قادة أستراليا وآيسلندا يستعرضون تداعيات تغير المناخ على بلديهما، فيما تتزايد الضغوط لتسريع التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري رغم الحروب والتضخم
تتجه أنظار قادة العالم إلى نيويورك مع انطلاق فعاليات أسبوع المناخ 2026 بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت تواجه فيه مناطق واسعة من العالم موجات من الحرارة الشديدة وحرائق الغابات والفيضانات المفاجئة، بالتزامن مع تسجيل ظاهرة «إل نينيو» مستويات قياسية.
وعلى الرغم من أن الحروب والتضخم والأزمات الاقتصادية تستحوذ على جانب كبير من الاهتمام السياسي، أعاد عدد من القادة والمسؤولين أزمة المناخ إلى صدارة النقاش، محذرين من أن تأخير التحول إلى الطاقة النظيفة يزيد المخاطر الاقتصادية والأمنية، إلى جانب الأضرار البيئية والإنسانية.
وشهد اليوم الافتتاحي لأسبوع المناخ كلمات لرئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي ورئيسة وزراء آيسلندا كريسترون فروستادوتير، ركزتا على تأثيرات تغير المناخ في بلديهما، والخطوات المتخذة للابتعاد عن الوقود الأحفوري، إلى جانب دعم الدول الأخرى في مسار التحول.
أستراليا: العلم حذّر.. والظواهر المتطرفة تتزايد
قال ألبانيزي إن الطقس شديد الخطورة لم يكن ظاهرة جديدة، لكن علوم المناخ حذرت بوضوح من أن ارتفاع حرارة الكوكب سيؤدي إلى زيادة تواتر وشدة هذه الأحداث.
وأوضح أن التوقعات العلمية بشأن تأثير الاحترار العالمي بدأت تتحول إلى واقع ملموس، مشيرًا إلى جهود بلاده في مساعدة دول جزر المحيط الهادئ على مواجهة تداعيات أزمة المناخ.
وتأتي هذه التصريحات بعد أشهر شهدت خلالها مناطق واسعة من العالم ظروفًا مناخية قاسية، شملت موجات حرارة شديدة في أجزاء من أوروبا والولايات المتحدة، وحرائق غابات في إفريقيا، وفيضانات مفاجئة في آسيا.
آيسلندا: أزمة النفط دفعت إلى التحول للطاقة الحرارية الأرضية
قدمت رئيسة وزراء آيسلندا تجربة بلادها في التحول إلى الطاقة الحرارية الأرضية باعتبارها مثالًا على ارتباط أمن الطاقة بالتحول إلى مصادر محلية ومتجددة.
وقالت فروستادوتير إن أزمة النفط العالمية في أوائل سبعينيات القرن الماضي كشفت هشاشة اعتماد آيسلندا على الوقود المستورد، إذ كانت غالبية المنازل تستخدم النفط في التدفئة.
وبدأت ريكيافيك خلال سنوات قليلة في بناء نظام واسع للتدفئة المركزية باستخدام الطاقة الحرارية الأرضية، ثم انتقلت مدن أخرى إلى النهج نفسه، ما ساعد على خفض الاعتماد على النفط في قطاع التدفئة.
وأشارت إلى أن هذا التحول احتاج إلى دعم سياسي مستمر، وآليات مالية ساعدت الأسر على تحمل تكاليف الانتقال الأولية، إلى جانب توافق سياسي استمر عبر عدة حكومات.
وتعتمد آيسلندا اليوم على الطاقة المتجددة في تدفئة ما يقرب من جميع المنازل، وتشكل الطاقة الحرارية الأرضية أكثر من 90% من مصادر الطاقة المستخدمة في التدفئة.
«إل نينيو» القياسي يفرض نفسه على أجندة المناخ
يأتي أسبوع المناخ في نيويورك هذا العام في ظل تطورات مناخية استثنائية، أبرزها موجات الحرارة واسعة النطاق والحرائق والفيضانات، إلى جانب «إل نينيو» القياسي الذي ظهر قبل بلوغ الظاهرة ذروتها المعتادة.
وتؤثر ظاهرة إل نينيو في أنماط الطقس العالمية، ويمكن أن ترتبط بتغيرات كبيرة في درجات الحرارة وهطول الأمطار والعواصف، ما يزيد الضغوط على قطاعات الزراعة والمياه والبنية التحتية والصحة العامة.
ويعطي تزامن الظاهرة مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية أهمية إضافية للنقاشات التي يشهدها أسبوع المناخ والاجتماعات الدولية في نيويورك.
أمن الطاقة يدخل قلب معركة المناخ
لم تركز النقاشات الافتتاحية لأسبوع المناخ بصورة كبيرة على التراجع السياسي عن سياسات المناخ في الولايات المتحدة، وإنما اتجهت كلمات عدد من المسؤولين إلى إبراز الدوافع الاقتصادية والأمنية التي تجعل تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري قضية تتجاوز حدود البيئة.
وقال سيلوين هارت، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للعمل المناخي، إن الحرب في إيران تمثل تذكيرًا إضافيًا بمخاطر الاعتماد على الوقود الأحفوري، داعيًا الدول والشركات والمجتمعات إلى تسريع التحول بعيدًا عنه.
ويرتبط أمن الطاقة بصورة متزايدة بالنقاش المناخي، إذ يمكن للصدمات الجيوسياسية أن تؤثر سريعًا في أسعار النفط والغاز وسلاسل الإمداد والتضخم، وهو ما يجعل تنويع مصادر الطاقة وتطوير المصادر المحلية المتجددة جزءًا من الحسابات الاقتصادية والأمنية للدول.
حتى الجيوش تواجه تأثيرات تغير المناخ
امتد النقاش إلى القطاع العسكري، مع تحذيرات من أن تغير الظروف البيئية قد يؤثر في قدرة القوات المسلحة على العمل بكفاءة.
وقال الفريق أول ريتشارد نوجي، الضابط البريطاني المتقاعد، إن الجيوش مطالبة بالتكيف مع البيئات التي تعمل فيها، مشيرًا إلى ارتفاع حرارة مياه الخليج، وما قد يترتب عليه من صعوبات بالنسبة إلى أنظمة تبريد محركات السفن.
وأشار إلى أن تقنيات التكيف المناخي لا ينبغي النظر إليها فقط من زاوية خفض الانبعاثات، وإنما أيضًا من حيث قدرتها على توفير مزايا استراتيجية.
وضرب مثالًا بالمركبات العسكرية الصغيرة، قائلًا إن استخدام أنظمة هجينة فيها يمكن أن يقلل الضوضاء والاهتزاز، وهو ما قد يوفر مزايا تشغيلية للجنود والمعدات.
بريطانيا: الاعتماد على الوقود الأحفوري «قطار متقلب»
من جانبه، حذر وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند من مخاطر استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري في ظل الاضطرابات الجيوسياسية، متحدثًا عن ما وصفه بـ**«قطار الوقود الأحفوري المتقلب»**.
وقال إن قضايا المناخ والطبيعة يجب أن تكون جزءًا من أنظمة الأمن القومي وتقييمات المخاطر وخطط الطوارئ.
وأوضح أن الدول تحتاج أيضًا إلى تبادل المعلومات، لأن الصدمات التي تبدأ في دولة واحدة يمكن أن تنتقل بسرعة إلى دول أخرى عبر سلاسل الإمداد والأسواق المالية وأنماط الهجرة.
ويعكس هذا الطرح تحولًا في طريقة النظر إلى أزمة المناخ، من قضية بيئية منفصلة إلى عامل يمكن أن يؤثر في الأمن الغذائي والطاقة والتجارة والاستقرار المالي والهجرة.
الشركات ترى في الطاقة المتجددة فرصة اقتصادية
ولا يقتصر التحول في الطاقة على الحكومات، إذ تتزايد مشاركة القطاع الخاص في مشروعات كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة، مدفوعة جزئيًا باعتبارات اقتصادية مباشرة.
وقالت كارين بفلوج، كبيرة مسؤولي الاستدامة في مجموعة Ingka، أكبر مشغّل لمتاجر إيكيا، إن تحسين كفاءة استخدام الطاقة في متاجر المجموعة ساعدها على توفير ملايين الدولارات سنويًا.
وأشارت إلى إعلان المجموعة عن مشروع للطاقة الشمسية في ولاية ساوث كارولاينا الأميركية يضم 178 ألف لوح شمسي.
وأكدت أن الجدوى الاقتصادية للتحول في الطاقة لا تعتمد فقط على الموقف السياسي، معتبرة أن الحافز الاقتصادي أصبح قائمًا بذاته.
«ابدأ قبل أن تضطر»
ركزت كلمات القادة والمسؤولين خلال اليوم الأول على فكرة رئيسية: الاستعداد للأزمة قبل وقوعها بدل انتظار ارتفاع كلفتها.
وقالت رئيسة وزراء آيسلندا إن السؤال المطروح أمام القادة لم يعد ما إذا كان ينبغي التحرك، وإنما ما الذي يتطلبه مواصلة التحرك بسرعة أكبر من الاضطرابات التي لم تصل بعد.
وأضافت أن تجربة بلادها تقوم على مبدأ واضح: البدء قبل الاضطرار إلى ذلك، وبناء القدرة على الصمود قبل أن تختبر الأزمة هذه القدرة.
وتحمل هذه الرسالة أهمية خاصة مع تزايد الأحداث المناخية المتطرفة، لأن تكلفة التكيف بعد وقوع الكارثة قد تتجاوز تكلفة الاستثمار المسبق في البنية التحتية المرنة والطاقة النظيفة وأنظمة الإنذار المبكر.
«الصمت المناخي» يتزايد رغم اتساع آثار الأزمة
وتستقطب فعاليات أسبوع المناخ هذا العام أكثر من 100 ألف مشارك، وفق منظمي الحدث، ليكون أكبر انعقاد له منذ انطلاقه في نيويورك عام 2009.
لكن المنظمين أشاروا في الوقت نفسه إلى ظاهرة متزايدة تُعرف باسم «الصمت المناخي» (Climate Hushing)، حيث يتجنب بعض المسؤولين وقادة الشركات الحديث علنًا عن أزمة المناخ في ظل التركيز المتواصل على الحروب والتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وقالت هيلين كلاركسون، الرئيسة التنفيذية لمجموعة المناخ، إن هناك فجوة بين حجم ما شهده العالم من كوارث مناخية خلال الصيف وبين مستوى الحديث السياسي عن تغير المناخ.
وأضافت أن استطلاعات الرأي، بحسب ما أشارت إليه، تظهر استمرار اهتمام الناس بقضية المناخ إلى جانب اهتمامهم بتكاليف المعيشة، ما يجعل التحدي أمام القادة هو الربط بين القضيتين وإظهار كيف يمكن لسياسات المناخ والطاقة أن تؤثر في حياة المواطنين اليومية.
وبينما تدخل اجتماعات الأمم المتحدة أسبوعها الحاسم في نيويورك، تبدو أزمة المناخ مرتبطة بصورة متزايدة بقضايا تتجاوز الانبعاثات وحدها، من أمن الطاقة والحروب وسلاسل الإمداد إلى التضخم والتكيف والبنية التحتية والقدرة الاقتصادية على الصمود.
ومع استمرار ارتفاع حرارة الكوكب وتزايد الظواهر المتطرفة، يظل السؤال المطروح أمام الحكومات والشركات ليس فقط حجم التحول المطلوب، وإنما مدى سرعة تنفيذه قبل أن تتحول المخاطر المتوقعة إلى أزمات أكثر تكلفة.
