خطر خفي في خلط المواد الكيميائية.. 3 مركبات شائعة تغيّر نمو أنسجة الثدي
من عبوات الطعام إلى أنسجة الثدي.. ماذا كشف اختبار خليط من مركبات البلاستيك؟
خلط المواد الكيميائية الشائعة قد يزيد تأثيرها.. دراسة تكشف تغيرات في نمو أنسجة الثدي البشرية
كشفت دراسة علمية جديدة أن بعض المواد الكيميائية الشائعة في المنتجات الاستهلاكية قد تُحدث تأثيرات مختلفة عند اختلاطها، حتى عندما لا يُظهر كل مركب بمفرده تأثيرًا واضحًا عند التركيزات المنخفضة نفسها، ما يثير تساؤلات حول مدى كفاية تقييم المخاطر الصحية لكل مادة على حدة.
وأظهرت التجارب، التي أُجريت على نماذج ثلاثية الأبعاد من أنسجة الثدي البشرية نُمّيت داخل المختبر، أن خليطًا من ثلاثة مركبات تنتمي إلى عائلة «البيسفينولات» أدى إلى اضطراب في نمو الأنسجة وتكوين تراكيبها، بينما لم تُظهر المركبات الثلاثة التأثير الواضح نفسه عند اختبارها منفردة بالتركيزات ذاتها.
كما رصد الباحثون تغيرات في نشاط جينات مرتبطة بنضج خلايا الثدي وتماسكها، إلى جانب تغيرات في العلامات الكيميائية التي تساعد على تنظيم عمل الحمض النووي.
وظهرت بعض الأنماط الجينية التي رُصدت في التجارب أيضًا في بيانات أورام سرطان الثدي، لكن الباحثين شددوا على أن هذه المقارنة لا تثبت أن التعرض للمركبات الكيميائية تسبب في السرطان، ولا تعني أن النساء اللاتي يتعرضن لها يوميًا سيصبن بالمرض.
وتسلط الدراسة الضوء على قضية مهمة في تقييم سلامة المواد الكيميائية: فالإنسان لا يتعرض عادةً لمركب واحد بمعزل عن غيره، بل لمزيج من المواد الموجودة في الغذاء والماء والهواء والمنتجات اليومية.

ثلاثة مركبات شائعة في المنتجات الاستهلاكية
ركز الباحثون على ثلاثة مركبات هي:
-
بيسفينول A (BPA): يُستخدم في تصنيع بعض أنواع البلاستيك وفي بطانات بعض عبوات الأغذية والمشروبات.
-
بيسفينول S (BPS): أحد المركبات التي استُخدمت بديلًا في بعض التطبيقات التي اعتمدت على البيسفينول A.
-
بيسفينول F (BPF): مركب آخر من العائلة الكيميائية نفسها، يُستخدم في بعض التطبيقات الصناعية والاستهلاكية.
وتنتمي هذه المركبات إلى مجموعة يمكن لبعض أفرادها التأثير في نظام الغدد الصماء، الذي ينظم عمل الهرمونات والعمليات الحيوية في الجسم.
وتزداد أهمية دراسة تأثيرها على أنسجة الثدي لأن هذه الأنسجة تمر بمراحل نمو وتغير مهمة بعد الولادة، خصوصًا خلال البلوغ والحمل، وقد تتأثر بالعوامل البيئية خلال مراحل معينة من التطور.
وقادت الدراسة شارلوت كوبرفاسر، أستاذة في كلية الطب بجامعة تافتس الأمريكية، بمشاركة باحثين من جامعة بوسطن ساهموا في تحليل البيانات الجينية.
كيف اختبر العلماء تأثير الخليط على أنسجة الثدي؟
بدلًا من الاعتماد فقط على تجارب الحيوانات أو الخلايا المزروعة في طبقات مسطحة، استخدم الباحثون نماذج مخبرية ثلاثية الأبعاد تُعرف باسم «العضيات» أو Organoids.
وصُنعت هذه النماذج باستخدام خلايا تبرعت بها 13 امرأة، ثم وُضعت الخلايا داخل مادة هلامية لينة تتيح لها النمو والتفاعل في بيئة أقرب إلى بعض خصائص الأنسجة الطبيعية.
وخلال نحو ثلاثة أسابيع، تكاثرت الخلايا وشكلت قنوات متفرعة تُشبه القنوات الموجودة في الثدي، مع تجمعات صغيرة من الخلايا عند أطرافها تُشبه الفصيصات.
وأتاح هذا النموذج للباحثين مراقبة كيفية تشكل الأنسجة البشرية، ومقارنة تطورها في وجود المواد الكيميائية وغيابها.
كما اختار الفريق تركيزات للمركبات تتوافق مع مستويات مرتبطة بالتعرض البشري، بدلًا من الاعتماد على الجرعات المرتفعة التي تُستخدم أحيانًا في بعض اختبارات السمية.
لكن استخدام نماذج مخبرية أقرب إلى الأنسجة البشرية لا يجعل نتائجها بديلًا عن الدراسات التي تتابع التعرض الفعلي لدى الأشخاص وآثاره الصحية على المدى الطويل.

ماذا حدث عندما اختلطت المواد الثلاث؟
في تجربة الخليط المكون من البيسفينولات الثلاثة، استخدم الباحثون أنسجة من ستة متبرعين تتراوح أعمارهم بين 17 و31 عامًا.
وبعد ثلاثة أسابيع من التعرض، أظهرت أنسجة خمسة من المتبرعين عددًا أقل من التراكيب النامية مقارنة بالأنسجة التي نمت دون التعرض للخليط.
لكن الاستجابة لم تكن متطابقة لدى الجميع؛ فقد أظهرت أنسجة متبرعين اثنين ظهور الفصيصات في وقت مبكر على نحو غير معتاد، بينما ظهرت لدى متبرع آخر تراكيب غير منتظمة، مع تجمع الفصيصات بصورة غير طبيعية أو نموها مباشرة من القنوات الرئيسية.
وفي المقابل، لم يُظهر أي من المركبات الثلاثة منفردًا تغيرًا واضحًا في النمو عند استخدام التركيزات نفسها.
وتشير هذه النتيجة إلى أن تأثير الخليط لا يمكن بالضرورة استنتاجه من نتائج اختبار كل مادة بمفردها.
واختبر الفريق أيضًا تركيبات تجمع كل بيسفينول على حدة مع مادة بنزو[a]بيرين، وهي مادة معروفة بقدرتها على إتلاف الحمض النووي والتسبب في السرطان. وأدت هذه التركيبات إلى اضطراب في نمو الأنسجة بدرجة أكبر مما أحدثه البنزو[a]بيرين وحده.
ومع ذلك، فإن هذه النتائج تتعلق باستجابات نماذج الأنسجة داخل المختبر، ولا تكفي بمفردها لتحديد مستوى الخطر الصحي الذي قد يتعرض له الإنسان في حياته اليومية.
تغيرات جينية تثير تساؤلات حول سلوك الخلايا
لم يقتصر تأثير الخليط على شكل الأنسجة، بل امتد إلى نشاط الجينات داخل الخلايا.
فقد انخفض نشاط جينات تساعد خلايا الثدي على النضج والحفاظ على ارتباطها بالخلايا المجاورة، بينما ارتفع نشاط جينات تشارك في إعادة تشكيل الشبكة البروتينية المحيطة بالخلايا.
وقد تشير هذه التغيرات مجتمعة إلى انخفاض بعض مظاهر التماسك بين الخلايا وزيادة قدرتها على تغيير سلوكها.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية لأن فقدان التماسك بين الخلايا وتغير سلوكها من العمليات التي يمكن أن تشارك في تطور بعض أنواع السرطان وانتشارها.
لكن الدراسة لم تُظهر أن الخلايا تحولت بالكامل إلى خلايا سرطانية، ولم تثبت أن التغيرات التي رُصدت ستؤدي حتمًا إلى الإصابة بالمرض.
ورصد الباحثون أيضًا تغيرات في علامات كيميائية مرتبطة بالحمض النووي، تسهم في تنظيم نشاط الجينات دون تغيير التسلسل الأساسي للحمض النووي نفسه.
وتُعد هذه العلامات جزءًا من الآليات التي تستخدمها الخلايا لتنظيم قراءة تعليماتها الجينية والاستجابة للظروف المحيطة بها.
تشابه مع أنماط جينية في أورام سرطان الثدي
لمقارنة نتائج التجارب بالبيانات البشرية، فحص الباحثون معلومات من ثلاث قواعد بيانات كبيرة لسرطان الثدي.
ووجدوا أن نمط التعبير الجيني الذي ظهر في النماذج المخبرية كان أكثر وضوحًا في الأورام التي تحمل مستقبلات هرمون الإستروجين، وهو هرمون يمكن أن يؤثر في نمو أنسجة الثدي.
كما ظهر النمط بدرجة أكبر في سرطان الثدي الفصيصي الغازي مقارنة بالنوع القنوي الأكثر شيوعًا.
وفي السرطان الفصيصي، تفقد الخلايا بروتينًا يساعد على تماسكها، ما يجعلها تنمو بنمط أكثر تفرقًا داخل الأنسجة.
ورصد الباحثون كذلك نمطًا من التغيرات في العلامات الكيميائية للحمض النووي داخل الأورام وفي أنسجة مجاورة بدت طبيعية عند الفحص، بل كان النمط أقوى في بعض العينات المجاورة.
وقد يثير ذلك احتمال أن بعض التغيرات البيولوجية قد تظهر قبل تطور السرطان، لكن المقارنة لم تثبت متى بدأت تلك التغيرات، كما أن الباحثين لم يقيسوا مستويات التعرض للبيسفينولات لدى المرضى الذين جاءت منهم البيانات.
وبالتالي، لا يمكن الجزم بأن المواد الكيميائية هي التي أحدثت الأنماط المتشابهة، أو أن هذه الأنماط تمثل دليلًا مبكرًا على الإصابة بالسرطان.
هل يمكن أن تكشف الأنسجة عن أثر التعرض الكيميائي السابق؟
طرح الباحثون احتمال أن تساعد بعض التغيرات البيولوجية المستمرة مستقبلًا في الكشف عن آثار التعرض السابق للمواد الكيميائية، على نحو يشبه الأثر الذي تتركه إصابة قديمة في الأنسجة.
لكن تحويل هذا الاحتمال إلى أداة علمية أو طبية يتطلب إثبات أن التغيرات تستمر فعلًا لدى البشر، وتحديد مدى ارتباطها بالتعرض لمركبات بعينها، ومعرفة ما إذا كانت تحمل دلالة حقيقية على المخاطر الصحية.
وإذا تأكدت هذه العلاقة في أبحاث لاحقة، فقد تساعد المؤشرات البيولوجية في تحسين فهم التعرض البيئي وتوجيه دراسات الفحص المبكر للفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
إلا أن هذه الاستخدامات ما تزال احتمالات بحثية، وليست أدوات تشخيص أو فحص معتمدة بناءً على الدراسة الحالية.
لماذا لا تكفي اختبارات المواد الكيميائية منفردة؟
تكمن إحدى أهم دلالات الدراسة في أنها تعيد طرح سؤال يتعلق بطريقة تقييم سلامة المواد الكيميائية المستخدمة على نطاق واسع.
فقد تكون المادة ذات تأثير محدود عند اختبارها منفردة، لكن اجتماعها مع مواد أخرى قد ينتج استجابة مختلفة في الخلايا أو الأنسجة.
ولا يعني ذلك أن كل خليط كيميائي أكثر ضررًا من مكوناته المنفردة؛ فالتأثير يعتمد على نوع المواد وتركيزاتها وطبيعة التفاعل بينها والظروف التي يحدث فيها التعرض.
لكن النتائج تدعم الحاجة إلى توسيع نطاق الاختبارات لتشمل بعض الخلطات الواقعية، بدلًا من الاعتماد الحصري على تقييم كل مركب بصورة منفصلة.
وتؤكد الباحثة شارلوت كوبرفاسر أن التعرض البشري يحدث عادةً لمجموعة من المواد الكيميائية في الوقت نفسه، وهو ما دفع فريقها إلى اختبار الخليط بدلًا من الاكتفاء بالمركبات منفردة.
ما الخطوة التالية؟
تظل الدراسة محدودة بكونها تجربة مخبرية، وباختلاف استجابات الأنسجة بين المتبرعين. كما أن عدد المتبرعين الذين شملتهم تجربة الخليط كان ستة فقط، رغم أن نماذج الدراسة الأساسية أُنشئت من خلايا 13 امرأة.
وتحتاج النتائج إلى التحقق من خلال دراسات أوسع وأكثر تنوعًا، إلى جانب أبحاث تتابع التعرض الفعلي للمواد الكيميائية لدى البشر، وتختبر ما إذا كانت التغيرات الجينية والبيولوجية نفسها تظهر في الأنسجة البشرية وترتبط بأمراض لاحقة.
ولا تسمح النتائج الحالية بتحديد مستوى الخطر الذي قد تواجهه امرأة بعينها بسبب تعرضها اليومي لهذه المواد، كما لا تثبت أن خلط البيسفينولات الثلاثة يؤدي إلى الإصابة بسرطان الثدي.
ونُشرت الدراسة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS)، وتضيف إلى الأبحاث التي تبحث في تأثير الملوثات الكيميائية على صحة الإنسان أهمية دراسة الخلطات، لا المواد المنفردة فقط.
الخلاصة العلمية: لا تثبت الدراسة أن خليط المواد الثلاث يسبب سرطان الثدي، لكنها تكشف أن تقييم المركبات منفردة قد لا يرصد جميع التغيرات التي يمكن أن تحدث عند اجتماعها، وهو ما يجعل فهم التعرض الكيميائي المختلط مجالًا مهمًا للأبحاث الصحية والبيئية.





