دراسة استمرت 26 عامًا تكشف سر بقاء بعض الأشجار وموت جيرانها.. فارق بسيط يصنع مستقبل الغابة
الأشجار الأطول أقل عرضة للموت بنسبة 43%.. دراسة تكشف أسرار البقاء داخل الغابات
كشفت دراسة علمية ألمانية استمرت 26 عامًا أن الفروق البسيطة في ارتفاع الأشجار خلال مراحل نموها الأولى قد تؤثر بصورة طويلة الأمد في فرص بقائها، إذ كانت شتلات الزان الأوروبي التي تجاوز ارتفاعها ارتفاع الشتلات المجاورة بعد صيفها الأول أقل عرضة للموت بنسبة 43% خلال فترة الدراسة.
وتسلط النتائج الضوء على الدور الذي تؤديه المنافسة على الضوء والمساحة والموارد في تشكيل الغابات، موضحة كيف يمكن لفارق لا يتجاوز بضعة سنتيمترات في بداية حياة الشجرة أن يتسع بمرور الوقت، ويؤثر في قدرتها على الاستمرار والنمو.
وتشير الدراسة إلى أن الأشجار التي تحقق تقدمًا مبكرًا في النمو قد تحتفظ بميزتها لسنوات طويلة، رغم أن ارتفاع الشتلة لا يضمن بقاءها، وأن عوامل أخرى، من بينها الكثافة النباتية وظروف النمو والتغيرات المناخية، تظل مؤثرة في مستقبل الغابات.
43 % انخفاضًا في خطر موت الشتلات الأطول
بدأ عالم الغابات كريستيان أمّر، الباحث بجامعة جوتنجن الألمانية، التجربة عام 1997 في موقعين بولاية بافاريا، بهدف تتبع نمو شتلات الزان الأوروبي المزروعة تحت أشجار التنوب النرويجية الأكبر سنًا.
واعتمد الباحثون على زراعة بذور الزان تحت الأشجار القائمة، وهي ممارسة تُستخدم في إدارة الغابات لتحويل مزارع التنوب إلى غابات مختلطة تضم أكثر من نوع من الأشجار.
وتابع الفريق 2214 شتلة نمت في مجموعات صغيرة ومتقاربة، مع وضع علامات مرقمة على الشتلات لتسهيل العودة إليها وقياس نموها على مدار السنوات.
وبحلول عام 2023، لم يتبقَّ على قيد الحياة سوى 679 شتلة، ما يعكس حجم التراجع في أعداد الأشجار الصغيرة خلال فترة المتابعة الطويلة.

وأظهرت النتائج أن الشتلة الأطول داخل كل مجموعة بعد صيفها الأول كانت أقل عرضة للموت بنسبة 43% مقارنة بالشتلات الأقصر المجاورة لها.
وقال كريستيان أمّر إن العلماء يعرفون منذ عقود أن مجموعات الأشجار المتقاربة في العمر والنوع تتناقص أعدادها بمرور الوقت في الطبيعة، حتى من دون تدخل بشري، لكن السؤال الذي ظل قائمًا هو: أي من الشتلات التي تنمو في العام نفسه ستتمكن في النهاية من البقاء؟
وتساعد الدراسة في تفسير جانب من هذه العملية، إذ تشير إلى أن الفروق في النمو التي تظهر في وقت مبكر قد ترتبط بفرص البقاء بعد مرور عقود.

الضوء يصنع الفارق في المنافسة على البقاء
يمثل الضوء أحد العوامل الأساسية التي تساعد على تفسير تفوق بعض الشتلات على غيرها. فعندما تنمو شتلة أعلى من جيرانها، قد تتمكن من الوصول إلى كمية أكبر من ضوء الشمس، ما يمنحها فرصة أفضل لمواصلة النمو.
وفي المقابل، يمكن أن يؤدي نقص الضوء إلى إبطاء نمو الشتلات الأقصر، فتزداد صعوبة منافستها للأشجار التي سبقتها في الارتفاع.
ومع استمرار هذه العملية، قد يتسع الفارق الأولي بين الأشجار بدلًا من أن يتقلص، خصوصًا في المجموعات التي تتنافس فيها النباتات على الضوء والموارد المتاحة.
وأظهرت القياسات في موقع فرايزينغ أن الفارق بين أعلى 5% من الشتلات وأقصر 5% منها كان لا يتجاوز بضع بوصات في البداية، لكنه وصل بحلول عام 2023 إلى نحو 39 قدمًا، أي ما يقارب 12 مترًا.
ولا يعني ذلك أن جميع الأشجار الأطول ستنجو بالضرورة، لكنه يوضح أن الميزة المبكرة في الارتفاع ارتبطت بزيادة فرص البقاء، وأن العلاقة بين الارتفاع وانخفاض خطر الموت أصبحت أقوى مع تقدم الشتلات في العمر.
كما كشفت الدراسة أن الشتلات التي تنمو في مجموعات أكثر ازدحامًا كانت أكثر عرضة للموت بدرجة طفيفة، بما يتفق مع تأثير المنافسة على الموارد المتاحة.
وأعرب الباحثون عن دهشتهم من استمرار آثار الفروق المبكرة وإمكانية رصدها حتى بعد مرور نحو ربع قرن.
هل تحدد البذور الأكبر مستقبل الأشجار؟
بعد رصد الفروق في نمو الشتلات، بحث الفريق في الأسباب التي قد تفسر تفوق بعض الأشجار منذ البداية، بما في ذلك احتمال أن تكون البذور الأكبر حجمًا قادرة على إنتاج شتلات أطول وأكثر نموًا.
ولاختبار هذه الفرضية، وزن الباحثون 550 ثمرة من ثمار الزان، المعروفة باسم الجوزات، وزرعوا كل ثمرة في وعاء منفصل داخل صوبة زراعية عام 2025.
وأظهرت القياسات أن أثقل ثمرة كانت تزن نحو خمسة أضعاف أخف ثمرة، كما تبين أن الشتلات الناتجة عن الثمار الأثقل كانت، بصورة عامة، أطول وراكمت كتلة نباتية أكبر.
وتوفر هذه النتائج تفسيرًا محتملًا للفروق المبكرة التي رصدها الباحثون بين شتلات الزان في الغابة؛ إذ قد تمنح البذور الأكبر الشتلات احتياطيًا أكبر من الموارد يساعدها على بدء النمو بصورة أفضل.
لكن الباحثين شددوا على حدود هذا الاستنتاج، فالتجربة التي أُجريت داخل الصوبة اعتمدت على بذور مختلفة عن البذور التي زُرعت في الغابة عام 1997. ولذلك، لا يمكن الجزم بأن الأشجار التي بقيت على قيد الحياة بعد 26 عامًا كانت قد بدأت نموها من بذور أكبر حجمًا.

لماذا لا تضمن البذور الكبيرة بقاء الشجرة؟
لا يعتمد نجاح الشجرة على حجم بذرتها وحده، إذ تؤثر الظروف المحيطة بموقع الإنبات في فرص نموها منذ البداية.
فقد تنبت البذرة بجوار أشجار صغيرة أقدم منها، تحجب عنها جزءًا من الضوء، ما يضعها في موقف تنافسي صعب حتى لو كانت كبيرة الحجم وغنية بالموارد.
كما يمكن أن تكون البذور الأكبر أكثر وضوحًا للحيوانات التي تتغذى عليها، ما يزيد احتمالات تعرضها للاستهلاك قبل أن تتحول إلى شتلات.
وتختلف ظروف النمو داخل الصوبات الزراعية أيضًا عن البيئة الطبيعية للغابات؛ فقد حصلت الشتلات في التجربة على ضوء أكثر مما تحصل عليه عادة الشتلات النامية تحت مظلة الغابة، كما جُمعت البذور المستخدمة في التجربة من عام شهد إنتاجًا وفيرًا وظروفًا ملائمة للنمو.
ويرجح الباحثون أن يكون وزن البذرة أكثر أهمية في ظروف الظل العميق، لكن هذه الفرضية لا تزال بحاجة إلى اختبارات إضافية.
وتؤكد هذه العوامل أن فرص بقاء الأشجار تتشكل نتيجة تفاعل مجموعة من المؤثرات، تشمل خصائص البذور، وتوقيت الإنبات، وتوافر الضوء، والكثافة النباتية، والظروف البيئية المحيطة.

ماذا تعني النتائج لمستقبل الغابات؟
بحلول عام 2023، بلغ متوسط ارتفاع أشجار الزان التي بقيت على قيد الحياة نحو 28 قدمًا في أحد موقعي الدراسة، ونحو 31.5 قدمًا في الموقع الآخر، بعدما بدأت التجربة بشتلات لا يتجاوز ارتفاعها بضع بوصات.
وتقدم هذه النتائج مؤشرات مهمة لإدارة الغابات وزراعة الغابات المختلطة، إذ تشير إلى أن متابعة الشتلات خلال موسم النمو الأول قد تساعد على فهم مسارات النمو اللاحقة، وتفسير أسباب تفوق بعض الأشجار وتراجع غيرها.
لكن الدراسة لا تعني أن الأشجار التي تتقدم في النمو خلال مراحلها الأولى ستكون بالضرورة الأكثر قدرة على تحمل التغيرات المناخية مستقبلًا، فهذه المسألة لم تحسمها النتائج، ولا تزال بحاجة إلى دراسات إضافية.
كما أن الدراسة اقتصرت على نوع واحد من الأشجار وموقعين في ألمانيا، وهو ما يستدعي الحذر عند تعميم النتائج على أنواع الأشجار الأخرى أو النظم البيئية المختلفة.
ونُشرت الدراسة في مجلة «Journal of Ecology»، لتضيف دليلًا جديدًا على أن المنافسة داخل الغابات تبدأ مبكرًا، وأن الفروق الصغيرة في حياة الأشجار قد تستمر آثارها لسنوات طويلة، من دون أن تكون وحدها العامل الحاسم في تحديد مصيرها.





