خبث الصلب يتحول إلى «بطارية حرارية» للطاقة الشمسية.. فرن القوس الكهربائي يتصدر الاختبارات الأولى

في الوقت الذي تتوسع فيه الاستثمارات العالمية في الطاقة الشمسية، تظل إحدى أكبر مشكلاتها مرتبطة بطبيعتها المتقطعة؛ فالشمس لا تشرق ليلًا، كما أن السحب وتغيرات الطقس قد تخفض إنتاج الكهرباء خلال ساعات النهار.

وبينما تمثل البطاريات أحد حلول تخزين الطاقة، يدرس باحثون في جامعة ولاية بنسلفانيا الأمريكية مسارًا مختلفًا يقوم على تخزين الطاقة الشمسية في صورة حرارة عالية باستخدام مادة قد تبدو للوهلة الأولى مجرد نفايات صناعية: خبث صناعة الصلب.

وأظهرت المرحلة الأولى من مشروع بحثي متعدد المراحل أن بعض أنواع الخبث الناتج عن عمليات صناعة الصلب يمكن أن يكون مرشحًا منخفض التكلفة لأنظمة تخزين الطاقة الحرارية عالية الحرارة (High-Temperature Thermal Energy Storage – TES)، مع تقدم خبث فرن القوس الكهربائي (EAF) على نوعين آخرين في الاختبارات الأولية.

ونشرت نتائج المرحلة الأولى من المشروع في دورية Solar Energy، فيما يستهدف المشروع في مراحله اللاحقة التحقق بصورة أكثر مباشرة من قدرة هذه المواد على تخزين الحرارة وإطلاقها بكفاءة بعد دورات حرارية متكررة.

خبث صناعة الصلب قد يتحول إلى مادة منخفضة التكلفة لتخزين حرارة الطاقة الشمسية

عندما تتحول الحرارة إلى وسيلة لتخزين الشمس

تعتمد أنظمة التخزين الحراري على التقاط الطاقة في صورة حرارة وتخزينها لفترة زمنية، ثم إطلاقها عند الحاجة، بدلًا من تخزين الكهرباء مباشرة.

ويمكن لهذه الأنظمة، من حيث المبدأ، الاحتفاظ بالطاقة الحرارية لفترات تمتد من ساعات إلى أسابيع، ما يجعلها مسارًا مهمًا لمعالجة مشكلة عدم تزامن إنتاج الطاقة الشمسية مع الطلب عليها.

وقال أولوميد أوجونموديمو، الأستاذ المساعد في هندسة الطاقة وهندسة المعادن بجامعة ولاية بنسلفانيا، وأحد المشاركين في الدراسة، إن الطبيعة المتقطعة والمتغيرة للطاقة الشمسية، نتيجة دورة الليل والنهار وتغيرات الطقس، تفرض الحاجة إلى إيجاد وسائل لتخزين الطاقة التي يتم التقاطها من الشمس لاستخدامها في وقت لاحق.

لكن تخزين الحرارة عند درجات حرارة مرتفعة يواجه بدوره تحديات تتعلق بتكلفة المواد، والتآكل، وتدهور خصائصها بمرور الوقت نتيجة تعرضها المتكرر لدورات التسخين والتبريد.

وهنا جاءت فكرة استخدام مخلفات صناعة الصلب كمواد محتملة للتخزين الحراري.

من نفايات مصانع الصلب إلى مورد للطاقة

الخبث هو ناتج صلب يشبه الصخور ويتكون خلال عمليات صناعة الصلب، ويحتوي على مجموعة من الشوائب والمكونات التي يتم فصلها عن المعدن أثناء التصنيع.

وتنتج صناعة الصلب كميات كبيرة من هذه المواد، ويُخزن جزء منها في أكوام بالقرب من المنشآت الصناعية، ما يثير تحديات بيئية بحسب الباحثين.

وقال مايكل إينيمو، طالب الدراسات العليا في هندسة التعدين ومعالجة المعادن بجامعة ولاية بنسلفانيا والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن الدافع وراء البحث بدأ من مشكلة تراكم الخبث الناتج عن صناعة الصلب، والرغبة في إيجاد طريقة لإعادة استخدامه بدلًا من بقائه كمخلف صناعي.

ويحمل هذا التوجه فائدة مزدوجة محتملة؛ فمن ناحية يمكن تقليل كمية المخلفات التي تحتاج إلى إدارة أو تخزين، ومن ناحية أخرى يمكن تحويل مادة منخفضة القيمة إلى وسيط لتخزين الحرارة في أنظمة الطاقة.

لماذا يمكن لمخلفات الصلب خفض البصمة الكربونية؟

لا تقتصر الفكرة على البحث عن مادة رخيصة لتخزين الحرارة، بل ترتبط أيضًا بمفهوم الاقتصاد الدائري، الذي يسعى إلى إعادة إدخال المخلفات والمواد الثانوية في دورات إنتاج جديدة بدلًا من الاعتماد المستمر على مواد خام جديدة.

وأشار أوجونموديمو إلى أن إنتاج تقنيات الطاقة المتجددة لا يزال يتطلب مواد خامًا وطاقة، وقد يرتبط بذلك قدر من الانبعاثات الكربونية، ما يجعل مصدر المواد المستخدمة في هذه التقنيات جزءًا من معادلة الاستدامة نفسها.

وبدلًا من استخراج مواد جديدة لإنتاج وسائط تخزين حراري، يمكن أن يؤدي استخدام مخلفات صناعية موجودة بالفعل إلى تقليل الحاجة إلى موارد إضافية، فضلًا عن احتمال خفض التكلفة المرتبطة بالمواد.

لكن الباحثين لا يقدمون هذه النتيجة باعتبارها انخفاضًا محققًا بالفعل في البصمة الكربونية؛ فالمرحلة الحالية من البحث ركزت أساسًا على تقييم خصائص الخبث ومدى ملاءمته الأولية، بينما يتطلب إثبات الأثر البيئي والاقتصادي الكامل إجراء تقييمات إضافية لدورة الحياة والتكلفة والأداء التشغيلي.

ثلاثة أنواع من خبث الصلب تحت الاختبار

في المرحلة الأولى، فحص فريق جامعة ولاية بنسلفانيا ثلاثة أنواع مختلفة من الخبث، تختلف في تركيبها الكيميائي نتيجة اختلاف عمليات إنتاج الصلب التي تتكون خلالها.

وشملت المواد:

• خبث فرن معالجة المغرفة (Ladle Metallurgy Furnace)، ويتميز بغناه بأكاسيد المغنيسيوم وألومينات الكالسيوم.

• خبث فرن الأكسجين القاعدي (Basic Oxygen Furnace)، ويحتوي على مستويات مرتفعة من أكسيد الكالسيوم، إلى جانب وجود الجير الحر.

• خبث فرن القوس الكهربائي (Electric Arc Furnace – EAF)، الذي يحتوي عادةً على نسب أعلى من الأكاسيد، إلى جانب بنية بلورية أكثر استقرارًا نسبيًا.

ولم يعتمد الباحثون على اختبار واحد، بل استخدموا مجموعة من الأساليب التحليلية لفهم التركيب والبنية والخصائص الحرارية لكل مادة.

وشملت التقييمات القدرة المحتملة على تخزين الحرارة، والبنية المورفولوجية، وتركيب الأطوار، ومؤشرات التدهور.

وأوضح أوجونموديمو أن جمع نتائج الاختبارات المختلفة يساعد الباحثين على فهم بنية المادة، وتحديد الجوانب التي قد تحتاج إلى تعديل مستقبلًا، وتصنيف المواد وفق خصائصها لتحديد كيفية التعامل معها في مراحل البحث التالية.

خبث فرن القوس الكهربائي يتصدر النتائج الأولية

من بين الأنواع الثلاثة، ظهر خبث فرن القوس الكهربائي EAF بوصفه المرشح الأكثر ملاءمة لمزيد من الدراسة في المرحلة التالية.

ويرجع ذلك، وفق النتائج الأولية، إلى مجموعة من المؤشرات التي شملت انخفاض فقدان الكتلة، والحد الأدنى من الجير الحر القابل للكشف، واستقرارًا نسبيًا في استجابة تدفق الحرارة، وتركيبًا أكثر ملاءمة للأطوار.

ويكتسب وجود الجير الحر أهمية لأن تفاعله مع الماء قد يؤدي إلى تمدد بعض المواد، وهو عامل يمكن أن يؤثر في استقرارها عند استخدامها في تطبيقات تخزين الحرارة.

أما ما يسمى تركيب الأطوار (Phase Assemblage)، فيشير إلى كيفية وجود الأطوار المختلفة داخل المادة وتفاعلها، وهو عامل مهم عند تقييم قدرة المادة على الحفاظ على بنيتها وخصائصها خلال ظروف التشغيل الحراري.

وقال إينيمو إن خبث فرن القوس الكهربائي قدم أفضل خط أساس بين المواد الثلاث التي جرى اختبارها، استنادًا إلى مؤشرات الاستقرار الفيزيائية والكيميائية والحرارية التي تمت دراستها.

وبناءً على هذه المؤشرات غير المباشرة، جاء الترتيب الأولي للمواد على النحو التالي:

خبث فرن القوس الكهربائي EAF، ثم خبث فرن معالجة المغرفة، ثم خبث فرن الأكسجين القاعدي.

لكن هذا الترتيب لا يعني أن الباحثين أثبتوا بعد أن خبث فرن القوس الكهربائي يمكن استخدامه تجاريًا كوسيط لتخزين الطاقة الحرارية.

الاختبار الحاسم لم يبدأ بعد

يؤكد الباحثون أن النتائج الحالية تمثل مرحلة أولى من مشروع مكون من ثلاث مراحل، ولذلك لا يمكن استخلاص حكم نهائي على الأداء العملي للمواد.

فلم تتضمن الدراسة الحالية قياسات مباشرة لجميع الخصائص الضرورية لتقييم نظام تخزين حراري كامل، ومن بينها التوصيل الحراري، والسعة الحرارية النوعية، والكثافة، والاستقرار طويل الأمد عند التعرض لدورات حرارية متكررة.

وهذه الخصائص حاسمة في تحديد كمية الحرارة التي تستطيع المادة تخزينها، ومدى سرعة شحنها وتفريغها، وقدرتها على الاحتفاظ بأدائها بعد مئات أو آلاف دورات التسخين والتبريد.

ولهذا أوضح أوجونموديمو أن الترتيب الحالي هو ترتيب أولي للملاءمة المحتملة، وليس حكمًا نهائيًا على الأداء في تطبيقات تخزين الطاقة الحرارية.

من المختبر إلى نظام تخزين للطاقة الشمسية

الخطوة التالية أمام الفريق هي التحقق من النتائج الأولية وإجراء محاكاة لخصائص أخرى يصعب قياسها تجريبيًا، قبل الانتقال إلى مرحلة تعديل المواد وتحسينها لتناسب الاستخدامات الإنتاجية.

وإذا أثبتت المراحل اللاحقة أن خبث الصلب قادر على تحمل درجات الحرارة المرتفعة ودورات التشغيل المتكررة مع الحفاظ على خصائصه، فقد يفتح ذلك المجال أمام مسار مختلف لتخزين الطاقة الحرارية يعتمد على مخلفات صناعية متاحة بدلًا من مواد مصنعة خصيصًا لهذا الغرض.

وتكمن أهمية الفكرة في الجمع بين تحديين في وقت واحد: الحاجة إلى تخزين الطاقة الشمسية عندما لا تكون الشمس متاحة، والحاجة إلى إيجاد استخدامات أكثر استدامة لمخلفات صناعة الصلب.

لكن الطريق من النتيجة المخبرية الأولية إلى تطبيق تجاري واسع لا يزال يتطلب إثبات الكفاءة الحرارية، والاستقرار طويل الأجل، والسلامة، والجدوى الاقتصادية، إلى جانب تقييم الأثر البيئي الكامل للمادة طوال دورة حياتها.

وبذلك، لا تقدم الدراسة خبث الصلب باعتباره «بطارية» جاهزة للطاقة الشمسية، وإنما تطرح مخلفًا صناعيًا وفيرًا كمرشح واعد يستحق المزيد من الاختبارات لأنظمة تخزين الحرارة عالية الحرارة، وفي مقدمة هذه المواد حتى الآن خبث فرن القوس الكهربائي.

Exit mobile version