دراسة صادمة: الأرز المتداول بالأسواق قد يحتوي على معادن سامة تهدد الأطفال

الزرنيخ والكادميوم في الأرز.. خطر خفي يواجه الرضع والأطفال الصغار

أصبح أرز الأطفال من أكثر المنتجات الغذائية التي أثارت مخاوف تتعلق بسلامة الغذاء خلال السنوات الماضية. وعلى مدار العقد الأخير، وضعت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) حدودًا لمستويات الزرنيخ في حبوب الأرز المخصصة للرضع، كما أوقفت شركات كبرى تسويق المنتجات الأعلى تلوثًا، ما أسهم في خفض مستويات الزرنيخ في هذه المنتجات بنحو 50%.

ومع ذلك، لم تشمل هذه الإجراءات أنواع الأرز العادية التي تشتريها الأسر وتستخدمها في إعداد الطعام اليومي. وتشير اختبارات جديدة شملت 145 عينة من الأرز المتوافر في الأسواق إلى أن هذا الفراغ التنظيمي قد تكون له تبعات صحية مهمة.

ماذا كشفت الاختبارات؟

أجرت مؤسسة Healthy Babies Bright Futures (HBBF)، وهي منظمة غير ربحية تُعنى بدراسة تعرض الأطفال للمواد الكيميائية السامة، تحليلًا لـ145 عبوة من الأرز تم شراؤها من متاجر ومنصات بيع إلكترونية مختلفة في الولايات المتحدة.

وشملت العينات أنواعًا محلية ومستوردة من الأرز، وأظهرت النتائج أن جميع العينات احتوت على الزرنيخ، وهو الملوث الأكثر إثارة للقلق في الأرز.

كما تبين أن أكثر من ربع العينات تجاوزت مستوى الزرنيخ المسموح به في حبوب الأرز المخصصة للرضع، وهو الحد الذي يسمح للجهات التنظيمية باعتبار المنتج غير صالح للبيع إذا تم تجاوزه. لكن هذا الحد لا يُطبق على الأرز العادي المستخدم في المنازل.

ولم يقتصر الأمر على الزرنيخ، إذ رُصد الكادميوم في جميع العينات تقريبًا، باستثناء عينة واحدة، بالإضافة إلى كميات أقل من الرصاص والزئبق في بعض المنتجات.

لماذا يمثل الأرز مشكلة خاصة؟

الارز

الزرنيخ عنصر طبيعي يوجد في التربة والمياه، لكن نبات الأرز يمتلك قدرة أكبر من معظم المحاصيل الأخرى على امتصاصه من البيئة المحيطة.

ويُعد الزرنيخ غير العضوي الشكل الأكثر سمية، ويتراكم تدريجيًا داخل حبوب الأرز أثناء نمو النبات في الحقول المغمورة بالمياه.

وبالنسبة للأطفال دون سن الثانية، يُعد الأرز المصدر الغذائي الأكبر للزرنيخ مقارنة بأي طعام صلب آخر، بما في ذلك الفواكه والخضراوات والوجبات الخفيفة.

وتزداد أهمية هذه المسألة خلال فترات الحمل والسنوات الأولى من عمر الطفل، وهي مراحل حاسمة في نمو الدماغ والجهاز العصبي.

ويؤكد الباحثون أن القلق لا يتعلق بالتسمم الحاد، إذ إن المستويات المكتشفة أقل بكثير من الجرعات التي تسبب حالات تسمم فورية، وإنما يرتبط بالتعرض المزمن لكميات صغيرة على مدى أشهر أو سنوات.

الأطفال الأكثر عرضة للخطر

يمثل الأرز عنصرًا أساسيًا في غذاء أكثر من مليار طفل حول العالم، كما تعتمد عليه العديد من الأسر بشكل يومي.

وتظهر البيانات أن الأطفال في بعض الأسر التي تستهلك الأرز بكثرة قد يحصلون على كميات من الزرنيخ الغذائي تفوق أقرانهم بعدة أضعاف.

وفي بعض الفئات السكانية، يسهم الأرز بأكثر من نصف إجمالي الزرنيخ الذي يتعرض له الطفل عبر الغذاء.

الآثار الصحية المحتملة

الزرنيخ

 

ترتبط المستويات المرتفعة من التعرض طويل الأمد للزرنيخ بزيادة مخاطر الإصابة بسرطانات الرئة والمثانة والجلد.

كما ربطت مراجعات علمية شملت عشرات الدراسات بين التعرض المبكر للزرنيخ وانخفاض معدلات الذكاء وظهور مشكلات معرفية وسلوكية طويلة الأمد لدى الأطفال.

أما الكادميوم، فقد ارتبط بدوره بمشكلات تعليمية ونمائية. وأظهرت إحدى الدراسات أن الأطفال ذوي المستويات الأعلى من التعرض للكادميوم كانوا أكثر عرضة للإصابة بصعوبات التعلم والحاجة إلى خدمات التعليم الخاص.

فجوة تنظيمية مستمرة

شهدت حبوب الأرز المخصصة للرضع تحسينات ملموسة خلال السنوات الأخيرة نتيجة تدخل الجهات التنظيمية وتعديل ممارسات الصناعة الغذائية.

لكن الأرز العادي لم يحظَ بالاهتمام نفسه، رغم احتوائه على الملوثات ذاتها.

وتشير البيانات المتراكمة خلال أكثر من عقد إلى أن مستويات الزرنيخ في الأرز الأبيض لم تشهد انخفاضًا ملحوظًا، بل ظلت مستقرة تقريبًا على مدار السنوات الماضية.

كيف يمكن تقليل المخاطر؟

يرى الباحثون أن بعض الممارسات المنزلية البسيطة يمكن أن تقلل من التعرض للزرنيخ بشكل ملحوظ.

ومن بين أكثر الطرق فاعلية طهي الأرز بكميات كبيرة من الماء، تتراوح بين 6 و10 أكواب من الماء لكل كوب من الأرز، ثم التخلص من الماء الزائد بعد الطهي، وهي طريقة قد تخفض مستويات الزرنيخ بنسبة تصل إلى 60%.

كما يساعد نقع الأرز قبل الطهي في تقليل نسبة الملوثات، بينما لا يوفر الغسل السريع وحده تأثيرًا كبيرًا.

ويمكن كذلك تنويع الحبوب المستخدمة في الوجبات الغذائية، إذ تحتوي بدائل مثل الكينوا والشعير والفارو على مستويات أقل بكثير من المعادن السامة مقارنة بالأرز.

أما بين أنواع الأرز المختلفة، فقد سجلت بعض الأنواع المزروعة في كاليفورنيا وأرز الياسمين التايلاندي وأرز البسمتي الهندي مستويات أقل من المعادن الثقيلة مقارنة ببعض الأنواع الأخرى.

دعوات لتشديد الرقابة

يشير التقرير إلى أن الأرز العادي، وليس حبوب الأرز المخصصة للرضع، يمثل المصدر الغذائي الأهم للزرنيخ لدى الأطفال الصغار في الولايات المتحدة.

وتدعو مؤسسة Healthy Babies Bright Futures الجهات التنظيمية إلى وضع حدود قانونية لمستويات الزرنيخ والكادميوم في الأرز، وإلزام المنتجين بإجراء اختبارات دورية، بالإضافة إلى توفير معلومات أوضح للمستهلكين حول مستويات التلوث في المنتجات المختلفة.

وفي الوقت الحالي، يؤكد الباحثون أن الأرز لا يحتاج إلى الاختفاء من المائدة، لكن تنويع الحبوب الغذائية واتباع طرق طهي تقلل الملوثات يمكن أن يسهما في خفض تعرض الأطفال لهذه المعادن السامة على المدى الطويل.

Exit mobile version