د.سالي فودة: دمج الطاقة النظيفة وحماية البيئة.. خارطة طريق للدول النامية

أستاذ مساعد الهندسة الحيوية- مركز البحوث الزراعية- استشاري تكنولوجيا تدوير المخلفات الزراعية

يمثل دمج أنظمة الطاقة مع مبادئ الاستدامة البيئية، والمعروف عالميًا باسم ترابط الطاقة والبيئة (Energy–Environment Nexus) ، أحد الأطر الجوهرية في علوم الاستدامة الحديثة.

يعكس هذا النموذج التحول العالمي نحو إنتاج طاقة منخفضة الكربون، واستعادة النظم البيئية، وتبني ابتكارات الاقتصاد الدائري.

ومن خلال تعزيز التكامل بين تقنيات الطاقة النظيفة وممارسات الإدارة البيئية، يوفر هذا الترابط مسارًا استراتيجيًا لتحقيق التنمية منخفضة الانبعاثات، وتحسين كفاءة الموارد، ودعم الالتزامات المناخية الوطنية والدولية. تستعرض هذه المقالة الأسس المفاهيمية لهذا الإطار، وتطبيقاته الحديثة، وأهميته الاستراتيجية، خاصة في الدول النامية.

فرضت التأثيرات المتسارعة لتغير المناخ، وتزايد الطلب على الطاقة، وتدهور البيئة، على صانعي السياسات والباحثين تبنّي نماذج متكاملة تربط بين إنتاج الطاقة وحماية البيئة.

ومن هنا اكتسب ترابط الطاقة والبيئة أهمية متزايدة كإطار متعدد التخصصات قادر على توحيد الأهداف التكنولوجية والبيئية والاجتماعية-الاقتصادية.

وعوضًا عن النظر إلى توسع الطاقة وحماية البيئة كأهداف متعارضة، يؤكد هذا الإطار ضرورة إيجاد حلول تكاملية تُسهم في خفض الانبعاثات، وتحسين الخدمات البيئية، وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام.

ويُعد هذا المنظور المتكامل أساسيًا للدول الساعية لمواءمة سياساتها مع أهداف التنمية المستدامة، واتفاق باريس للمناخ، واستراتيجيات التحول منخفض الكربون.

 الأسس المفاهيمية لنموذج الترابط

يستند ترابط الطاقة والبيئة إلى فهم أن أنظمة الطاقة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالدورات البيئية. فعمليات استخراج الطاقة وتحويلها واستهلاكها تؤثر على جودة الهواء وصحة التربة والموارد المائية واستقرار المناخ، بينما يؤدي تدهور البيئة إلى إضعاف أداء تقنيات الطاقة المتجددة.

تشمل المبادئ الأساسية لهذا الإطار ما يلي:

يدعم هذا الإطار التفكير المنظومي، ويساعد في تصميم تدخلات تزيد من المنافع المشتركة عبر القطاعات المختلفة.

– الأبعاد التطبيقية لترابط الطاقة والبيئة

 الطاقة الحيوية والاقتصاد الدائري

يُعد استغلال المخلفات الزراعية والعضوية لإنتاج الطاقة الحيوية والمنتجات البيئية أحد أبرز تطبيقات هذا الإطار. فالتقنيات الحرارية مثل التحلل الحراري (Pyrolysis) تمكن من تحويل المخلفات إلى:

تُحقق هذه المخرجات منافع مزدوجة تشمل توفير حلول للطاقة، وتقليل المخلفات، والحد من الحرق المكشوف، وتحسين خصائص التربة، والمساهمة في أسواق الكربون، وهو ما يعكس الطبيعة متعددة الفوائد لهذا الإطار.

 الوقود الأخضر وجودة الهواء

يسهم الوقود الحيوي منخفض الكربون، بما في ذلك زيت التحلل الحراري والوقود الحيوي المتقدم، في تقليل الانبعاثات الكلية وتحسين جودة الهواء، مما يعزز التكامل بين أمن الطاقة وصحة البيئة.

المدن الذكية وإدارة الموارد المتكاملة

تستفيد سياسات الاستدامة الحضرية من هذا الإطار من خلال:

تعكس هذه النماذج شكلًا متقدمًا من “الأيض الصناعي الأخضر”، حيث تُوجّه القرارات بناءً على كل من تدفقات الطاقة والمؤشرات البيئية.

الأهمية الاستراتيجية للدول النامية

يوفر ترابط الطاقة والبيئة فرصًا مهمة للدول النامية، لا سيما تلك التي تمتلك موارد حيوية ضخمة وتواجه طلبًا متزايدًا على الطاقة. ففي دول مثل مصر، يتوافق هذا الإطار مع:

ومن خلال الاعتماد على المخلفات المحلية والموارد الحيوية، يمكن للدول تقليل البصمة الكربونية وتعزيز أمن الطاقة.

التحديات والاتجاهات المستقبلية

رغم النتائج الإيجابية لهذا الإطار، لا تزال عدة تحديات قائمة، أبرزها:

ينبغي أن تركز الأبحاث المستقبلية على تقييم دورة الحياة، ونماذج الخدمات البيئية، وتحليل الجدوى الاقتصادية-التقنية لدعم تطبيق هذا الإطار على نطاق واسع.

 الخلاصة

يمثل ترابط الطاقة والبيئة نموذجًا تحويليًا قادرًا على مواجهة تحديات الاستدامة العالمية. فمن خلال الدمج بين الطاقة النظيفة واستعادة البيئة، يوفر هذا الإطار رؤية شاملة لتحقيق التنمية منخفضة الكربون، وزيادة كفاءة الموارد، وتعزيز المرونة المجتمعية.

ومع تصاعد الضغوط المناخية، يصبح تبنّي هذا النموذج المتكامل ضرورة ملحّة للسياسات الوطنية والأجندات العالمية المستقبلية.

Exit mobile version