انتهت قبل ساعات فاعليات قمة المناخ الدولية في مدينة بيليم البرازيلية (COP30)، تحت شعار “من التمويل إلى التنفيذ”، بعد سنوات من المفاوضات التي تركّزت على الالتزامات الكلامية، لتسعى لإحداث خطوات ملموسة نحو التكيف مع التغير المناخي، العدالة المناخية والانتقال العادل إلى اقتصاد منخفض الكربون.
لكن النتائج كانت تمزج بين بعض المكاسب المهمة وتسويات مقلقة كما أظهرت انقسامات عميقة حول مستقبل الوقود الأحفوري.
1. التمويل للتكيف — “ثلاثة أضعاف” لكن متأخر
1. مضاعفة تمويل التكيف
في COP30 اتفقت الدول على ما يُعرف بـ Belém Package والذي تضمن التزامًا بـ “مضاعفة تمويل التكيّف ثلاث مرات على الأقل” بحلول عام 2035.
الهدف المالي الذي ذكر هو حوالي 120 مليار دولار سنويا.
2. تأجيل الموعد
الانتقال إلى هذا الهدف المتزايد للتمويل لم يكن فوريا: الموعد تم تأجيله حتى عام 2035.
هذا التأجيل أثار انتقادات من بعض الدول والمراقبين لأن المتضرّرين من التغير المناخي — لا سيما الدول النامية — بحاجة عاجلة إلى تمويل التكيف وليس وعود على المدى البعيد.
3. مؤشرات التكيّف
تم تبني مجموعة من 59 مؤشرا طوعيا (Non-prescriptive) لقياس التقدم في “الهدف العالمي للتكيّف” (Global Goal on Adaptation).
هذه المؤشرات تغطي قطاعات مثل المياه، الغذاء، الصحة، النظم البيئية، البنى التحتية وسبل العيش وتشمل التمويل، التكنولوجيا وبناء القدرات.
تحليل: على الرغم من أن الالتزام بمضاعفة التمويل يُعد نتيجة مهمة — إذ يعكس اعترافا بالتحديات الكبيرة التي تواجه الدول الضعيفة — فإن تأجيل التراكُم المالي إلى عام 2035 قد يكون متأخرا جدًا من منظور الدول الأكثر تضررا. كما أن المؤشرات الطوعية قد تفتقر إلى القوة التنفيذية وقد لا تترجم دائما إلى تمويل ملموس أو إلى سياسات فعالة على أرض الواقع.
2. الفشل في تضمين مسار رسمي لوقف الوقود الأحفوري
1. غياب الإشارة إلى الوقود الأحفوري في النص الرسمي
النسخة النهائية من الاتفاق لم تتضمن أي ذكر مباشر لوقف أو التخلّص من النفط والغاز والفحم (“Fossil Fuels”) بالرغم من الضغوط لدمج ذلك.
هذا جاء بعد معارضة قوية من بعض الدول المنتجة للنفط (بما في ذلك دول الخليج).
2. مبادرة غير رسمية من بعض الدول
أكثر من 80 دولة أعلنت دعمها لطريق طوعي (Roadmap) للخروج من الوقود الأحفوري لكن هذا لم يدرج في النص الملزِم للاتفاق.
هذه المبادرة تبقى تطوعية ولا توجد آلية ملزمة ضمن الاتفاق لإجبار الدول على هذه الخريطة.
3. انتقاد منظمات المجتمع المدني
منظمات بيئية مثل 350.org وصفت الاتفاق بأنه “وعود على الورق فقط” دون خارطة طريق واضحة للتنفيذ الزمني أو تمويل متوافق مع ما تطلبه العلوم.
النقاد يقولون إن غياب التزام رسمي لوقف الوقود الأحفوري يعني التراجع عن الطموحات التي ظهرت في مؤتمرات سابقة.
تحليل: عدم تضمين خارطة طريق ملزمة لوقف الوقود الأحفوري يُعد نقطة ضعف كبيرة في نتائج COP30. قد تكون الدول المنتجة مثل السعودية نجحت في منع هذه الإشارة الصريحة، وهو ما يقلل من الطموح الفعلي للعمل المناخي الجاد، خاصة في تقليل الانبعاثات من المصدر الأساسي لها. على المدى الطويل غياب مثل هذا التزام قد يعيق الجهود لتحجيم الاحترار العالمي.
3. آلية “الانتقال العادل” – بام (BAM) وآلية بيلم للعمل
1. آلية بيلم (Belém Action Mechanism – BAM)
من أبرز إنجازات COP30 هو اعتماد ما يعرف بـ “آلية بيلم” (Belem Action Mechanism) وهي آلية للانتقال العادل (Just Transition) تضع الناس والعدالة في صلب التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
الآلية تهدف إلى تنسيق دولي لتبادل الممارسات الجيدة حول كيفية دعم العمال والمجتمعات التي تتأثر من إغلاق أو تقليص القطاعات الملوثة (مثل الفحم والنفط).
تم الاتفاق أن التمويل ضمن هذه الآلية يجب أن يفضّل تمويلا لا يخلق ديونا وأن تشمل نقل التكنولوجيا للدول النامية.
2. العدالة والمساواة
منظمات حقوق الإنسان مثل أمنستي إنترناشونال أثنت على هذا التقدم واعتبرت أن آلية الانتقال العادل تعد خطوة نحو حماية حقوق العمال والمجتمعات لكنها حذرت من غياب المساءلة والشفافية في التطبيق.
دعم واسع من دول (منظمات المجتمع المدني ودول تفاوضية) لتبني هذه الآلية ضمن ما يطلق عليه “بام!” (نشاط دعائي لدى النشطاء).
3. حدود التزام التمويل
على الرغم من اعتماد هذه الآلية لم يتم تخصيص تمويل كبير مخصص لها في الاتفاق؛ لا يوجد التزام مالي ضخم منفصل عن التمويل العام للمناخ.
بعض النقاد يعتبرون أن الآلية لا تزال “إطارا تشاوريا” أكثر منه أداة تنفيذ بقوة ملزمة مالية وقانونية قوية.
تحليل: آلية BAM تمثل إنجازًا دبلوماسيا هامًا وتجسيدا لمطالب العدالة المناخية. لكنها تظل آلية أكثر منطقية منطقًا تشاركيا وليس ملزمة بتمويل ضخم. إذا لم ترافقها موارد مالية كافية وتنفيذ جاد، قد تظل مجرد “وعد بالإجراءات العدلة” دون تأثير فعال على الواقع الاقتصادي للعمال والمجتمعات المتأثرة.
4. المشاركة والحقوق الأصلية
1. دور الشعوب الأصلية
COP30 شهد مشاركة تاريخية للشعوب الأصلية خاصة أن القمة تعقد في الأمازون وهو تراث أصلي مهم.
تم إنشاء “لجنة الأمم الأصلية الدولية” (International Indigenous Peoples Commission) بالتعاون مع رئاسة COP30 لدعم مشاركة الشعوب الأصلية في الحوارات المناخية.
نظمت فعاليات ضمن “الدائرة الأصلية” (Indigenous Peoples’ Circle) لإتاحة منصة لعرض خبرات الشعوب الأصلية حول حماية الأرض وإدارة المعرفة التقليدية.
2. انتقادات ومخاوف
مع ذلك عبّر العديد من ممثلي الشعوب الأصلية عن خيبة أمل: المشاركة كانت رمزية أكثر من عملية ولم تتحقق مطالب قوية مثل التمويل المباشر لإدارتهم الإقليمية أو مشاركة كاملة في صنع القرار.
اشتكى البعض من “عسكرة” المؤتمر حيث زادت الإجراءات الأمنية بشكل كبير بعد احتجاجات مما خلق شعورًا بأن الشعوب الأصلية تعامل كمصدر تهديد بدلا من شركاء في الحوار.
منظمات حقوقية (مثل أمنستي) أشارت إلى أن بعض جلسات التفاوض انعقدت خلف الأبواب المغلقة، مع غياب رقابة كافية من المجتمع المدني الأصلي.
3. تمويل وحماية الأراضي
رغم بعض التقدم الرمزي في الاعتراف بحقوق الأراضي والتقاليد الأصلية فإن الكثير من المجتمع الأصلي يرى أن الخطوات المالية لحماية أراضيهم ما زالت غير كافية.
بعض الأصوات نبهت إلى أن الآليات المقترحة مثل “آلية غابات الأمازون” أو أسواق الكربون قد تستخدم كستار لترويج “الحلول الزائفة” (مثل مزامنة الكربون) بدلا من وقف استخراج النفط أو التعدين في أراضيهم.
تحليل: المشاركة الواسعة للشعوب الأصلية في COP30 تعد من النجاحات الرمزية لكنها ما زالت تواجه تحديات هيكلية. إن الاعتراف التقليدي مهم لكنه غير كاف إن لم يتبعه تمويل حقيقي لحماية الأراضي وضمان تمكين مؤسسي يسمح للمجتمعات الأصلية بالمشاركة في صنع القرار والتطبيق.
5. تقييم عام ومآلات مستقبلية
1. الإنجازات
Belém Package يعد نقطة تحول دبلوماسية: التزام ملموس (ولو محدود التنفيذ حتى الآن) بتمويل التكيّف، وتبني مؤشرات للتكيّف وتأسيس آلية انتقال عادل.
آلية الانتقال العادل (BAM) تمثل خطوة استراتيجية مهمة نحو العدالة المناخية إذا ما تم تنفيذها بطريقة فعالة.
المشاركة المتزايدة للشعوب الأصلية عززت الشرعية الأخلاقية للمؤتمر وجعل صوتهم أكثر وضوحا.
2. القصور والمخاطر
التأجيل إلى 2035 لتمويل التكيّف يقلل من تأثير الالتزام في الأجل القريب، خاصة للدول الأكثر ضعفا.
غياب التزام رسمي لوقف الوقود الأحفوري يُبقي الباب مفتوحا لاستمرار الاعتماد على النفط والغاز وإبطاء الانتقال.
التمويل الفعلي لآلية BAM لم يضمن بعد وقد يبقى إطارًا نظريا إذا لم تُترجمه الدول إلى استثمارات ملموسة.
المشاركة الأصلية على الرغم من حجمها تواجه مخاطر التهميش إذا لم تُترجم إلى قوة تأثير سياسية واقتصادية حقيقية.
3. التوجهات المستقبلية
يتوقع أن تكون السنوات القادمة (حتى COP31 وما بعده) حاسمة لتحويل تصريحات Belém إلى أنشطة تنفيذية مؤثرة.
من المرجح أن تركز الانتقادات والمساءلة من المجتمع المدني على مدى تسليم الدول للالتزامات: هل ستلتزم بتمويل التكيّف قبل 2035؟ هل ستدعم آلية BAM ليس فقط بالخطاب ولكن أيضًا بالميزانيات؟
من المهم أن تعمل الأمم المتحدة ومنظمات المناخ على بناء آليات تدقيق وشفافية لتتبع إنفاق التمويل ومراقبة التزام الدول خاصة فيما يتعلق بالمؤشرات الطوعية.
تعزيز القدرات المحلية (وخاصة لدى الشعوب الأصلية) على الإدارة المناخية قد يكون مفتاحًا لضمان أن التحول لا يترك له أثر سلبي على الفئات الأضعف.
في الختام
يمكننا القول بأن قمة COP30 في بيليم حققت تقدما مهما في بعض الجبهات لاسيما في مجال التكيّف والعدالة المناخية لكنها لم تكن قمة طموح قصوى من حيث التخلي عن الوقود الأحفوري.
التزام الدول بزيادة تمويل التكيّف وثلاثة أضعافه حتى 2035 هو خطوة إيجابية لكن الزمن بين الحاجة الفورية والتحقيق طويل. أما آلية “بام” للانتقال العادل فهي إنجاز مهم لكنه بحاجة إلى موارد وتنفيذ حقيقي لكي تكون أكثر من مجرد نوايا.
من ناحية الشعوب الأصلية كان هناك تمثيل غير مسبوق لكن الأصوات الأصلية حذرت من الإدماج الرمزي دون تغيير هيكلي فعلي في السلطة أو التمويل.
كما إن مخرجات COP30 يمكن أن تكون نقطة انطلاق إذا ترجمت إلى تنفيذ، لكن النجاح الحقيقي سيُقاس في السنوات القادمة على الأرض في القرى والمجتمعات المتأثرة في ميزانيات التكيف وفي الخطط الوطنية التي تلتزم بالعدالة والفعالية وليس فقط في الخطابات أو النصوص المتفق عليها.
