قد تنجو الشعاب المرجانية من موجات الحر والتبييض، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها قادرة على التعافي؛ إذ يكمن الاختبار الحقيقي في قدرتها على التكاثر وإنتاج أجيال جديدة تعيد بناء الشعاب المتضررة.
وكشفت دراسة جديدة أجرتها جامعة كيرتن الأسترالية في شعاب نينجالو قبالة سواحل غرب أستراليا، عن نمط تكاثري مهم لدى أنواع من المرجان الضخم من جنس Porites، وهو من أبرز مجموعات المرجان التي تسهم في بناء الشعاب المرجانية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ونُشرت الدراسة في دورية Marine Biology.
ولأول مرة، تمكن الباحثون من تحديد توقيت التكاثر لدى بعض أهم أنواع المرجان في شعاب نينجالو، في نتائج يمكن أن تؤثر في الطريقة التي تخطط بها فرق الحفاظ على الشعاب وبرامج استعادتها.
لماذا يمثل توقيت التكاثر أهمية كبيرة؟
قاد الدراسة ديفيد جوسكيفيتش، طالب الدكتوراه في مجموعة أبحاث وحفظ المرجان بجامعة كيرتن.
وأوضح جوسكيفيتش، أن التركيز عند تقييم تعافي الشعاب المرجانية ينصب غالبًا على معرفة ما إذا كانت الشعاب قد نجت من أحداث التبييض، لكن البقاء على قيد الحياة لا يمثل سوى جزء من الصورة.
فالمرجان المتضرر لا يستطيع استعادة الشعاب لمجرد أن بعض مستعمراته بقيت حية، وإنما تحتاج هذه المستعمرات إلى إنتاج نسل جديد يمكنه المساهمة في تجديد الشعاب وإعادة بنائها.
ومن دون معرفة موعد تكاثر الأنواع الرئيسية التي تبني الشعاب، يصبح من الصعب تقييم مدى نجاح عملية التعافي، وفهم تأثيرات تغير المناخ، ودعم برامج الاستعادة التي تعتمد على جمع بويضات المرجان ويرقاته.
ثلاثة أنواع متشابهة يصعب التفريق بينها
ركز الباحثون على ثلاثة أنواع وثيقة الصلة من المرجان، غالبًا ما تُجمع تحت اسم مجمع Porites lobata، وهي:
- Porites lobata
- Porites lutea
- Porites australiensis
وكان التفريق بين هذه الأنواع تحديًا كبيرًا، إذ احتاج الباحثون إلى فحص تفاصيل دقيقة في هياكلها العظمية باستخدام المجهر.
وجمع الفريق عينات من 20 مستعمرة مرجانية في موقعين مختلفين.
وأظهرت النتائج أن 14 مستعمرة من أصل 20 تنتمي إلى نوع P. lutea، كما كانت جميع المستعمرات التي جرى أخذ عينات منها في موقع VLF Bay من هذا النوع.
أما في موقع Tantabiddi Reef، فقد عاشت الأنواع الثلاثة جنبًا إلى جنب.
بناء خط أساس لتكاثر المرجان
أخذ الباحثون عينات من أنسجة المستعمرات العشرين في فترتين مختلفتين من العام؛ الأولى في أواخر الشتاء، والثانية في أوائل الخريف، أي قبل موسم التكاثر الجماعي السنوي في نينجالو مباشرة.
وفحص الباحثون العينات تحت المجهر بحثًا عن البويضات والحيوانات المنوية النامية، وحددوا مدى تقدمها في مراحل التطور.
وأظهرت النتائج أن نوعي P. lutea وP. lobata كانا يستعدان بوضوح للتكاثر خلال الخريف.
وفي عدد من المستعمرات، كانت جميع البوليبات تقريبًا التي جرى فحصها تحمل بويضات آخذة في النضج.
أما عينات الشتاء فلم تظهر النمط نفسه، وهو ما وفر للعلماء للمرة الأولى خط أساس واضحًا للنشاط التكاثري لهذين النوعين في شعاب نينجالو.
لكن النوع الثالث، Porites australiensis، قدم نتيجة مختلفة تمامًا، إذ لم يجد الباحثون أي دليل على حدوث نشاط تكاثري خلال أي من فترتي أخذ العينات.
ويرجح ذلك احتمال أن يكون لهذا النوع جدول تكاثري مختلف لم يتمكن الباحثون من رصده خلال فترات الدراسة.
لماذا يمثل الاكتشاف أهمية لبرامج استعادة الشعاب؟
تحمل النتائج أهمية مباشرة لبرامج الحفاظ على الشعاب المرجانية واستعادتها، خصوصًا تلك التي تعتمد على جمع بويضات المرجان ويرقاته لإنتاج مستعمرات جديدة.
وقال جوسكيفيتش، إن توقيت التكاثر يمثل عنصرًا حاسمًا في عمليات استعادة الشعاب؛ فإذا أخطأ العلماء موعد حدث التكاثر، فقد يضطرون إلى الانتظار عامًا كاملًا حتى تتاح فرصة جديدة لجمع المواد التناسلية.
ومعرفة موعد تكاثر الأنواع الأساسية التي تبني الشعاب تتيح للعلماء ومديري برامج الحفاظ عليها الاستعداد مسبقًا لجمع المواد التناسلية في التوقيت المناسب.
اختلاف مفاجئ بين مناطق متقاربة
أظهرت الدراسة أن مرجان Porites في نينجالو يبدو أنه يتكاثر في أوائل الخريف، وهو توقيت يختلف بصورة لافتة عن مجموعات الأنواع نفسها الموجودة إلى الشمال، بالقرب من دامبيير.
وفي تلك المناطق، يحدث التكاثر في أواخر الربيع وبداية الصيف، كما هو الحال في مناطق الساحل الشرقي لأستراليا.
وتقود الباحثة زوي ريتشاردز مجموعة أبحاث وحفظ المرجان في جامعة كيرتن، وترى أن الاختلاف في توقيت التكاثر قد تكون له دلالات مهمة على الاتصال الجيني بين الشعاب.
فإذا كانت شعاب نينجالو معزولة تكاثريًا عن الشعاب الواقعة على بعد نحو 300 كيلومتر إلى الشمال، فقد لا تكون المجموعات الشمالية قادرة على إعادة إمداد نينجالو بالمرجان إذا فقدت مستعمراتها نتيجة موجات الحر البحرية أو الأعاصير.
وبذلك يمكن أن تكون هذه المجموعات المرجانية بمثابة مخزونات وراثية منفصلة، رغم قربها الجغرافي نسبيًا.
الحرارة لا تحدد فقط بقاء المرجان
ولا يقتصر تأثير الإجهاد الحراري على تحديد ما إذا كان المرجان سيبقى حيًا أو يموت أثناء موجة الحر.
وأوضح توماس هولمز، مدير برنامج WA Reef Regen في المؤسسة الأسترالية لعلوم البحار في غرب أستراليا، أن الإجهاد الحراري يمكن أن يؤدي أيضًا إلى تراجع القدرة على التكاثر، بحيث تنتج الشعاب كميات أقل من البويضات والحيوانات المنوية لسنوات بعد تعرضها لحدث تبييض كبير.
ولهذا السبب، يمثل التكاثر أحد أهم المؤشرات على الصحة طويلة الأمد للشعاب وقدرتها على الصمود أمام الضغوط البيئية.
وتوفر الدراسة خط أساس يمكن استخدامه مستقبلًا لمقارنة النشاط التكاثري للشعاب في نينجالو بعد تعرضها لموجات حر بحرية جديدة.
مؤشر جديد لقياس قدرة الشعاب على التعافي
تمنح النتائج الباحثين نقطة مرجعية مهمة لفهم ما يحدث للشعاب المرجانية بعد موجات الحر والتبييض.
فقد يبدو المرجان على قيد الحياة بعد انتهاء موجة الحرارة، لكن تراجع إنتاج البويضات والحيوانات المنوية قد يعني أن قدرته على إعادة بناء أجياله المستقبلية قد تضررت.
وبالتالي، فإن تقييم صحة الشعاب لا يمكن أن يعتمد فقط على عدد المستعمرات التي نجت من موجات الحرارة، بل يحتاج أيضًا إلى قياس قدرتها على التكاثر وإنتاج جيل جديد.
وقد تساعد معرفة المواعيد الدقيقة لتكاثر الأنواع الأساسية في تحسين برامج جمع البويضات واليرقات، وتحديد مدى قدرة الشعاب على التعافي طبيعيًا، فضلًا عن تقييم التأثيرات طويلة الأجل لموجات الحر البحرية وتغير المناخ.
