كشف مشروع بحثي أوروبي جديد أن الاستماع إلى أصوات الكائنات الحية داخل التربة قد يكون وسيلة مبتكرة لتعزيز ارتباط الإنسان بالطبيعة، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على السلوك البيئي ويزيد من استعداد الأفراد للمشاركة في جهود حماية البيئة والتنوع الحيوي.
ويقود المشروع، الذي يحمل اسم “New Roots for Lasting Change”، باحثون من جامعة أولدنبورغ الألمانية وجامعة خرونينجن الهولندية، بدعم من برنامج Interreg الأوروبي، ويهدف إلى إعادة بناء العلاقة العاطفية بين الإنسان والطبيعة من خلال تجارب حسية مباشرة، بدلاً من الاكتفاء بتقديم المعلومات البيئية التقليدية.
أصوات الحياة تحت الأرض
وخلال فعالية أقيمت في الحديقة النباتية بمدينة أولدنبورج، أتيحت للزوار فرصة الاستماع إلى الأصوات الصادرة من باطن التربة باستخدام ميكروفون حساس دُفن على عمق يقارب 30 سنتيمترًا.
ونقل الجهاز أصواتًا متنوعة، شملت نقرات وطرقات وخشخشة وأصواتًا ناتجة عن حركة الحشرات والديدان والكائنات الدقيقة التي تعيش في التربة، في تجربة وصفها كثير من الزوار بأنها كشفت لهم لأول مرة أن التربة ليست مجرد مادة صامتة، بل نظام حي يعج بالحركة.
وقال ديرك ألباخ، مدير الحديقة النباتية بجامعة أولدنبورغ، إن التجربة كانت بمثابة “فتح جديد للعين والأذن”، لأنها جعلت المشاركين يدركون أن التربة كائن حي ينبض بالنشاط.
العلاقة بالطبيعة تعزز السلوك البيئي
ويرتكز المشروع على مفهوم علمي يعرف باسم “الارتباط بالطبيعة” (Nature Connectedness)، ويقيس مدى شعور الإنسان بأنه جزء من البيئة الطبيعية، وعلاقته العاطفية بالكائنات الحية والعناصر الطبيعية المحيطة به.
وأوضح الباحثون أن العديد من الدراسات أثبتت أن الأشخاص الذين يتمتعون بارتباط أقوى بالطبيعة يكونون أكثر ميلًا إلى تبني سلوكيات صديقة للبيئة، كما يتمتعون بمستويات أعلى من الصحة النفسية والرفاهية والشعور بالسعادة.
إلا أن التحدي الحقيقي، بحسب الفريق البحثي، يكمن في معرفة أفضل الوسائل لتعزيز هذا الارتباط، وهو ما يسعى المشروع إلى تحقيقه من خلال تجارب تعتمد على جميع الحواس.
الطبيعة تُختبر بالحواس
ويشمل المشروع مجموعة واسعة من الأنشطة التفاعلية، منها جولات استكشافية لطلاب المدارس، وورش عمل في المهرجانات، ومسارات للمشي داخل الغابات، إضافة إلى فعاليات فنية وثقافية، وبرامج تعاون مع الشركات والهيئات العامة لتعزيز ممارسات الاستدامة.
وخلال هذه الأنشطة، يُطلب من المشاركين التعرف على النباتات من خلال اللمس، أو تمييز الأعشاب عبر الرائحة، أو تكوين أعمال فنية باستخدام مواد طبيعية، بهدف بناء علاقة مباشرة مع البيئة المحيطة.
الشركات والموظفون ضمن المبادرة
ولا يقتصر المشروع على الجمهور العام، بل يمتد أيضًا إلى أماكن العمل، حيث يشجع الشركات والمؤسسات على تنفيذ مبادرات مثل زراعة النباتات، وإنشاء مروج للزهور البرية، وبناء مساكن للنحل، أو إعادة تصميم المساحات الخضراء داخل مقار العمل بمشاركة الموظفين.
وتتولى عالمة النفس البيئي ماريسا بالاش تقييم أثر هذه الأنشطة علميًا، لقياس مدى نجاحها في تعزيز ارتباط المشاركين بالطبيعة.
الأطفال في قلب الاهتمام
ويؤكد الباحثون أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر أهمية في المشروع، في ظل تراجع احتكاك كثير منهم بالطبيعة، حتى إن بعضهم أصبح يشعر بعدم الارتياح داخل الغابات أو بالنفور من الحشرات.
ويرى الفريق أن أفضل وسيلة لمواجهة هذا الابتعاد هي توفير تجارب حسية مباشرة تتيح للأطفال استكشاف الطبيعة بأنفسهم، بما يساعدهم على تكوين علاقة عاطفية طويلة الأمد معها.
ويأمل الباحثون أن تسهم هذه المبادرات في بناء علاقة إنسانية أكثر عمقًا مع البيئة، بحيث ينظر الناس إلى الطبيعة كما ينظرون إلى صديق مقرب، وهو ما قد ينعكس في النهاية على زيادة المشاركة المجتمعية في جهود حماية البيئة ومواجهة التحديات البيئية المستقبلية.
