خلال الفترة من 1890 و 1940 شاركت أجيال من الفلاحين في رفع مئات الآلاف من أطنان الرمال والطين والأحجار عن مواقع التنقيب الأثري.
هؤلاء فلاحون معدمون، أي ليس عندهم أرض ولا طين ولا زرع.
آنذاك كانت أجسامهم رقيقة نحيلة من قلة الطعام وطول الشقاء.
بأجسادهم النحيلة التي تمرق من أضيق الممرات في الصخور، وبأصابعهم الرفيعة التي تلتقط أدق المكتشفات، واحترامهم أجدادهم الأولين، حملوا رؤوس نفرتيتي وحتشبسوت وتوت عنخ آمون من تحت انقاض آلاف السنين وسلموها بكل حرص وعناية للرجل الأبيض الذي كان أشبه بالمخلوقات الفضائية.
منح النظام السياسي للخديوية والملكية والاستعمار الإنجليزي هذه الكائنات الفضائية سلطات إلهية مطلقة، كان الواحد منهم يقف على رأس ألف فلاح يأمرهم بما لا يعرفون، وكيف يعرفون وهم في نظام من إقطاع وعبودية وسخرة وجهل؟
كان لدى الرجل الأبيض سلطة العلم المتراكمة منذ حملة نابليون وموسوعة وصف مصر.
تزخر شوارع بلادنا بأسماء وصور وتماثيل هؤلاء “الفضائيين”: بتري، ماسبيرو، مارييت، جالينيشيف…وغيرهم كثير ممن تنتشر صورهم في آلاف المراجع بكل لغات العالم.
في المقابل لا أحد يذكر هؤلاء الفلاحين الذبن يجب أن يكونوا في الصفحة الأولى من تاريخ تطور علم المصريات الذي استفاد منه العالم بأسره.
بالأمس كنت أطالع كتابا من عام 1908 لعالم فرنسي يكتب عن هؤلاء بشيء خافت بعيد، لا يذكر أسماءهم..يذكر فقط مطلع الأغنية التي كانت سلوانهم طيلة النهار “يامهون..هونها علينا!”.
ألا يلتفت أحد في وزارة الآثار لملف هؤلاء الأبطال المجهولين، الذين من دونهم ما قامت كل علوم التاريخ الحديثة؟
هل من الصعب إقامة أرشيف وطني ونصب تذكارية في كل قرية وبلدة للفلاح الأثري المجهول: من نقادة والبلاص وقفط والأقصر وأسوان وبلاد النوبة وميت رهينة وكوم الفراعين؟!
أولئك الذين نسي التاريخ أسماءهم وهم الذين اكتشفوا التاريخ، وكان أجدادهم أول من أضاء فجر التاريخ وعظموا استغلال الجغرافيا!
نقلا عن صفحة د. عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك



