المحاصيل إلى الأسمدة خلال فترات محددة، كما أن الحظائر ومزارع الحيوانات قد تكون بعيدة عن الأراضي التي يمكن استخدام الروث فيها.
وبالتالي، لا يمكن نشر كامل الكمية المتاحة من الروث في الحقول، ويشير الباحثون إلى أن إنتاج محاصيل الأعلاف وتخزين روث الماشية معًا أدى في عام 2020 إلى إطلاق نحو 37 مليون طن من النيتروجين في الهواء والمياه.
وبعد استخدام كمية الروث التي تستطيع الأراضي الزراعية استيعابها، ظل نحو 29 مليون طن من النيتروجين دون استخدام زراعي مفيد.
وهذه الكمية تمثل، وفق الدراسة، المادة الخام التي يمكن أن تدخل في عملية التحويل الحيوي بواسطة يرقات الحشرات.
كيف تحول اليرقات الروث إلى بروتين؟
تُربى ذبابة الجندي الأسود بالفعل على نطاق تجاري في مزارع متخصصة لإنتاج الحشرات، وتتميز اليرقات بقدرتها على التغذي على مجموعة واسعة من المواد العضوية.
وعند وضع اليرقات على الروث، تقوم بتحويل جزء من مكوناته إلى كتلة حيوية غنية بالبروتين والدهون.
وبعد حصاد اليرقات ومعالجتها، يمكن استخدام الناتج كمكون بروتيني في أعلاف الحيوانات، بينما يمكن إعادة استخدام المادة المتبقية في الأراضي الزراعية باعتبارها سمادًا عضويًا.
وتنتج العملية مادة تعرف باسم الفرّاس (Frass)، وهي بقايا مستقرة نسبيًا من عملية تربية الحشرات، ويمكن استخدامها في الزراعة.
ويشير الباحثون إلى أن عمليات التحويل الحيوي من هذا النوع يمكن أن تقلل حجم المخلفات العضوية بنسبة تصل إلى 60%.
خفض الأمونيا والميثان وأكسيد النيتروز
لم يقتصر التأثير المحتمل على إنتاج البروتين، فبحسب النموذج، أدى الجمع بين معالجة الروث بواسطة اليرقات وتقليل الحاجة إلى زراعة محاصيل الأعلاف إلى انخفاض إجمالي خسائر النيتروجين بنسبة 18%.
وانخفضت خسائر الأمونيا بنسبة 21%، بينما تراجع فقد النترات إلى المياه بنحو 11%.
كما انخفضت انبعاثات غازات الدفيئة المرتبطة بإدارة الروث.
وتراجع الميثان الناتج عن تخزين الروث بنسبة 40%، بينما انخفضت انبعاثات أكسيد النيتروز بنحو 50%.
أما تقليل زراعة محاصيل الأعلاف، فخفض انبعاثات غازات الدفيئة المرتبطة بهذه المرحلة بنسبة 23%.
118 مليون هكتار يمكن توفيرها
يظهر تأثير الحل المقترح أيضًا في استخدام الأراضي، ويقدر الباحثون أن تطبيق السيناريو العالمي يمكن أن يوفر نحو 130 مليون طن من الحبوب المستخدمة في الأعلاف، إلى جانب نحو 114 مليون فدان، أي قرابة 46 مليون هكتار، من الأراضي الزراعية.
وتعادل هذه المساحة مساحة أكبر من ولاية كاليفورنيا الأمريكية.
ويرى الباحثون أن تقليل الطلب على المحاصيل العلفية يمكن أن يخفف الضغط على الأراضي الزراعية، خاصة في المناطق التي ترتبط فيها زراعة محاصيل الأعلاف بتغيير استخدام الأراضي وإزالة الغابات.
جنوب آسيا قد تحقق أكبر مكاسب
تختلف الفوائد المحتملة من منطقة إلى أخرى، وجاءت جنوب آسيا في مقدمة المناطق في النموذج، حيث يمكن لبروتين الحشرات أن يغطي نحو 21% من احتياجات البروتين في الأعلاف القائمة على المحاصيل، مع خفض انبعاثات النيتروجين في المنطقة بنحو 41%.
وسجلت الهند أكبر إمكانات على مستوى الدول منفردة.
لكن حجم الثروة الحيوانية أو إنتاج الروث ليس العامل الوحيد المحدد للإمكانات.
فعلى سبيل المثال، تنتج الصين كمية أكبر من نيتروجين الروث، لكنها تعيد بالفعل تدوير نحو 52% منه في الأراضي الزراعية، مقارنة بنحو 31% في الهند.
وبالتالي، تمتلك الصين كمية أقل من فائض نيتروجين الروث الذي يمكن تحويله إلى مسار جديد.
أما إفريقيا جنوب الصحراء، فتتمتع بميزة أخرى تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة وتوافر أشعة الشمس، وهي ظروف تساعد يرقات ذبابة الجندي الأسود على النمو، وقد تقلل تكاليف تشغيل المنشآت مقارنة بالمناطق الباردة.
في المقابل، جاءت أوقيانوسيا في المرتبة الأخيرة من حيث الفوائد المحتملة، لأن جزءًا كبيرًا من الثروة الحيوانية فيها يعتمد على الرعي، بينما لم تشمل الدراسة روث الحيوانات في المراعي ضمن حساباتها.
25 مليار دولار للاستثمار مقابل 226 مليارًا من المنافع
يقدر الباحثون أن تنفيذ هذا النظام على مستوى العالم يحتاج إلى استثمارات تقارب 25 مليار دولار.
لكن النموذج يقدر إجمالي المنافع بنحو 226 مليار دولار، تشمل خفض الأضرار التي تلحق بالنظم البيئية وصحة الإنسان والمناخ، إلى جانب الوفورات المرتبطة بالأسمدة والأعلاف الحيوانية.
وبحسب هذه الحسابات، يمكن أن يحقق كل دولار مستثمر نحو 9 دولارات من المنافع.
وفي إفريقيا جنوب الصحراء، يقدر الباحثون أن استثمار نحو 600 مليون دولار يمكن أن يرتبط بمنافع تصل إلى نحو 11 مليار دولار.
القوانين قد تكون العقبة الأكبر
رغم الإمكانات الاقتصادية والبيئية، فإن التوسع في استخدام روث الماشية لتربية الحشرات المخصصة لإنتاج الأعلاف يصطدم بعقبات تنظيمية.
فالاتحاد الأوروبي يسمح باستخدام بعض أنواع بروتين الحشرات في أعلاف الخنازير والدواجن، كما يسمح باستخدام مخلفات تربية الحشرات المعالجة «الفرّاس» كسماد، لكنه لا يسمح باستخدام الروث كركيزة لتربية الحشرات التي ستدخل منتجاتها لاحقًا في سلسلة الأعلاف.
وفي المقابل، توجد بالفعل منشآت صناعية في الصين تستخدم ذبابة الجندي الأسود لمعالجة روث الماشية ومخلفات عضوية أخرى، ما يشير إلى أن التكنولوجيا تجاوزت في بعض الحالات مرحلة التجارب المعملية.
لكن الباحثين يؤكدون أن إمكانية دخول المنتجات الناتجة إلى أسواق الأعلاف تعتمد في النهاية على القواعد التنظيمية في كل دولة، إذ يمكن أن تكون الممارسة مسموحة في سوق كبيرة وممنوعة في سوق أخرى.
النموذج لا يحسم كل الأسئلة
يشدد الباحثون على أن الدراسة تقدم تقديرًا لإمكانات هذا النهج وليس تقديرًا لما يمكن تطبيقه فورًا في ظل القواعد الحالية.
فالنموذج لم يأخذ بصورة كاملة في الاعتبار بعض المتغيرات، مثل أسعار الأعلاف، وتكاليف نقل الروث، وتكاليف إنشاء وتشغيل منشآت تربية الحشرات، وحجم الطلب الفعلي على المنتجات.
كما توجد أسئلة علمية وسلامة حيوية لم تُحسم بعد.
فالدراسة لم تقيم بصورة كاملة تأثير بروتين الحشرات الناتج عن تغذية اليرقات على روث الماشية في نمو الحيوانات، لأن الأدلة المتاحة في هذا المجال لا تزال غير حاسمة.
والسؤال الأكثر حساسية يتعلق بالسلامة، فالروث قد يحتوي على مضادات حيوية وجينات مقاومة للمضادات الحيوية ومسببات مرضية، بينما يجري تربية اليرقات داخله.
ولا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأدلة لتحديد ما إذا كانت هذه المكونات يمكن أن تنتقل إلى اليرقات أو إلى المادة المتبقية «الفرّاس».
السلامة شرط أساسي قبل التوسع
قالت لوكسي تشينج، الباحثة في جامعة تشجيانج، وأحد مؤلفي الدراسة، إن المنتجات المشتقة من الروث يمكن أن تعود إلى سلاسل إنتاج الأعلاف والأسمدة، ولذلك يجب إدارة السلامة خلال العملية بأكملها.
وتشمل الأولويات، بحسب الباحثين، وضع معايير واضحة للمواد التي يمكن استخدامها كغذاء للحشرات، ومستويات مسببات الأمراض والملوثات، وإمكانية تتبع المنتجات، وآليات اعتمادها.
وبالتالي، فإن تحويل روث الماشية إلى بروتين بواسطة الحشرات يمثل مسارًا واعدًا ضمن الاقتصاد الدائري الزراعي، لكنه لا يزال بحاجة إلى اختبارات إضافية وأطر تنظيمية واضحة قبل اعتباره حلًا واسع النطاق وآمنًا لسلاسل الأعلاف العالمية.
