وجهات نظر

د.فوزى أبودنيا: هل ينجح العلماء في إنتاج لقاح يثبط انبعاث الميثان من المجترات؟

المدير الأسبق لمعهد بحوث الإنتاج الحيوانى

يُعزى إلى الأبقار وغيرها من الماشية سُبع انبعاثات الغازات المُسببة للاحتباس الحراري الناجمة عن أنشطة بشرية أو حيوانية، وذلك في وقت تُسبب فيه وسائل المواصلات خُمس هذه الانبعاثات تقريبا.

وتعتبر الماشية مسؤولة عما يصل إلى 14% من انبعاثات الغازات المُسببة للاحتباس الحراري الناجمة عن أنشطة بشرية أو حيوانية.

إلى جانب ثاني أكسيد الكربون فإن الأنشطة الزراعية توّلد نوعين آخرين من غازات الاحتباس الحراري بكميات كبيرة، وهما الميثان وأكسيد النيتروز.

وتمثل الحيوانات المُجترة – وبصفة خاصة الماشية والأغنام – المصدر الرئيسي للميثان، الذي يشكل أكثر من ثلث إجمالي الغازات المنبعثة نتيجة الأنشطة الزراعية. من المعروف ان الميكروبات الموجودة فى كرش المجترات والتى تحيا في البيئات الخالية من الأكسجين، تستطيع أن تقوم عبر عملية تسمى “التخمير المعوي”، تحليل وتخمير المواد النباتية التي تأكلها الحيوانات، ما يؤدي إلى توليد الميثان كمنتج ثانوي.

وتتجشأ تلك الكائنات لتخفيف الضغط الناجم عن تراكم هذه الغازات بداخل الكرش وإلا يحدث نفاخ للحيوانات.

حيث نجد ان الحيوان المُجتر الواحد يُنتج في المتوسط ما بين 250 و500 لتر من الميثان يوميا طبقا لاختلاف النوع والعمر والغذاء. حيث تُخرِج الأبقار 95 % من الميثان الذي يتولد في أمعائها من خلال التجشؤ، بينما تتخلص من النسبة المتبقية عبر إطلاق ريح.

وتفيد التقديرات بأن الميثان الذي تُخرّجه الماشية على مستوى العالم إلى الغلاف الجوي سنويا، سواء عن طريق التجشؤ غالبا أو إطلاق ريح في بعض الأوقات، يوازي 3.1 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون. فى الواقع إن مقدار انبعاثات الميثان من البقرة تزداد كلما زاد ما تأكله من الألياف فى العليقة.

لكن تغيير النمط الغذائى بإضافة بقوليات وزيوت مختلفة مثل الصويا وزيت بذر الكتان، إلى العلائق يكون مخفف إلى حد ما.

إن “التغذية الجيدة تجعل الحيوانات أكثر كفاءة إنتاجية، وكلما أصبحت الماشية أعلى كفاءة إنتاجية، كلما انخفض مقدار ما ينبعث منها من غاز الميثان”.

وفي هذا الإطار، يعمل العلماء على أمل أن يكون بوسعهم تقليص ما ينجم عن تربية الماشية من انبعاثات لغاز الميثان، والتى تسهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.

ويعتمد العلماء في جهودهم على عدة محاور تعتمد أغلبها على الإضافات الغذائية لتقليص المنبعث من غاز الميثان المنطلق نتيجة التخمرات المعوية للماشية مُسببة للاحتباس الحراري والتى تضاف للأنشطة الزراعية ذات الصلة.

وتكمن المفارقة في أن الميثان الذي تنتجه الحيوانات المجترة، ينجم عن عمل 3 % فقط من الميكروبات الكثيرة التي تعيش في منطقة من القناة الهضمية تُعرف باسم “الكرش”، وتشكل أول أجزاء أمعاء الحيوانات المجترة.

ويدرك الباحثون انه من خلال تجارب سابقة – تم فيها استخدام عقاقير دوائية – أن محاولات تثبيط الكائنات الدقيقة المولدة للميثان، أو ما يُسمى “مولدات الميثان”، تحقق نتائج واعدة على صعيد تقليص الكميات المنبعثة من هذا الغاز.

وهذا ما دفع العلماء المتخصصون فى التكنولوجيا الحيوية الخاصة بمجال تغذية المجترات في الآونة الاخيرة للعمل على إجراء تجارب داخل كرش بعض الحيوانات المجترة قد تسبب تغير كبير فى تثبيط انطلاق غاز الميثان الناتج عن التخمر المعوى للمجترات.

حيث يتم اجراء تجارب على حقن الأبقار بلقاح جديد مضاد لميكروبات معوية معينة مسؤولة عن توليد غاز الميثان خلال هضم تلك الحيوانات لغذائها، وهو الغاز الذي يمثل أحد أكثر الغازات المُسببة للاحتباس الحراري خطورة، وتزيد قوته الإحترارية – في بعض الأحيان – عن قوة غاز ثاني أكسيد الكربون بمقدار 25 مرة.

وفى هذا الإطار يعمل علماء الميكربيولوجى على تهيئة بيئة خالية من الأكسجين في المختبر، من أجل فصل الميكروبات المسؤولة عن توليد الميثان داخل أمعاء الحيوانات المجترة.

وقد نجح العديد من الباحثين بالفعل فى تحديد وتوصيف العديد من أنواع الميكروبات المتنوعة التى تُنتج الميثان في أمعاء الأغنام والأبقار، بهدف تحضير اللقاح المضاد لتكوين الميثان في كرش المجترات.

ويستفيد من هذه النتائج العلماء الذين، يعملوا بشكل منهجي على تحضير لقاحات، حيث يستهدف أكثر من نوع من أنواع الميكروبات المعوية في وقت واحد.

ويستهدف اللقاح، الذي يُحقن في تلك الحيوانات، تحفيز إنتاج الأجسام المضادة للميكروبات في لعابها، حيث تنتقل تلك الأجسام بالبلع إلى الأمعاء. وعلى الرغم من أن التجارب لن تشمل حتى الآن سوى عدد محدود من الأغنام والأبقار.

الا ان الباحثين قد رصدوا وجود عدد لا بأس به من الأجسام المضادة في اللعاب، وكذلك في “الكرش”، كما تم العثور عليها في البراز أيضا.

وبعد أن تمكن الباحثون من إثبات أن الحيوانات المُلقحة تنتج بالفعل هذه الأجساد المضادة، يحاولون الآن الكشف عما إذا كان ذلك يثبط توليد الميثان في الكرش من عدمه.

ولاختبار هذه الفرضية، يتعين على الباحثين وضع الماشية فيما يسمى “غرفة تنفسية”، وهي عبارة عن صندوق كبير شفاف مغلق تقريبا من كل جوانبه، بما يسمح فقط بمرور تيار من الهواء النقي إلى الداخل.

ويتم أخذ عينات من الهواء الذي يتراكم بالداخل، لتحديد مقدار غاز الميثان الذي يتولد بداخلها ويخرج من فتحات أجسادها.

على الجانب الأخر يحاول الباحثون إجراء تجارب خارج الحيوان بالمعامل، لقياس كميات غاز الميثان التي تنبعث من كرش الماشية كذلك المنبعث من الحيوانات في الحقول أو المراعى، وذلك لكي تكون لديهم فكرة أفضل على أرض الواقع.

ومن بين الوسائل التي يستخدمونها في الحقل بخصوص هذا الشأن، الاستعانة بأداة تغذية خاصة “معلف” مُعدّل، توجد فيه أداة تتولى أخذ عينات من زفير الحيوانات، خلال وضع رؤوسها في المعلف لتناول الغذاء.

ورغم أن دقة مثل هذه الوسائل لا تُقارن بالدقة الناتجة عن استخدام “الغرف التنفسية”، فإن اللجوء إليها يعطي فكرة جيدة بشأن ما يحدث حينما يتولد غاز الميثان في كرش عدد كبير من الحيوانات، قبل أن تطلقه بوسائل مختلفة إلى خارج أجسادها.

وعلى أي حال، لم يتوصل الباحثون حتى الآن إلى دليل قاطع يؤكد أن إعطاء الحيوانات ذلك اللقاح، يؤدي إلى تقليص ما ينبعث منها من الميثان.

وعلى الرغم من المحاولات لتحضير لقاح مضاد لهذه الكائنات – فانه قد سبق أن جرب ذلك العلماء في تسعينيات القرن الماضي دون أن يحالفهم النجاح – إلا أن تقدم التكنولوجيا والنهج الذي يتبعه العلماء حاليا من المتوقع أنه سوف يساعدهم كى سيحرزون نتائج إيجابية فى هذا الشأن.

لكن استخدام اللقاحات لا يمثل الخيار الوحيد لتقليص إنتاج الأبقار من الميثان. فلأن هناك دورا للاختلافات الجينية بين الأبقار في تحديد كمية الميثان المنبعثة منها، يتحدث بعض الباحثون عن إمكانية انتقاء السلالات الأقل تسببا في هذه الانبعاثات من تلك الحيوانات التى تسبب إنبعاثات أكثر، لتربيتها.

ويفيد بعض علماء تربية الحيوان فى هذا الصدد الى أنه قد يقود انتقاؤنا بعناية لتربية سلالات الأغنام التي تنبعث منها – بشكل طبيعي – كميات أقل من غاز الميثان إلى ولادة قطعان من تلك السلالة، تكون مفيدة للبيئة على نحو أكبر.

لكن لا يتوقع باحثين آخرين اللجوء لهذا الخيار وحده، وإنما يتعين أن يشكل جزءا من برنامج أوسع نطاقا لتربية أبقار وأغنام أكثر صحة وحيوية وإفادة للبشر، وهي صفات يؤدي وجودها في الحيوان، إلى تقلص مقدار الغازات المُسببة للاحتباس الحراري المنبعثة منه.

ويشير بعض الباحثين العاملون في هذا المجال إلى أنهم نجحوا بالفعل على مدار السنوات العشرين الماضية، في تقليص التأثير الذي لحق بالبيئة نتيجة لإنتاج اللحوم والألبان، وهو ما يجعل مسألة تربية سلالات أقل إنتاجا للميثان من الأغنام والأبقار، مجرد عنصر يُضاف للبرامج الذي تجري تنفيذها بالفعل حاليا.

غير أن هناك من يتشككون في جدوى بدائل مثل هذه الأطروحات، قائلين إن عملية اختيار سلالات بعينها لتربيتها، قد يكون مُكلفا ويستلزم وقتا طويلا لتحقيق نتائج إيجابية.

على الرغم من كل ذلك يسعى العلماء المعنيين بالعمل على تقليص إنتاج الميثان إلى تطوير هذا اللقاح جنبا إلى جنب مع ابتكار أساليب أخرى مقاومة لغاز الميثان، لكي يتسنى لنا أن نواصل استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان، مع تقليص التأثير السلبي الذي تُخلّفه تربية المواشي على البيئة.

ومن بين الخيارات الأخرى المطروحة في هذا الصدد، تغيير نظام التغذية الخاص بالحيوانات، ليتألف من مكونات أقل ملائمة لتحفيز نمو البكتيريا والميكروبات التي توّلد غاز الميثان.

وفى هذا الصدد وجد علماء تغذية الحيوان ان تغيير نظام تغذية الأبقار والأغنام وغيرها من الماشية يؤدي إلى تقليص إنتاج الميثان الناجم عن نشاط الميكروبات التي تُحلّل وتخمر المواد النباتية الموجود في الكرش.

ويشير الباحثون الذين يعملون فى هذا الإتجاه إلى إن تغيير نظام التغذية، قد يؤدي إلى تقليص انبعاثات الميثان، بنسبة تتراوح بين 20 و25 %.

ويمكن كذلك في هذا الإطار اللجوء إلى إضافات للعلف، من قبيل مركبات كيمياوية تُعرف باسم “حامل الأيون”، والتى تُستخدم بالفعل وأدت لزيادة الوزن فى ماشية التسمين، ويمكن أن يُستعان بها أيضا لتثبيط الميكروبات والبكتيريا المُنتجة للميثان.

لكن الأمر لا يخلو من مشكلات في الوقت نفسه.

فالاتحاد الأوروبي يحظر أن تُستخدم هذه المركبات – المُصنّفة على أنها مضادات حيوية – مع الحيوانات الموجودة في الدول الأعضاء فيه، بسبب مخاوف من أن استخدامها على نحو مفرط في الأنشطة الزراعية، يساعد على زيادة مقاومة البكتريا للعقاقير الدوائية.

ويبدو هذا الحظر مثيرا للجدل، بالنظر إلى أن تلك المركبات لا تُستخدم في الأدوية المخصصة للبشر، كما أنها تُحْدِث تأثيرها، على نحو يختلف عما تفعل المضادات الحيوية المستخدمة في العلاج.

وفى بُعد اخر يمثل وضع إضافات على علف الحيوانات طريقة أخرى يمكن من خلالها تقليص غاز الميثان المنبعث من الماشية، والذي ينجم عن روثها أيضا.

وتضم قائمة الإضافات التي يمكن أن تثبط أنشطة توليد غاز الميثان في الماشية خيارات أخرى، من بينها مادة “3 نيترووكسيبروبانُل”، التي حظيت باهتمام كبير في الآونة الأخيرة، وهي تقلص من معدلات تحويل الكربون إلى الميثان بنسبة تصل إلى 30 % أحيانا.

من جهة أخرى، يمكن أيضا تغذية الماشية بمُتممات غذائية تتألف من البكتيريا الحية أو الخمائر التي يُعتقد أنها ذات تأثير صحى على الماشية، وتعرف تلك المواد باسم “بروبيوتيك”، وتستخدم لتحسين عملية الهضم للماشية.

وهناك أبحاث تتم فى هذا الصدد على قدم وساق لتطوير متممات تستهدف تثبيط عملية توليد الميثان بداخل كرش الماشية، ويأمل الباحثون للوصول إلى نوع – يمكن بعد تحضيره – أن يقلص انبعاثات ذلك الغاز بنسبة قد تصل إلى 50 %.

لكن المشكلة تتمثل في أن الاستعانة بمثل هذه المواد الكيمياوية المُثبطة لتوليد الميثان أو بالمتممات الغذائية المستخدمة للغرض ذاته، يجعل من الواجب إضافتها يوميا إلى الأعلاف.

فضلا عن أنه سيكون من الصعب جعل مثل هذه المواد غذاءً بشكل منتظم للماشية التي تتغذى في غالبية الأوقات على العشب فى المراعى. لذا سيصبح ذلك خيارا مُكلفا على الأرجح.

أما اللقاح، فستكون هناك حاجة لحقن الحيوان به مرة واحدة فقط ربما، أو قد يستلزم الأمر تعزيز قوته مرة في كل عام لا أكثر.

وبعيدا عن الأسلوب الذي يسعى الباحثون لاستخدامه للتأثير على ميكروبات الأمعاء بهدف تقليص كميات الميثان التي تتولد داخل أجساد الماشية، فإن أي تدخل من هذا القبيل، قد يؤدي إلى عواقب غير منظورة.

فثمة ارتباط قوي بين الميكروبات الموجودة في أمعاء الحيوانات وحالتها الصحية، وهو ما يعني أن إحداث أي تغيير في تركيبتها قد يزيد من خطر الإصابة بالأمراض.

كما أن هذه التغييرات ترتبط في النهاية بالبشر الذى يتناول منتجات هذه الحيوانات. رغم ذلك فمن غير الواضح حتى الآن، ما إذا كان تقليل الميكروبات، التي تُنتج الميثان بداخل أحشاء الأبقار والأغنام، سيؤدي إلى إصابتها بالاكتئاب، أو يؤثر سلبا على كمية اللحوم والألبان التي يستخدمها البشر.

في نهاية المطاف، لا يبدو ذلك مرجحا حيث لا توجد مؤشرات على أن تقليل قدرة الحيوان على إنتاج غاز الميثان، سيقلل من قدرته بالتبعية على تحويل الأعلاف التي يتغذى عليها، إلى لحوم أو ألبان.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading