حين اختفت أرقام التلوث.. الجسيمات الدقيقة ترتفع بنحو الثلث في 46 مدينة حول العالم

الأقمار الصناعية تلتقط ما أخفته الأرض.. ارتفاع تلوث الهواء بعد توقف قياسات السفارات

ماذا يحدث عندما تتوقف مدينة عن نشر بيانات جودة الهواء؟

جودة الهواء

 

قد يبدو أن الإجابة بسيطة: لن نعرف مستوى التلوث بدقة. لكن دراسة جديدة تشير إلى أن المسألة قد تكون أعمق من مجرد فقدان البيانات؛ إذ ارتفعت مستويات الجسيمات الدقيقة فوق 46 مدينة بعد توقف السفارات والقنصليات الأمريكية عن نشر قراءات جودة الهواء في عام 2025، وفق تحليل اعتمد على بيانات الأقمار الصناعية.

وبينما لا تستطيع الدراسة إثبات أن اختفاء القياسات هو الذي تسبب مباشرة في زيادة التلوث، فإن الباحثين وجدوا نمطًا لافتًا: ارتفعت كمية الجسيمات في الهواء فوق المدن التي توقفت فيها القياسات بنحو 24% إلى 33% مقارنة بما كان متوقعًا استنادًا إلى مدن مماثلة داخل البلدان نفسها.

ونُشرت الدراسة الكاملة في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS).

والأهم أن التغير حدث في وقت لم تتغير فيه القواعد التنظيمية الخاصة بالانبعاثات في هذه المدن.

قاد الدراسة فريق من جامعة كولومبيا، واستخدم الباحثون صورًا وقياسات من الأقمار الصناعية لتتبع مستويات الجسيمات فوق المدن بعد توقف شبكة القياس الأرضية.

عندما توقفت قراءات السفارات

على مدى أكثر من عقد، كانت السفارات والقنصليات الأمريكية تنشر قراءات لجودة الهواء على مدار الساعة من عشرات المدن في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

بدأت الشبكة من بكين، ثم توسعت إلى مدن أخرى، وأصبحت هذه البيانات في بعض الأماكن المصدر الوحيد المتاح للعامة للحصول على معلومات آنية عن تلوث الهواء.

لكن في عام 2025 توقفت هذه القراءات بشكل شبه متزامن، ومن بين المدن الـ46 التي شملتها الدراسة، توقفت 45 مدينة عن نشر البيانات بين 2 و4 مارس 2025، بينما توقفت المدينة الأخيرة في 3 أبريل.

ويبلغ عدد سكان هذه المدن مجتمعة نحو 288 مليون نسمة، ولم تتزامن عملية إيقاف نشر البيانات مع تغيير مماثل في قواعد الانبعاثات أو تراخيص المصانع، وهو ما أتاح للباحثين التعامل مع توقيت توقف القياسات باعتباره فرصة لدراسة ما حدث بعد غيابها.

الأقمار الصناعية تولت مراقبة السماء

الأقمار الصناعية

 

بعد اختفاء القياسات الأرضية، لجأ الباحثون إلى الأقمار الصناعية، وتستطيع أدوات تابعة لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا رصد مقدار تشتت ضوء الشمس أثناء مروره عبر الغلاف الجوي، وهي إشارة يمكن استخدامها لتقدير كمية الجسيمات العالقة في الهواء.

واعتمد الباحثون على بيانات من أداتين فضائيتين، بقدرة مكانية تصل إلى نحو كيلومتر واحد، ثم حسبوا متوسط القراءات في نطاق يبلغ نحو 10 كيلومترات حول كل سفارة.

كما حدد الفريق تاريخ توقف كل محطة بالاستناد إلى الأرشيف المنشور للبيانات، وقارن النتائج ببيانات منصة AirNow التابعة لوكالة حماية البيئة الأمريكية.

لكن معرفة أن الهواء فوق المدن تغير لم تكن كافية؛ كان على الباحثين استبعاد احتمال أن تكون الزيادة جزءًا من تغيرات إقليمية أوسع.

مقارنة المدن بمدن مشابهة

لكل مدينة توقفت فيها قياسات السفارة، اختار الباحثون بلدات داخل الدولة نفسها، متقاربة في الحجم، وتقع على مسافة لا تقل عن 20 كيلومترًا من موقع السفارة، بحيث لا تتداخل مناطق القياس.

وتم العثور على 62 موقعًا للمقارنة مقابل 44 سفارة من المواقع المدروسة، بينما لم يتوفر موقع مقارنة مناسب لسفارتين.

وبذلك لم يكن السؤال ببساطة: هل أصبح الهواء فوق السفارة أكثر تلوثًا؟

بل كان السؤال الأكثر دقة: هل ارتفع التلوث في المدينة التي توقفت فيها القياسات أكثر من ارتفاعه في مدينة مماثلة داخل البلد نفسه، وفي الفترة الزمنية نفسها؟

ارتفاع الجسيمات بنحو الثلث

حتى منتصف سبتمبر 2025، كان الحمل الجسيمي في الهواء فوق مدن السفارات أعلى بنحو 33% من المستوى الذي توقعه الباحثون استنادًا إلى مواقع المقارنة.

وعند تمديد فترة التحليل حتى منتصف نوفمبر، تراجعت الفجوة لكنها ظلت واضحة، عند نحو 24%.

وهذه النسب تعبر عن تغير نسبي في الحمل الجسيمي، وليست تركيزًا مباشرًا بوحدة الميكروجرام لكل متر مكعب.

لذلك استخدم الباحثون آخر قراءات السفارات للجسيمات الدقيقة PM2.5 لمحاولة تحويل التغير النسبي إلى تقدير للزيادة في التركيز.

وكان التقدير الأكثر تحفظًا نحو 1.9 ميكروجرام لكل متر مكعب، بينما تراوحت تقديرات أخرى يمكن الدفاع عنها منهجيًا بين 1.5 و16.3 ميكروجرام لكل متر مكعب.

وتضع منظمة الصحة العالمية متوسطًا سنويًا إرشاديًا لتركيز PM2.5 عند 5 ميكروجرام لكل متر مكعب.

لكن الباحثين يحذرون من التعامل مع أعلى تقدير باعتباره رقمًا مؤكدًا، لأن تحويل قياسات الأقمار الصناعية إلى ما يتنفسه الإنسان على مستوى سطح الأرض يتأثر بالرطوبة وتركيب الجسيمات وارتفاعها في الغلاف الجوي.

النتيجة لم تكن بسبب مدينة واحدة

لم يكن الارتفاع نتيجة مدينة واحدة شديدة التلوث أثرت في المتوسط العام.

فعندما استبعد الباحثون أي سفارة منفردة من التحليل، لم يتغير التقدير بشكل كبير.

كما أظهرت 35 من أصل 44 حالة مطابقة زيادة في التلوث بشكل مستقل.

وهذه النتيجة عززت، وفق الباحثين، احتمال وجود نمط أوسع وليس مجرد تأثير محلي محدود.
وتتوافق النتيجة أيضًا مع دراسة سابقة نُشرت عام 2022 عن شبكة السفارات نفسها، وجدت أن تشغيل أجهزة القياس ارتبط بانخفاض مستويات الجسيمات بنحو 2 إلى 4 ميكروجرامات لكل متر مكعب.

أين كان الارتفاع أكبر؟

ظهرت الفروق الأوضح في المدن التي تفتقر إلى مصادر بديلة موثوقة لبيانات جودة الهواء.

واستخدم الباحثون بيانات منظمة OpenAQ لتصنيف المدن وفق مدى توفر أنظمة وطنية لرصد جودة الهواء ونشر نتائجها للعامة.

وفي 39 مدينة، لم تكن الحكومة ترصد جودة الهواء أصلًا أو لم تكن تنشر نتائج الرصد.

وفي هذه المدن، كان ارتفاع التلوث أكبر واستمر لفترة أطول.

أما في المدن التي كانت تتوفر فيها بالفعل بيانات وطنية منشورة، فكان التغير أقل.

وتشير هذه النتيجة إلى أن قيمة قياسات السفارات لم تكن فقط في إنتاج رقم إضافي، بل في توفير مصدر للمعلومات في أماكن لم تكن تمتلك بديلًا واضحًا.

ماذا عن الرسوم الجمركية الأمريكية؟

كان هناك عامل آخر ظهر في الفترة نفسها، وهو بدء تطبيق رسوم جمركية أمريكية جديدة في مارس 2025، ولذلك كان على الباحثين اختبار ما إذا كان توقيت التغير في تلوث الهواء يمكن أن يرتبط بهذه التطورات بدلًا من توقف القياسات.

لكن مواقع المقارنة كانت داخل البلدان نفسها، وبالتالي تعرضت للظروف التجارية والاقتصادية ذاتها.

وظلت مستويات التلوث في مواقع المقارنة مستقرة نسبيًا، وهو ما يقلل من احتمال أن تكون الرسوم الجمركية وحدها هي التي تفسر الفارق المرصود.

لماذا تراجع الارتفاع بعد عدة أشهر؟

لم يستمر ارتفاع التلوث بالمستوى نفسه إلى أجل غير محدد، فقد ارتفع خلال الأشهر الأولى، وبلغ ذروة، ثم بدأ في الاقتراب من مستوياته السابقة.

وهنا طرح الباحثون احتمالًا مثيرًا للاهتمام: ربما بدأ السكان في استخدام مصادر بديلة لقياس جودة الهواء بعد اختفاء بيانات السفارات.

ولفحص ذلك، تابع الفريق استخدام أجهزة AirGradient، وهي شبكة من أجهزة استشعار منخفضة التكلفة لجودة الهواء يستخدمها أفراد ومجتمعات محلية.

وظل استخدام هذه الشبكة مستقرًا قبل توقف قراءات السفارات، ثم بدأ في الارتفاع بعد ذلك، مع ظهور أسرع نمو بعد نحو ستة أشهر، وهي الفترة نفسها التي بدأ خلالها الفارق بين مدن السفارات ومواقع المقارنة في الانخفاض.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذا التفسير لم يُثبت بشكل قاطع.

البيانات لا تجيب عن كل شيء

تكشف الدراسة علاقة زمنية ومكانية لافتة، لكنها لا تثبت المسار السببي الكامل بين توقف نشر البيانات وارتفاع التلوث.

فقد يكون أحد الاحتمالات أن نشر البيانات كان يوفر ضغطًا أكبر على الجهات المسؤولة لمراقبة الانبعاثات أو الحد منها.

وقد يكون احتمال آخر أن البيانات العلنية كانت تدفع السكان والشركات إلى تعديل سلوكهم، مثل تقليل الأنشطة الملوثة أو استخدام المعلومات لاتخاذ قرارات يومية بشأن التعرض للهواء الخارجي.

لكن الدراسة لا تستطيع تحديد أي من هذه الآليات حدث فعليًا.

وهذا مهم لأن اختفاء رقم من شاشة الهاتف لا يغير كيمياء الهواء بصورة مباشرة.

السؤال الحقيقي هو ما الذي تغير في سلوك الحكومات أو الشركات أو السكان بعد اختفاء الرقم.

المشكلة الأكبر هي ما لا يمكن قياسه

يظل تحويل بيانات الأقمار الصناعية إلى تركيز فعلي للجسيمات التي يستنشقها الإنسان من أكثر أجزاء الدراسة عدمًا لليقين.

فالأقمار الصناعية تقيس خصائص للغلاف الجوي من الأعلى، بينما يتعرض البشر للهواء قرب سطح الأرض.

وتختلف العلاقة بين القياسين تبعًا للرطوبة وتركيب الجسيمات ومكان وجودها وارتفاعها.

لهذا السبب قدم الباحثون نطاقًا من التقديرات بدلًا من رقم واحد.

ومع ذلك، فإن الاتجاه العام كان واضحًا في بيانات الدراسة: المدن التي فقدت مصدرًا علنيًا مهمًا لبيانات جودة الهواء شهدت ارتفاعًا في الحمل الجسيمي مقارنة بمواقع مماثلة لم تفقد هذا المصدر.

وتفتح النتيجة سؤالًا أوسع بشأن دور الشفافية البيئية في الحد من التلوث.

فحين تتوفر البيانات، يستطيع السكان معرفة ما يتنفسونه، ويمكن للباحثين تتبع الاتجاهات، ويمكن للجهات الرقابية والصحفيين والم جتمع المدني مساءلة المسؤولين عن التغيرات.

أما عندما تختفي القياسات، فقد لا يختفي التلوث معها؛ الذي يختفي أولًا هو الدليل المرئي على ما يحدث في الهواء.

↑
Exit mobile version