وجهات نظر

د.هبة محمد إمام: الزواج في مصر بين تمكين المرأة والحفاظ على مسؤولية الرجل

استشاري وخبير بيئي

خلال السنوات الأخيرة ظهرت على المجتمع المصري ملامح جديدة في معايير اختيار شريك الحياة، من أبرزها تركيز العديد من الشباب بشكل واضح على البحث عن “الفتاة العاملة”، ليس بوصفه تفضيلًا طبيعيًا أو انسجامًا في نمط الحياة، بل باعتباره شرطًا أساسيًا لتقاسم أعباء تأسيس البيت والإنفاق “نص بالنص”.

هذه الظاهرة تبدو حديثة نسبيًا مقارنة بما استقر طويلًا في الوعي الاجتماعي من أن الإنفاق على الأسرة مسؤولية الرجل المالية بالأساس، وأن عمل المرأة إن وُجد فهو قيمة مضافة تُسهم طوعًا في تحسين مستوى المعيشة لا التزامًا مفروضًا عليها.

تمكين المرأة ضرورة… لكن ليس على حساب الأسرة


لا خلاف على أننا مع تمكين المرأة وتعليمها وعملها ودورها في بناء المجتمع، بل إن تعليم المرأة ورفع مستواها العلمي، حتى لو بلغ درجات عليا كالدكتوراه، ينعكس غالبًا إيجابًا على وعي الأسرة وعلى تربية النشء، لأن الأم المتعلمة تمتلك أدوات أفضل للفهم والمتابعة وغرس القيم وتنمية مهارات الأبناء.

لكن في المقابل، لا يصح أن يتحول هذا الدعم لتمكين المرأة إلى “شرط زواج” يُستغل اقتصاديًا، أو إلى معيار وحيد يقاس به البعض قيمة الفتاة: هل تعمل أم لا؟ وكم راتبها؟ وهل ستدفع في الأثاث؟ وهل ستشارك في الإيجار أو الأقساط؟ هنا تنتقل الفكرة من تقدير دور المرأة إلى اختزالها في دور ممول إضافي، وهو اختزال ظالم.

الأم ليست وظيفة إضافية… والتربية تحتاج وقتًا ومساحة


المرأة هي التي تنشئ المجتمع من داخل منزلها، لأنها تربي النشء: أولادًا وبنات. وهذه ليست عبارة إنشائية، بل حقيقة يراها كل من عاش تفاصيل البيوت المصرية.

هناك فترة طبيعية أثناء تربية الأطفال، خاصة في السنوات الأولى، قد لا تستطيع فيها المرأة الاستمرار في العمل بنفس الوتيرة، وقد تضطر للتوقف مؤقتًا أو تقليل ساعات العمل من أجل الأسرة، وهذه المرحلة ليست “كسلًا” ولا “تراجعًا”، بل هي استثمار حقيقي في الإنسان.

ومن هنا يصبح ربط استحقاق الزواج بكون الفتاة تعمل ربطًا قاصرًا؛ لأن الحياة الزوجية مراحل، بعضها يفرض تضحيات غير قابلة للقياس بالأرقام.

الأسرة نواة المجتمع… وإذا صلحت صلح المجتمع


تعبير “الأسرة هي نواة المجتمع” ليس شعارًا قديمًا بلا معنى. الأسرة المستقرة المتماسكة تُخرج أفرادًا أسوياء قادرين على العمل والإنتاج واحترام القانون وبناء العلاقات، بينما الأسرة المضطربة تُخرج جيلاً متعبًا نفسيًا واجتماعيًا.

لذلك، أي نقاش حول الزواج ينبغي أن يضع نصب عينيه سؤالًا بسيطًا: هل هذا النموذج من الزواج يُنتج أسرة مستقرة أم يخلق صراعات مبكرة؟

القوامة والإنفاق: أصل تنظيمي لا امتياز مجاني


في المنظور الديني والاجتماعي السائد في مصر، دور الزوج أو الرجل هو القوامة، ومن جوهرها التكفل بمصروفات الأسرة ومسؤولية النفقة. هذا ليس تفضيلًا لشخص على آخر بقدر ما هو تنظيم للأدوار حتى لا تتحول الأسرة إلى ساحة شد وجذب دائم حول من يدفع ومن يتنازل.

وإذا ساعدت الزوجة في تحسين مستوى المعيشة، فهذا فضل منها وإحسان، وليس دينًا في رقبتها ولا شرطًا لقيام البيت. المشكلة اليوم أن بعض الشباب لا ينطلق من فكرة “أنا مسؤول وسأقوم بما أستطيع”، بل من فكرة “لن أتزوج إلا من ستعينني ماليًا”، ثم يبدأ النزاع من أول خطوة في تأسيس المنزل.

من المهر إلى (النص بالنص): انقلاب في المفاهيم


في الأصل، المهر حق خالص للفتاة؛ ليس ثمنًا لتأسيس البيت، بل هو تكريم للزوجة وواجب شرعي لها. أما تأسيس البيت في حدّه الأساسي فهو من مسؤولية الرجل بحسب قدرته، مع مراعاة واقع الغلاء والضغوط الاقتصادية التي لا يختلف عليها أحد.

مع تصاعد الأعباء المعيشية ظهرت صيغة تُسمّى: التأسيس بالنص بالنص؛ مفادها أن يساهم الشاب بنصف الأثاث، وتساهم الفتاة بالنصف الآخر، على أن تتنازل عن المهر، ثم يُكتب الأثاث كاملًا في قائمة المنقولات باسم الفتاة وفق المتعارف عليه في المجتمع المصري.

نحن مع التيسير على الشباب في ظل الظروف الراهنة وارتفاع الأسعار، ومع تقليل المبالغات في الطلبات والشكليات، لكن يجب التفريق بين أمرين:

  • تيسير حقيقي يخفف الأعباء مع حفظ الحقوق.

  • وبين تحويل الزواج إلى “صفقة” غايتها أن لا يقدّم بعض الشباب شيئًا يُذكر، أو أن يتهرّب من مسؤولياته الأساسية تحت شعار “النص بالنص”.

بين تيسير الزواج والطمع المقنّع


التيسير الحقيقي يعني: تقليل المظاهر، خفض التكاليف، اختيار الضروري، مساندة الأهل، والرضا بحياة تبدأ بسيطة ثم تتحسن.

أما ما نراه اليوم في بعض الحالات فهو “تيسير على طرف واحد”:

  • يريد فتاة تعمل.

  • يريدها أن تشارك في تأسيس المنزل.

  • يريد تقاسم المصروفات.

  • وفي الوقت نفسه لا يريد أن يقدم مهرًا، ولا يريد قائمة تحفظ حقها، ولا يريد الالتزام بما جرى به العرف أو الدين من مسؤولية الرجل عن الأساسيات.

وهنا يصبح الأمر أقرب إلى طمع مُغلَّف بشعار “الظروف صعبة”، بينما الواقع يقول إن الظروف الصعبة لا تبرر إسقاط الحقوق.

رؤية متوازنة: لا نعيد المرأة للوراء ولا نُسقط واجبات الرجل


الحل ليس في مهاجمة عمل المرأة ولا في تقديسه كشرط للزواج، بل في إعادة التوازن:

  1. تعليم المرأة قيمة عظيمة، وكلما ارتقت علميًا انعكس ذلك على الأبناء وعلى جودة التربية.

  2. عمل المرأة حق وخيار، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى التزام يُفرض عليها لتخفيف أعباء الرجل.

  3. مسؤولية النفقة على الزوج بحسب طاقته، مع الصراحة منذ البداية: ما الذي يستطيع أن يقدمه وما الذي يحتاج فيه إلى تيسير من الطرفين.

  4. إن شاركت الزوجة ماليًا فذلك بإرادتها، ليس واجبًا أصيلًا.

  5. التيسير مطلوب لكن دون استباحة حقوق المرأة أو تحويل الزواج إلى مشروع اقتصادي.

الزواج ليس مجرد بيت وأثاث وموارد مالية تضاف إلى بعضها، بل هو بناء إنسان ثم بناء أسرة، والأسرة هي نواة المجتمع؛ إذا صلحت صلح المجتمع كله. تمكين المرأة وتعليمها وعملها مسار هام جدًا، لكنه لا يجب أن يُستعمل ذريعة لتبديل الأدوار على نحو يظلمها أو يُسقط أصل المسؤولية عن الرجل.

المطلوب اليوم أن نيسر دون إفراط، وأن نعين الشباب دون أن نحمل الفتيات الفاتورة كاملة باسم «الشراكة»، وأن نعود إلى جوهر الزواج، وهو المودة والرحمة والعدل، دون إسقاط مسؤولية أحد، ونجعل من الأسرة بداية صالحة للمجتمع.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading