هذا المقال هو تلخيص إبداعي وموسع لمقابلة متميزة أجرتها ماريا بيزوبوفا على قناتها “Fertilizers Jazz” مع الخبير هاري مورتون، رئيس قسم الكربون المنخفض في شركة Etasca للاستشارات، حيث تم تناول موضوع التحول الأخضر في صناعة الأسمدة والزراعة عالميًا، مع التركيز على الوضع الحالي، السياسات الداعمة، العقبات، والتوقعات المستقبلية.
مقدمة: التحول الأخضر في قلب صناعة الأسمدة
يعيش العالم اليوم مرحلة تحوّل كبرى في مجال الطاقة والصناعة، حيث لم يعد الحديث عن “التحول الأخضر” ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية لمواجهة التغير المناخي وضمان استدامة الإنتاج.
وفي قطاع الأسمدة تحديدًا، بات مفهوم “الأسمدة الخضراء” أكثر حضورًا، لكنه في الوقت نفسه يواجه تباطؤًا في وتيرة التنفيذ خلال العامين الماضيين.
الأسئلة المطروحة اليوم:
• لماذا تباطأ التنفيذ رغم الزخم الكبير الذي شهده هذا المجال قبل سنوات؟
• ما العوامل التي تدعم أو تعرقل هذا التحول؟
• وأي الدول ستتصدر السباق لتكون المورد الأول للأسمدة الخضراء عالميًا؟
الوضع العالمي للتحول الأخضر في صناعة الأسمدة
يؤكد هاري مورتون أن قطاع الأسمدة والزراعة، رغم تأثره بالظروف الاقتصادية والجيوسياسية، ما زال أكثر مرونة مقارنة بقطاعات أخرى.
السبب الرئيس هو أن الأسمدة الخضراء لا تتطلب تغييرات جذرية في سلسلة الإمداد أو لدى المستخدم النهائي، على عكس الوقود الأخضر مثل الهيدروجين في النقل، الذي يحتاج إلى تغييرات واسعة في المحركات والبنية التحتية.
إضافة إلى ذلك، تشكل تكلفة الأسمدة جزءًا صغيرًا من السعر النهائي للمنتجات الزراعية، ما يمنح المنتجين هامشًا لتمرير أي زيادات طفيفة في التكلفة نحو المستهلك دون إحداث صدمة سعرية كبيرة.
ومن أبرز المشاريع التي تشكل إنجازات ملموسة:
• مشروع يارا لإنتاج الأمونيا الخضراء في النرويج.
• مشروع Atome في باراغواي.
• مشاريع ناشئة في الهند من المقرر أن يبدأ تنفيذها العام المقبل.
السياسات الداعمة: ركيزة أساسية للتحول
التحول الأخضر يحتاج دعمًا سياسيًا وتشريعيًا واضحًا، وأوروبا تعد الرائد الأكبر في هذا المجال من خلال:
1. آلية تسعير الكربون الأوروبية (EU ETS)، التي تفرض على المنتجين دفع مقابل انبعاثاتهم من ثاني أكسيد الكربون.
2. آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM)، التي تمنع استيراد منتجات كثيفة الانبعاثات دون دفع تكاليف الكربون، حتى لا يلجأ السوق إلى التحايل.
كما توجد مبادرات داعمة في:
• البرازيل (برنامج ABC Plus)
• كندا (برنامج ACTP)
• الولايات المتحدة عبر قانون IRA، رغم حالة عدم اليقين بعد تغييرات سياسية تهدد استمرار التمويل.
العقبات أمام التحول الأخضر
الهندسة الاقتصادية والسياسية للتحول تواجه عدة تحديات رئيسية:
1. ارتفاع أسعار الطاقة: إنتاج الأمونيا الخضراء يعتمد على الكهرباء من مصادر متجددة، ومع بقاء أسعار الطاقة مرتفعة، خاصة في أوروبا، يصبح التمويل صعبًا.
2. ارتفاع أسعار الفائدة: ما يزيد تكلفة التمويل للمشاريع الضخمة.
3. غياب التنسيق بين السياسات العالمية: اختلاف القوانين بين الدول يخلق حالة من عدم اليقين للمستثمرين.
4. تحديات فنية: مثل تخزين ونقل الهيدروجين على نطاق واسع.
البعد الجيوسياسي وتأثيره
أبرز مثال على التأثير المباشر هو الحرب في أوكرانيا، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا ودفعت الدول للبحث عن أمن طاقي محلي، ما قد يدعم إنتاج الأمونيا الخضراء محليًا.
وفي الولايات المتحدة، أدى إقرار قانون خفض التضخم إلى جذب استثمارات ضخمة، لكن التحولات السياسية الأخيرة أعادت بعض المشاريع إلى أوروبا.
الصين من جانبها تدفع بقوة نحو تطوير الطاقة المتجددة والهيدروجين لتقليل اعتمادها على واردات الوقود الأحفوري، ما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في السوق المستقبلي للأسمدة الخضراء.
حركة المشاريع عالميًا
بيانات Etasca تشير إلى:
• انخفاض المشاريع المخطط إكمالها قبل 2028 بنسبة ثلث خلال العام الماضي.
• المشاريع القريبة المدى للطاقة المتجددة تأثرت أكثر من مشاريع الأمونيا الزرقاء.
• في المقابل، المشاريع المخطط لها بعد 2030 ارتفعت بنسبة 20%، ما يعكس تباطؤًا مرحليًا وليس انهيارًا.
الدول المرشحة لقيادة السوق
وفق المعايير الثلاثة التي حددها هاري مورتون:
1. طلب محلي كبير على الأسمدة.
2. توفر طاقة متجددة منخفضة التكلفة.
3. ارتفاع أسعار الأسمدة التقليدية في السوق المحلي.
فإن الدول الأكثر تأهلاً للريادة هي:
• البرازيل ودول أمريكا الجنوبية ذات الاعتماد الكبير على الزراعة والطاقة الكهرومائية.
• الصين بفضل استراتيجيتها الوطنية للطاقة الخضراء.
• المغرب والسعودية بفضل توفر الطاقة الشمسية الرخيصة وسوق الأسمدة المزدهر.
الخلاصة والتقييم
رغم التحديات الاقتصادية والسياسية والفنية، فإن صناعة الأسمدة الخضراء تحتفظ بقدرة تنافسية تجعلها أكثر مرونة من قطاعات أخرى في التحول الأخضر.
التباطؤ الحالي يبدو مؤقتًا، مع توقع انتعاش أكبر بعد 2030 مدفوعًا بانخفاض تكاليف الطاقة المتجددة وتحسن التقنيات.
يبقى الرهان على استقرار السياسات، واستمرار دعم البحث والابتكار، وتعزيز الشراكات بين الدول ذات الموارد المتجددة الرخيصة والدول ذات الطلب الزراعي الكبير.
