د.رفعت جبر: من طهران إلى قناة السويس.. قراءة في هندسة الفوضى وصراع الممرات
أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة
-
مقصلة الجغرافيا.. هل يُعاد رسم الشرق الأوسط عبر «إمبراطورية الممرات»؟
في غرف التخطيط الجيوسياسي الغربي، لا يُنظر إلى إيران كدولة ذات سيادة، بل كعائق جغرافي يجب “تسييله” وذلك لحرمان التنين الصيني والدب الروسي من التقدم والسيادة وانهاء أحلامها فى طريق الحرير وخسارة المورد الثاني للنفط بعد فنزويلا.
وتدرك القاهرة، بعمقها التاريخي، أن الإصرار الغربي الخفي على تفكيك المركزية الإيرانية لا يستهدف طهران وحدها، بل هو ضربة استباقية لـ تجريد مصر، لاقدر الله، من مخالبها الاقتصادية والجغرافية، وتركها مكشوفة تمامًا أمام مشروع “المركز الإسرائيلي” المهيمن.
كما تُشير القراءة المتعمقة أكثر فأكثر على اصرار إلى أن التخطيط الجيوسياسي الغربي على أن المنطقة لم تعد تواجه صراعات سياسية عابرة، بل “زلزالًا جغرافيًا” مُمنهجًا، يبدأ من سقوط إيران ويستهدف تسييل الحدود القائمة.
والحقيقة أن “الشرق الأوسط الذي نعرفه ربما قد يكون انتهى”؛ لنبدأ عصرًا جديدًا يحكمه مخطط “مضبوط بالثانية” لإحلال “السيادة الإسرائيلية العابرة للحدود” محل الدولة الوطنية المركزية، عبر تمزيق الجغرافيا لتعبيد الطريق أمام “إمبراطورية الممرات”.
-
استراتيجية “المخنق”: تفتيت إيران كبروفة لضرب قناة السويس
لا يُنظر إلى إيران في الاستراتيجية الغربية كدولة، بل كعائق جغرافي وساتر استراتيجي يجب إزالته. إن السعي لتحويل إيران إلى “دويلات قزمية” (عربستان، أذربيجان، كردستان..إلخ) ليس هدفًا في حد ذاته، بل هو وسيلة لـ:
- تجريد مصر من: سقوط المركزية الإيرانية يفتح الباب لإنشاء ممرات برية وبحرية بديلة تربط الخليج بالمتوسط عبر الموانئ الإسرائيلية، مما يؤدي آلياً إلى خنق قناة السويس وتحويلها من شريان عالمي إلى ممر ثانوي.
- السيطرة على “الشرايين السبعة”: يهدف الحشد العسكري في المنطقة للسيطرة المطلقة على المضايق الحيوية (هرمز، باب المندب، قناة السويس، تيران، البوسفور، جبل طارق) لترويض القوى الصاعدة مثل الصين وتحويلها إلى منافس “أليف” يتحرك بإذن من يملك مفاتيح البحار.
-
عدوى “السيولة الجغرافية” واستهداف المربع الذهبي
إن الإصرار على تفكيك أوصال إيران تحت ستار “اللامركزية” هو “فخ البداية” الذي يراد تعميمه على “المربع الذهبي” (مصر، السعودية، تركيا، باكستان):
- تفكيك الجيوش المركزية: يرى المخطط الاستعماري الجديد في الجيش المصري القوي عائقاً أمام الهيمنة المطلقة، لذا يتم استخدام “بلقنة إيران” كذريعة دولية للمطالبة بكيانات مماثلة تُضعف القرار الوطني وتشتت القوة العسكرية.
- صراع العقول: إدراك تركيا لهذا الخطر دفعها لتعيين “ثعلب المخابرات” هاكان فيدان لإدارة المعركة بالعقول، بينما تتحرك القاهرة بـ “بنك معلومات” استراتيجي لتجنب الانجرار العاطفي للصراعات التي تؤدي إلى فخ التقسيم.
-
ترنح القطب الواحد ومقايضات الكبار
لاجدال أنه خلف الستار، تؤكد الوقائع أن الهيمنة الأمريكية بدأت “تنزف”؛ فسقوط قواعد عسكرية واهتزاز السيطرة الميدانية دفع واشنطن للدخول في مقايضات كبرى، شملت التخلي عن حلفاء وترك مناطق نفوذ كاملة لمصيرها (مثل أوروبا وتايوان)، بينما تتحين قوى قديمة كبريطانيا الفرصة لاستعادة أحلامها الإمبراطورية فوق أنقاض النظام الحالي.
وربما إذا استغرقنا فى الأمل قد تكون الحرب على إيران نهاية الإمبراطورية الأمريكية مثلها مثل نهاية الإمبراطورية البريطانية عام 1956 بعد العدوان الثلاثىعلى مصر.
الخلاصة: “القوة المشتركة” كدرع للبقاء
إن “مقصلة الجغرافيا” لن ترحم الضعفاء، والشرق الأوسط الجديد يُرسم الآن بالدم والبارود، ومن لا يملك القوة والوعي اليوم، لن يجد له مكانًا على خريطة الغد. وتتجسد الرؤية المصرية الثاقبة في أن بقاء الدولة الوطنية المركزية القوية هو حائط الصد الوحيد أمام مشروع “التبعية المطلقة” لتل أبيب.
وهنا تبرز الأهمية القصوى والملحة لرؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي في إنشاء “قوة عربية مشتركة”؛ فهي ليست مجرد خيار عسكري، بل هي “ضرورة وجودية” لتعويض غياب التوازن الإقليمي.
إن اتحاد دول “المربع الذهبي” وتفعيل القوة العربية المشتركة هو السبيل الوحيد لإجهاض مخطط “السيولة الجغرافية”، وضمان حماية ممرات الملاحة المصرية (قناة السويس) من محاولات التهميش، ومنع تحويل المنطقة إلى جزر معزولة تتسابق لاسترضاء القوى الكبرى.
الرسالة الأخيرة: “لا وقت للخلافات”، فوحدة الجغرافيا بين القاهرة وجيرانها هي الضامن الوحيد لعدم المساس بالخريطة الوطنية في عصر لا يعترف إلا بالأقوياء.





