كشفت دراسة علمية حديثة أن الحليب المنتج من الأبقار التي تعتمد على الأعشاب الطبيعية في غذائها يتميز بقيمة غذائية أعلى بصورة ملحوظة مقارنة بالحليب التقليدي، إذ يحتوي على كميات أكبر بكثير من أحماض أوميجا 3 الدهنية المفيدة لصحة القلب والدماغ، إلى جانب توازن أفضل بين أنواع الدهون، وهو ما قد يمنح المستهلكين سببًا إضافيًا للنظر إلى جودة المنتج وليس إلى سعره فقط.
وأكد الباحثون أن اختلاف القيمة الغذائية لا يعود إلى طريقة تصنيع الحليب، وإنما إلى النظام الغذائي الذي تتبعه الأبقار، حيث تنعكس مكونات الأعلاف مباشرة على تركيب الدهون الموجودة في الحليب.
وقد عُرضت نتائج الدراسة خلال الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية للتغذية، وما تزال في مرحلة النتائج الأولية التي تنتظر النشر في مجلة علمية بعد مراجعتها من قبل الخبراء.
لماذا يختلف الحليب باختلاف غذاء الأبقار؟
في الأسواق تتوافر أنواع متعددة من الحليب، مثل الحليب التقليدي، والحليب العضوي، والحليب المنتج من أبقار تتغذى على الأعشاب، والحليب الناتج من أبقار ترعى في المراعي الطبيعية.
ورغم أن هذه التسميات تُستخدم على العبوات بصورة واسعة، فإن معظم المستهلكين لا يعرفون مدى تأثيرها الحقيقي في القيمة الغذائية للحليب.
ولهذا سعى فريق من الباحثين في جامعة أمريكية إلى معرفة ما إذا كانت هذه الفروق التسويقية تعكس بالفعل اختلافًا في مكونات الحليب، أم أنها مجرد وسيلة لجذب المشترين.
أكثر من 300 عينة من الأسواق
اعتمدت الدراسة على تحليل أكثر من 300 عبوة حليب جُمعت من متاجر البيع بالتجزئة في ولايتين أمريكيتين على مدار عام كامل.
وقسّم الباحثون العينات إلى أربع فئات رئيسية هي:
- الحليب التقليدي.
- الحليب العضوي.
- الحليب العضوي المنتج من أبقار تتغذى على الأعشاب.
- الحليب المنتج من أبقار ترعى المراعي الطبيعية دون أن يكون عضويًا.
وتميزت الدراسة بأنها اعتمدت على منتجات يشتريها المستهلكون من الأسواق مباشرة، وليس على حليب منتج داخل مزارع تجريبية، ما يجعل النتائج أقرب إلى الواقع.
أوميجا 3 أعلى بـ3.5 مرة
أظهرت النتائج أن أكبر اختلاف بين أنواع الحليب كان في تركيز أحماض أوميجا 3 الدهنية.
فقد احتوى الحليب العضوي المنتج من الأبقار التي تتغذى على الأعشاب على نحو 88 ملليجرامًا من أوميجا 3 في الحصة الواحدة، مقابل 25 ملليجرامًا فقط في الحليب التقليدي.
وبذلك وفر هذا النوع من الحليب كمية من أوميجا 3 تزيد بنحو ثلاثة أضعاف ونصف مقارنة بالحليب التقليدي.
كما لاحظ الباحثون أن هذا التفوق استمر خلال جميع فصول السنة، سواء في الربيع أو الصيف أو الخريف أو الشتاء.
دهون أقل ارتباطًا بالمشكلات الصحية
لم يقتصر الاختلاف على أوميجا 3 فقط، فقد سجل الحليب التقليدي أعلى مستويات من أحماض أوميجا 6 الدهنية، إذ بلغ متوسطها نحو 166 ملليجرامًا في الحصة الواحدة، مقابل نحو 92 ملليجرامًا في الحليب المنتج من الأبقار التي تعتمد على الأعشاب.
ورغم أن أوميجا 6 عنصر غذائي ضروري للجسم، فإن الدراسات تشير إلى أن الأنظمة الغذائية الحديثة توفر منه كميات كبيرة بالفعل، بينما يعاني كثير من الأشخاص من نقص في أوميجا 3.
لذلك فإن تحسين التوازن بين هذين النوعين من الدهون يُعد أكثر أهمية من زيادة كمية أحدهما فقط.
لماذا تؤدي الأعشاب إلى هذا الاختلاف؟
فسر الباحثون هذه النتائج بطبيعة الغذاء الذي تتناوله الأبقار، فالأعشاب الخضراء والنباتات الطبيعية غنية بصورة كبيرة بأحد الأحماض الدهنية النباتية التي تُعد المصدر الأساسي لتكوين أحماض أوميجا 3 داخل جسم الحيوان.
وعندما تعتمد الأبقار على الرعي الطبيعي، تنتقل نسبة أكبر من هذه الدهون المفيدة إلى الحليب.
أما الأبقار التي تتغذى بصورة أكبر على الحبوب والأعلاف المركزة، فإن حليبها يحتوي على نسب أعلى من أحماض أوميجا 6، وهو ما يغير تركيب الدهون النهائية.
دهون أخرى مفيدة ترتفع أيضًا
رصد الباحثون أيضًا ارتفاع مستويات نوع آخر من الدهون الطبيعية يعرف باسم حمض اللينوليك المترافق، وهو مركب يوجد بصورة رئيسية في لحوم وألبان الحيوانات التي تعتمد على الرعي.
وتشير أبحاث سابقة إلى أن هذا الحمض قد يرتبط بعدد من الفوائد الصحية، إلا أن العلماء يؤكدون أن الأدلة ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية لتحديد تأثيراته بدقة.
لماذا تؤثر الفصول على جودة الحليب؟
أوضحت الدراسة أن القيمة الغذائية للحليب لا تبقى ثابتة طوال العام، فعندما تتوافر الأعشاب الخضراء في المراعي خلال فصلي الربيع والصيف، ترتفع نسبة أوميجا 3 في الحليب.
أما خلال الشتاء أو الفترات التي تعتمد فيها الأبقار على الأعلاف المخزنة، فتتراجع هذه النسبة نسبيًا.
ورغم هذا التغير الموسمي، حافظ الحليب المنتج من الأبقار التي تتغذى على الأعشاب على تفوقه على الحليب التقليدي في جميع أوقات السنة.
معايير إنتاج أكثر صرامة
أشارت الدراسة إلى أن إنتاج الحليب العضوي يخضع لشروط محددة، من بينها السماح للأبقار بالرعي في المراعي الطبيعية لمدة لا تقل عن 120 يومًا سنويًا.
أما الحليب العضوي المنتج من الأبقار التي تعتمد على الأعشاب، فتكون شروطه أكثر تشددًا، إذ يجب أن تقضي الأبقار ما لا يقل عن 160 يومًا في المراعي الطبيعية، مع الاعتماد على الأعشاب والأعلاف الخشنة وعدم تغذيتها على الحبوب، ويفسر ذلك الفروق الكبيرة التي ظهرت في تركيبة الدهون بين هذه الأنواع.
هل تكفي هذه الزيادة لتحسين الصحة؟
أكد الباحثون أن النتائج لا تعني أن الحليب يمكن أن يحل محل المصادر الغذائية الرئيسية لأحماض أوميجا 3، مثل الأسماك الدهنية.
فكميات أوميجا 3 الموجودة في الحليب، رغم تفوقها الواضح، تبقى أقل بكثير مما توفره الأسماك.
لكن الدراسة تشير إلى أن الحليب المنتج من الأبقار التي تتغذى على الأعشاب يمكن أن يمثل مصدرًا غذائيًا إضافيًا ومستمرًا لهذه الدهون المفيدة، خاصة للأشخاص الذين يستهلكون الحليب يوميًا.
خطوة نحو اختيار غذائي أفضل
خلص الباحثون إلى أن الملصقات الموجودة على عبوات الحليب لا تمثل مجرد عبارات تسويقية، بل تعكس اختلافات حقيقية في القيمة الغذائية للمنتج.
ومع ذلك، شددوا على أن هذه الفروق وحدها لن تؤدي إلى تغيرات صحية كبيرة إذا لم تكن جزءًا من نظام غذائي متوازن ونمط حياة صحي.
كما دعوا إلى إجراء دراسات طويلة المدى لمعرفة ما إذا كان الاستهلاك المنتظم للحليب المنتج من الأبقار التي تتغذى على الأعشاب ينعكس بالفعل على مؤشرات صحة القلب والأوعية الدموية لدى الإنسان.
