د.عاطف معتمد: العرجون .. جغرافيا للأطفال!

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

قبل قرن من الزمن كانت مصر مضرب الأمثال في تعليم الجغرافيا للأطفال حول العالم.

فنهر النيل كان يعطى مثالا لسهم البوصلة الذي يشير دوما إلى الشمال، ولم يكن هناك من صعوبة في تسمية الصحراء التي تشرق منها الشمس عن يمين النيل باسم “الصحراء الشرقية” والتي تغرب فيها الشمس عن يساره باسم “الصحراء الغربية”.

وقد سيطرت فكرة اعتبار جغرافية مصر بسيطة مدرسية صالحة لضرب الأمثال طيلة النصف الأول من القرن العشرين، فنقرأ عند الجغرافي الإنجليزي العظيم جون بول عبارته الشهيرة التي يشبه فيها نهر النيل في مصر بنبات اللوتس، حيث وادي النيل الساق، والدلتا الزهرة، والفيوم البرعم.

وحين نقل جمال حمدان هذه العبارة عن جون بول وذكره في الهامش أراد أن يضيف تشبيها آخر فقال نفس ما قاله جون بول بطريقة مغايرة واصفا أرض مصر بالنخلة: الوادي ساقها والفيوم عرجونها.

والحقيقة إن كلمة عرجون التي استخدها الجغرافي العظيم جمال حمدان لوصف الفيوم وهي منبثقة عن يسار وادي النيل تبدو غريبة وغير مفهومة إذا نظرنا إليها نظرة سطحية.

فالعرجون الذي جاء ذكره في بعض آيات القرآن الكريم كان يصف أحد أوجه أو أشكال أو “منازل” القمر فجاء في الآية الكريمة من سورة يس ” وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ”.

وقد ذهب أغلب المفسرين إلى أن العرجون هو سباطة النخل المقوسة في دلالة على شكل الهلال المقوس الذي هو أحد منازل القمر.

إذا كان جون بول قد وصف الفيوم بأنها “برعم” من زهرة اللوتس فإن حمدان استخدم “عرجون” النخل.

يبدو هنا الأمر في حاجة إلى تفسير، فالعرجون هو سباطة النخل منحنية مقوسة من أعلى النخلة إلى أسفلها بينما الفيوم تتفرع كالبرعم من يسار وادي النيل كما برعم اللوتس حقا.

ولكن الحقيقة إن الحالة المعكوسة التي يبدو عليها عرجون النخل سببها الحمل الثقيل الذي لم يتحمل العرجون وزنه فبدلا من تبرعمه لأعلى كبقية الجريد أو السباط الحر الذي لا يحمل شيئا ولا نفع منه إذ به ينزل لأسفل بحمله اليانع.

ويبدو أن حمدان كان يقصد أن الفيوم عرجون وادي النيل بمعنى ما تحمله الفيوم من ثمار على جانبه كما يظهر التمر النافع مع عرجونه.

جون بول الاستعماري الإنجليزي الذي قدم لمصر خدمات جليلة في علم الجغرافيا كان مأخوذا بالمشهد الأثري من حضارة مصر القديمة، أما حمدان فأخذ التشبيه إلى النخل والثمر.

إذا جاء جغرافي اليوم وأراد أن يتأكد من مقولة حمدان سيجدها تاريخية لا تناسب الحاضر، فالفيوم يتعرض لمعدلات تدهور بيئي بالغ، ولم يعد كما كان في الماضي “سلة غذاء” و”شبكة أسماك” مصر.

ورغم كل ذلك، تبدو المقولات الجغرافية القديمة مفيدة في “استرداد البيئة” وإيقاف العدوان عليها.

الصورة المرفقة تعرض من اليمين لليسار:

Exit mobile version