يعمل علماء على فهم الطريقة التي يمكن من خلالها تصميم جيل جديد من المواد البلاستيكية بحيث تصبح أكثر قابلية للتحلل بعد تعرضها لأشعة الشمس والميكروبات، في محاولة للتعامل مع مشكلة تراكم المخلفات البلاستيكية في البيئة، خصوصًا في المحيطات.
وكشفت دراسة أجراها باحثون في ولاية إلينوي الأمريكية، أن مياه البحر قد تبطئ بعض التفاعلات الكيميائية التي تؤدي إلى إضعاف البلاستيك تحت ضوء الشمس، ما يقلل بدوره من المواد التي تستطيع الميكروبات الاستفادة منها.
وتشير النتائج إلى أن ضوء الشمس والميكروبات قد يؤديان دورين متتابعين في عملية التحلل؛ إذ تعمل الأشعة فوق البنفسجية أولًا على إحداث تغييرات في سطح البلاستيك، قبل أن تتمكن الكائنات الدقيقة من الاستفادة من بعض المركبات الناتجة عن هذه العملية.
لكن الباحثين يحذرون من أن هذه الآلية أكثر تعقيدًا في المياه الطبيعية مما قد توحي به التجارب التي تُجرى باستخدام المياه النقية في المختبرات.
ونُشرت الدراسة في مجلة npj Materials Degradation.
الشمس والميكروبات يتقاسمان مهمة التحلل
لا تؤدي أشعة الشمس عادة إلى تدمير البلاستيك بالكامل بمفردها، لكنها يمكن أن تبدأ سلسلة من التفاعلات الكيميائية التي تضعف سطحه.
فعندما تتعرض البوليمرات للأشعة فوق البنفسجية، يمكن أن تتشقق سلاسلها الكيميائية وتضاف ذرات الأكسجين إلى هذه السلاسل، ما يؤدي إلى تغير خصائص سطح البلاستيك.
وتوفر هذه التغيرات للميكروبات نقاطًا يمكنها التفاعل معها، كما تنتج جزيئات صغيرة يمكن لبعض الكائنات الدقيقة استخدامها كمصدر للكربون.
وقالت لودميلا أريستيلد، أستاذة الهندسة المدنية والبيئية في جامعة نورث وسترن، والتي قادت الدراسة، إن كثيرًا من التجارب المختبرية تستخدم المياه النقية، وهو ما دفع فريقها إلى دراسة ما يحدث للبلاستيك في ظروف مائية أكثر تنوعًا.
وقاد التجارب إلى جانبها الباحثة ما بعد الدكتوراه نسرين نادري بني، وطالبة الدكتوراه كارا فلين من مجموعة أبحاث أريستيلد، بينما مولت المؤسسة الوطنية للعلوم الأمريكية العمل.
90 يومًا تحت ضوء شمس صناعي
قطع الباحثون صفائح من البوليسترين إلى مربعات يبلغ طول ضلع كل منها نحو 2.6 بوصة، أي 65 ملليمترًا، وكانت سماكة كل قطعة تقارب ربع سماكة بطاقة ائتمانية.
ووضع كل مربع في وعاء منفصل، واحتوت بعض الأوعية على مياه بحر صناعية غنية بأيونات الكلوريد والبروميد والبيكربونات والكبريتات، بينما احتوت مجموعات أخرى على مزيج أقل تركيزًا من الأيونات يحاكي مياه البحيرات والأنهار، في حين استخدمت مجموعة ثالثة مياهًا منقاة.
كما أضيفت إلى نصف التجارب مادة عضوية مذابة مأخوذة من نهر سواني في الولايات المتحدة، وهي مادة مرجعية تستخدم في هذا النوع من الأبحاث.
بعد ذلك، عرّض الباحثون العينات لضوء كامل الطيف من مصباح زينون يحاكي ضوء الشمس بصورة مستمرة لمدة 90 يومًا، مع الحفاظ على درجة حرارة الهواء عند 20 درجة مئوية.
مياه البحر أبطأت تلف البلاستيك
بعد انتهاء فترة التجربة، أظهرت صور المجهر الإلكتروني وجود تشققات طويلة وتقشر واضح على سطح البلاستيك الذي تعرض للضوء في المياه المنقاة.
كما ظهرت خشونة وتقشر في العينات التي تعرضت لظروف تحاكي المياه العذبة.
أما العينات الموجودة في مياه البحر، فلم تتغير إلا بدرجة محدودة، وفي أغشية البلاستيك الموجودة في المياه المنقاة، ازداد الفرق بين أعلى النقاط وأعمق التجاويف على السطح بنحو 14 ضعفًا.
وأظهرت التحاليل الكيميائية نتيجة متوافقة؛ إذ ارتفعت المجموعات الغنية بالأكسجين، وهي من مؤشرات الضرر الناتج عن التعرض للضوء، بنحو الضعف تقريبًا في البلاستيك الموجود في المياه العذبة، وبنسبة 63% في البلاستيك الموجود في مياه البحر.
كما اكتشف الباحثون مركب البنزوات، وهو جزيء صغير يمكن أن ينتج أثناء تحلل البوليسترين، في عينات المياه العذبة والمياه المنقاة.
وفي مياه البحر، لم يظهر المركب إلا في الأوعية التي لم تحتوِ على المادة العضوية.
وقالت أريستيلد إن مكونات المياه تتنافس مع البلاستيك على التفاعلات التي يحفزها ضوء الشمس.
المادة العضوية غيّرت سلوكها حسب المياه
أظهرت المادة العضوية المأخوذة من النهر تأثيرين مختلفين اعتمادًا على طبيعة المياه المحيطة.
ففي المحاليل المالحة، أدت المادة العضوية إلى إبطاء عملية الأكسدة، كما خفضت إنتاج البنزوات بنسبة النصف أو أكثر.
لكن في المياه المنقاة حدث العكس؛ إذ ارتفع مؤشر أكسدة البلاستيك 2.3 مرة عند وجود المادة العضوية، مقارنة بزيادة بلغت 36% فقط في غيابها.
ويرجح الباحثون، أن الأملاح الموجودة في المياه الطبيعية تتداخل مع الجزيئات التفاعلية التي تنتجها المواد العضوية عند تعرضها للضوء.
أما في غياب هذه الأملاح، فقد تعمل المادة العضوية على تعزيز التفاعلات بدلًا من إبطائها.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذا التفسير لا يزال يحتاج إلى مزيد من الاختبارات، خصوصًا القياسات المباشرة للجزيئات قصيرة العمر التي قد تكون مسؤولة عن هذه التفاعلات.
الميكروبات استجابت لتأثير الشمس
في المرحلة التالية من التجربة، جمع الباحثون بين أغشية البلاستيك التي تعرضت لأشعة الشمس وبكتيريا Comamonas testosteroni، وهي بكتيريا عُزلت من حمأة مياه الصرف الصحي ويمكنها استخدام مركبات كربونية ذات حلقات كجزء من عملياتها الحيوية.
واستمرت التجارب البكتيرية لمدة 24 يومًا، وأظهرت العينات التي تعرضت مسبقًا للضوء في المياه العذبة مع وجود المادة العضوية زيادة بنسبة 31% في مؤشر الأكسدة بعد بدء نشاط البكتيريا.
أما البلاستيك الذي تعرض للضوء في مياه البحر مع وجود المادة العضوية، فلم يظهر تغير قابل للقياس في المؤشر نفسه.
وتوضح هذه النتائج فكرة أن الشمس قد تؤدي الخطوة الأولى في عملية تفكيك البلاستيك، ثم تأتي الكائنات الدقيقة لتتعامل مع بعض نواتج التفاعلات التي حدثت على سطح المادة.
لكن الدراسة لم تثبت أن البكتيريا استهلكت كميات كبيرة من البوليسترين، إذ ركزت التجارب على التغيرات الكيميائية في سطح البلاستيك، وليس على فقدان الكتلة.
كما استخدم الباحثون أغشية بلاستيكية رقيقة، وليس رغوة البوليسترين المنتشرة في بعض الشواطئ ومناطق المخلفات البحرية.
نحو تصميم بلاستيك يتحلل بصورة أسرع
يتميز الهيكل الكيميائي للبوليسترين بمقاومة عالية للتحلل، ويمكن لقطعه أن تبقى لفترات طويلة في المياه السطحية والرواسب.
وتشير النتائج إلى إمكانية الاستفادة مستقبلًا من فهم العلاقة بين ضوء الشمس وكيمياء المياه والميكروبات عند تصميم مواد بلاستيكية جديدة.
وتتمثل إحدى الأفكار المطروحة في تطوير أنواع من البلاستيك تكون أكثر قابلية للتأثر بأشعة الشمس، بحيث تضعف بنيتها بصورة أسرع عند وصولها إلى البيئة، ثم تصبح أكثر قابلية للتعامل معها بواسطة الكائنات الدقيقة.
لكن هذا التصور لا يزال في إطار اتجاه بحثي، ولا يعني أن البلاستيك التقليدي يمكن أن يتحلل سريعًا بمجرد تعرضه للشمس والميكروبات.
وتوجد بالفعل اتجاهات بحثية أخرى لتطوير مواد قابلة للتحلل أو الذوبان في ظروف بيئية محددة، من بينها مواد تعتمد على تفاعلات مع مياه البحر، لكن هذه التقنيات تختلف في آلياتها الكيميائية عن المسار الذي درسه فريق نورث وسترن.
الحاجة إلى تجارب في ظروف بيئية مختلفة
أجرى فريق نورث وسترن جميع التجارب عند درجة حرارة واحدة ومستوى محدد من المادة العضوية، ولذلك يرى الباحثون أن هناك حاجة إلى تجارب إضافية تشمل ظروفًا أكثر تنوعًا.
ومن بين المتغيرات التي ينبغي دراستها اختلاف الفصول، وتركيب المياه، ومستويات المواد العضوية، إضافة إلى الظروف البيئية المختلفة التي يتعرض لها البلاستيك في البحار والأنهار والبحيرات.
وتساعد هذه الدراسات على تحديد ما إذا كانت النتائج التي ظهرت في المختبر يمكن أن تنطبق على البيئات الطبيعية الأكثر تعقيدًا.
