عندما تنتقل الأمراض من الحيوانات البرية إلى البشر، غالبًا ما يُنظر إلى إزالة الغابات باعتبارها أحد أهم العوامل التي تزيد خطر ظهور الأوبئة. لكن دراسة عالمية واسعة تشير إلى أن الصورة أكثر تعقيدًا بكثير.
فقد وجد الباحثون، أن العوامل البيئية لا تؤثر بالطريقة نفسها في جميع الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى البشر، وأنه لا يوجد عامل واحد يمكنه تفسير جميع بؤر تفشي هذه الأمراض.
وبالنسبة إلى الأمراض التي تنقلها البعوض والقراد، ظهرت مؤشرات أوضح على تأثير النشاط البشري والبيئي، إذ ارتبط ارتفاع خطر التفشي بتجزؤ الغابات وبمناطق شهدت تغيرات طويلة الأمد نحو الجفاف.
أما الأمراض التي تنتقل مباشرة من الحيوانات إلى البشر، مثل الإيبولا وجدري القرود «مبوكس»، فلم يظهر عامل بيئي واحد يتنبأ بالتفشيات بصورة متسقة.
لكن العامل الأكثر ثباتًا في تحديد مكان تسجيل التفشي كان أكثر بساطة: القرب من مدينة أو منشأة صحية.
ونُشرت الدراسة كاملة في مجلة Nature، وتشير النتائج إلى أن كثيرًا من المناطق التي تبدو على الخرائط كبؤر ساخنة للأمراض قد تكون كذلك جزئيًا لأن لديها عيادات ومرافق صحية قادرة على اكتشاف الحالات وتسجيلها، بينما قد تمر تفشيات أخرى دون رصد في المناطق البعيدة.
وقاد الدراسة علماء من مختبر الناس والطبيعة بجامعة كوليدج لندن (UCL) وجامعة فلوريدا وكلية ييل للصحة العامة.
وقارن الباحثون بين الأماكن التي سُجلت فيها تفشيات الأمراض والأماكن التي يعيش فيها السكان، وهي طريقة تساعد على ربط التفشيات بخصائص البيئة، لكنها لا تثبت في حد ذاتها أن عاملًا بيئيًا معينًا تسبب في التفشي.
أكثر من 58 ألف سجل لتفشيات في 169 دولة
تُعرف الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى البشر باسم الأمراض الحيوانية المنشأ (Zoonoses).
وبعض هذه الأمراض ينتقل مباشرة من الحيوان إلى الإنسان، كما يحدث في بعض حالات الإيبولا، بينما تنتقل أمراض أخرى بواسطة حشرات أو قراد، مثل مرض لايم.
جمع الباحثون، 58,319 سجلًا لتفشيات مرضية في 169 دولة، وشملت البيانات 32 مرضًا ناشئًا.
ويمثل كل سجل حالة واحدة على الأقل جرى تأكيدها في مكان محدد خلال عام معين، وكانت غالبية البيانات حديثة نسبيًا.
وبالنسبة إلى كل منطقة، قاس الفريق 16 عاملًا محتملًا يمكن أن يرتبط بظهور التفشيات، من بينها فقدان الغابات والزراعة وارتفاع درجات الحرارة وهطول الأمطار وتربية الماشية.
وفي الوقت نفسه، قاس الباحثون عوامل يمكن أن تؤثر في احتمال اكتشاف التفشي أصلًا، مثل المسافة إلى المدن والمنشآت الصحية.
واختار متخصصون في كل مرض بصورة مستقلة العوامل البيئية التي ينبغي اختبارها في النماذج الخاصة بذلك المرض.
الأمراض تشترك في بعض العوامل
بالنسبة إلى نحو نصف الأمراض التي جرى اختبارها، كان خطر تسجيل التفشيات أعلى في المناطق التي تتميز بمزيد من تجزؤ الغابات وفي المناطق التي تحتوي على غطاء غابي.
ويقصد بتجزؤ الغابات تقسيم الغابة إلى مساحات صغيرة منفصلة، تفصل بينها الأراضي الزراعية أو المستوطنات البشرية.
وكان الارتباط أكثر وضوحًا في الأمراض التي تعتمد على حشرة أو قراد لنقل العامل الممرض من الحيوان إلى الإنسان.
وتشمل هذه الأمراض مرض لايم، وداء شاغاس، والحمى الصفراء، وهي أمراض تنتقل إلى البشر من خلال نواقل حشرية أو قراد.
كما ربط الباحثون التغيرات طويلة الأمد في معدلات هطول الأمطار بزيادة خطر التفشي في ثمانية من أصل 31 مرضًا جرى اختبارها.
وقارن الفريق متوسطات هطول الأمطار خلال الفترة من 1950 إلى 1970 بالفترة من 2000 إلى 2020، ووجد أن المناطق التي أصبحت أكثر جفافًا بصورة مستمرة شهدت مزيدًا من تفشيات حمى الضنك وحمى الوادي المتصدع والتهاب الدماغ الياباني.
كما أظهرت النماذج بعض الارتباطات التي سبق أن رصدتها الدراسات الميدانية.
فالمناطق التي تتمتع بمجتمعات أكثر اكتمالًا من الحياة البرية ارتبطت بانخفاض خطر مرض لايم، بينما ارتبطت المناطق التي تضم أعدادًا أكبر من الدواجن بزيادة تفشيات إنفلونزا الطيور بين البشر.
إزالة الغابات ليست تفسيرًا واحدًا لجميع الأمراض
على الرغم من أن إزالة الغابات كثيرًا ما تُطرح باعتبارها عاملًا رئيسيًا في ظهور الأمراض الحيوانية المنشأ، فإن الدراسة وجدت ارتباطًا بين فقدان الغابات خلال الفترة من 2000 إلى 2020 وتفشيات ستة أمراض فقط من أصل 29 مرضًا جرى اختبارها.
وكان فقدان الغابات مرتبطًا بارتفاع خطر التفشي في مرضين، وانخفاضه في أربعة أمراض أخرى.
وظهرت صورة مشابهة بالنسبة إلى ارتفاع درجات الحرارة، فقد ارتبط التغير طويل الأمد في درجات الحرارة بخمسة من أصل 28 مرضًا جرى اختبارها، مع ارتفاع خطر التفشي في ثلاثة منها وانخفاضه في مرضين.
أما الأمراض التي تنتقل مباشرة من الحيوانات إلى البشر، مثل الإيبولا ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS) وجدري القرود، فلم تتداخل العوامل المرتبطة بتفشيها بدرجة كبيرة.
ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن بعض هذه الأمراض سجل عددًا قليلًا من التفشيات، ما يجعل اكتشاف الأنماط أكثر صعوبة.
كما أن طرق انتقالها إلى البشر تختلف بشدة؛ فقد يرتبط بعضها بالصيد، أو تربية الماشية، أو الغذاء، أو دخول الحيوانات البرية إلى المنازل.
وقال الدكتور روري جيب، المؤلف الرئيسي للدراسة والباحث في مختبر الناس والطبيعة بجامعة كوليدج لندن، إن هذه النتيجة ليست مفاجئة من الناحية البيئية، لأن الأمراض المختلفة تنتقل إلى البشر بواسطة أنواع مختلفة من الحيوانات التي تفضل بيئات مختلفة، مثل القوارض والطيور والخفافيش.
العيادات ترسم جزءًا من خريطة التفشي
كانت المفاجأة الأهم في مجموعة البيانات الكاملة هي التأثير الكبير لقرب المناطق من المدن أو مرافق الرعاية الصحية.
فقد سجل الباحثون عددًا أكبر بكثير من التفشيات بالقرب من هذه المواقع مقارنة بالمناطق الأبعد.
وبالنسبة إلى مرض نموذجي، انخفض احتمال وصول التفشي إلى السجلات بنحو 32% مع كل ساعة إضافية من زمن السفر إلى أقرب منشأة صحية.
لكن حجم الانخفاض اختلف بشدة بين الأمراض، إذ تراوح من نحو 1% إلى قرابة 97%.
وهذا لا يعني أن الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من العيادات أكثر عرضة للإصابة بالمرض، بل يعني أن حالاتهم تكون على الأرجح أكثر قابلية للاكتشاف والتشخيص والتسجيل.
وتشير الدراسة إلى أن التحيز في الرصد يمكن أن يجعل المناطق التي تتمتع بأنظمة صحية أفضل تبدو وكأنها تشهد عددًا أكبر من التفشيات، بينما قد تختفي تفشيات أخرى من الخرائط في المناطق التي يصعب الوصول إليها.
وقد قدرت أبحاث سابقة أن مسؤولي الصحة ربما لم يتمكنوا من اكتشاف ما يصل إلى نصف تفشيات الإيبولا.
وقال جيب إن الفريق فوجئ بمدى قوة تأثير تحيزات الإبلاغ والرصد في تحديد ما يبدو على البيانات باعتباره «بؤرًا ساخنة» للأمراض.
وأضاف، أن التفشيات تكون أكثر احتمالًا للتسجيل في المجتمعات القريبة من المراكز الصحية، وأن هذا النمط يظهر عبر أمراض ومناطق جغرافية ومستويات دخل مختلفة.
فيروسات الخفافيش من أكثر المناطق غموضًا
بعض مسببات الأمراض التي تثير أكبر قدر من القلق تركت في الوقت نفسه أقل قدر من البيانات.
وكانت الفيروسات المرتبطة بالخفافيش، مثل الإيبولا وماربورج ونيباه، من بين الحالات التي توافرت لها أقل البيانات، بينما لم تتوافر معلومات كافية عن فيروس هيندرا تسمح بإدخاله في النماذج الإحصائية.
ولهذا لا يستطيع الباحثون تحديد ما إذا كان غياب ارتباط واضح بعامل بيئي معين يعني عدم وجود هذا الارتباط أصلًا، أم أن البيانات المتاحة لم تكن كافية لاكتشافه.
كما قد تفشل الطريقة المستخدمة في التقاط التغيرات قصيرة الأجل، مثل الارتفاع المفاجئ في خطر المرض بعد إزالة مساحة من الغابات أو تغيير استخدام الأراضي.
وتعتمد تقديرات زمن الوصول إلى المنشآت الصحية على نماذج للطرق، ولذلك قد تكون الرحلات الفعلية أطول من التقديرات المستخدمة في التحليل.
كما كانت البيانات أقل وفرة في شمال أفريقيا والمناطق الشمالية شديدة البرودة مقارنة بالأمريكتين وأفريقيا جنوب الصحراء وجنوب وجنوب شرق آسيا.
السؤال الأكبر: كم تفشيًا لا نراه؟
تكمن إحدى أهم مشكلات رسم خريطة الأمراض العالمية في أن التفشيات غير المسجلة لا تظهر على الخريطة أصلًا.
وهذا يجعل الباحثين غير قادرين على معرفة عدد التفشيات التي قد تحدث في المجتمعات البعيدة عن المراكز الصحية ولا تصل إلى أنظمة الرصد الرسمية.
ويقترح مؤلفو الدراسة زيادة المراقبة المستمرة للبشر والحيوانات في مواقع ثابتة، إلى جانب إجراء دراسات طويلة الأمد تركز على مرض واحد في منطقة بيئية محددة.
ويرى جيب أن تحسين قدرة السكان على الوصول إلى خدمات صحية عالية الجودة يمكن أن يساعد أيضًا في تقليل مخاطر الأوبئة المستقبلية، لأن اكتشاف الأمراض مبكرًا يعتمد بدرجة كبيرة على وجود أنظمة صحية قادرة على الوصول إلى المجتمعات المختلفة.
لا توجد «وصفة بيئية» واحدة لجميع الأمراض
تكشف الدراسة في النهاية أن العلاقة بين تغير البيئة وظهور الأمراض الحيوانية المنشأ أكثر تعقيدًا من اختزالها في عامل واحد مثل إزالة الغابات.
فقد تختلف الآلية التي تزيد خطر مرض معين عن تلك المرتبطة بمرض آخر، تبعًا للحيوان الذي يحمل العامل الممرض، وطريقة انتقاله، والبيئة التي يعيش فيها، ومدى تفاعل البشر معها.
ولهذا يحذر الباحثون من افتراض أن تدخلًا بيئيًا واحدًا، مثل استعادة النظم البيئية أو الحد من إزالة الغابات، سيؤدي بالضرورة إلى خفض مخاطر جميع الأمراض.
كما أن خريطة التفشيات نفسها قد تكون غير مكتملة؛ فالمناطق التي تظهر كبؤر وبائية قد تكون في بعض الحالات مجرد مناطق تمتلك قدرة أفضل على اكتشاف المرض والإبلاغ عنه.
ومن ثم، فإن تحسين رصد الأمراض في المجتمعات النائية، إلى جانب دراسة كل مرض وفق ظروفه البيئية والاجتماعية الخاصة، يمثل خطوة أساسية للحصول على صورة أكثر دقة عن أماكن نشوء التفشيات وانتشارها.
