حلول إنسانية وبيئية رائدة تحصد جائزة زايد للاستدامة 2026
من التعليم الشامل إلى التبريد منخفض الكربون.. فائزون بجائزة زايد للاستدامة يكشفون أسرار نجاح مشاريعهم
لم تعد الاستدامة مفهومًا نظريًا أو شعارًا بيئيًا، بل تحولت إلى حلول ملموسة تمس تفاصيل الحياة اليومية لملايين البشر حول العالم. هذا ما جسدته المشاريع الفائزة بجائزة زايد للاستدامة 2026، التي كشفت عن نماذج عملية تجمع بين الابتكار التكنولوجي، والبعد الإنساني، والجدوى الاقتصادية، لتقديم استجابات حقيقية لتحديات التعليم، والمياه، والغذاء، والعمل المناخي.
وخلال فعاليات «أسبوع أبوظبي للاستدامة»، برزت قصص مشاريع قادمة من قارات مختلفة، لكنها تتقاطع في هدف واحد: تحسين جودة الحياة، وتقليل الأثر البيئي، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على التكيف مع المستقبل.
وأكد رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، أن دولة الإمارات ماضية في التزامها الثابت بدعم الجهود الرامية إلى تعزيز جودة حياة الإنسان، وترسيخ أسس الاستقرار والتقدم في العالم، مشيراً إلى أن “جائزة زايد للاستدامة” تواصل تحفيز الحلول العملية التي تسهم في الارتقاء بالمجتمعات وتعزز فرص التنمية من خلال الابتكار والتعاون، وقال إن الجائزة تسهم في ترسيخ إرث الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “طيب الله ثراه”، ورؤيته المتجذرة في قيم العطاء والوحدة والازدهار المشترك لبناء مستقبل أفضل للبشرية جمعاء.

التعليم الشامل.. عندما يتحول الاختلاف العصبي إلى فرصة للتعلم
في قطاع التعليم، خطفت شركة «Jade» الإماراتية الأنظار بمقاربتها المتخصصة في دعم الأطفال من ذوي الاختلاف العصبي، عبر حلول تعليمية رقمية مخصصة للأطفال المصابين بالتوحد، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ومتلازمة داون.
ويستند المشروع إلى تقنيات تعليم تكيفية تراعي الفروق الفردية، وتساعد الأطفال على التعلم وفق قدراتهم الخاصة، بما يعزز اندماجهم في البيئة التعليمية والمجتمعية. ويكتسب المشروع بعدًا إنسانيًا عميقًا، إذ انطلقت فكرته من تجربة شخصية لمؤسس الشركة، الذي سعى إلى تحويل التحدي العائلي إلى نموذج عمل مستدام يخدم آلاف الأسر.
وقد أسهمت البيئة الداعمة للابتكار في دولة الإمارات في توسيع نطاق تأثير المشروع، ليصل إلى مؤسسات تعليمية عامة وخاصة، مع نتائج ملموسة على تطور الأطفال وسلوكهم التعليمي.
شح المياه يقود إلى حلول ذكية في الأردن
في منطقة تعاني أصلًا من ندرة المياه، قدم مشروع «المدرسة البيئية الإقليمية» في الأردن نموذجًا عمليًا لكيفية دمج التعليم بالاستدامة. المشروع، الذي تقوده مدرسة الرجاء لتعليم المعاقين سمعيًا، انطلق من تحدٍ محلي يتمثل في تراجع الموارد المائية، وتحول إلى منصة تعليمية وتوعوية تعتمد على الزراعة الذكية، وحصاد مياه الأمطار، وتعزيز الثقافة المائية لدى الطلبة والمجتمع المحيط.
ولا يقتصر المشروع على الجانب التعليمي، بل يتبنى بعدًا اقتصاديًا من خلال تسويق منتجات الزراعة الذكية، بما يضمن استمرارية المبادرة، وتوفير الموارد اللازمة لتطويرها، وتحويل المدرسة إلى نموذج يُحتذى به في دمج ذوي الإعاقة في الحلول البيئية.

التبريد كخدمة.. ثورة صامتة في مواجهة تغير المناخ
في قطاع العمل المناخي، يبرز مشروع «التبريد كخدمة» كنموذج مبتكر يعيد التفكير في واحدة من أكثر القطاعات استهلاكًا للطاقة، ويعتمد المشروع على فكرة بسيطة لكنها ثورية: شراء خدمة التبريد بدلًا من امتلاك معدات التبريد.
هذا النموذج، القائم على الدفع حسب الاستخدام، يزيل العبء المالي الأولي، ويشجع على اعتماد تقنيات تبريد عالية الكفاءة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية. ويكتسب المشروع أهمية متزايدة في ظل توقعات بتضاعف الطلب العالمي على التبريد ثلاث مرات بحلول عام 2050، خصوصًا في الدول النامية والمناطق الحارة.
ويُطبق هذا النموذج بالفعل في عشرات الدول، مع خطط للتوسع، ما يجعله أحد الحلول الواعدة لتقليل الانبعاثات المرتبطة بالطاقة وتحسين كفاءة استهلاكها عالميًا.
الزراعة المائية.. غذاء مستدام في أقسى الظروف
من كندا، قدم طلاب مدرسة Mamawi Atosketan Native مشروع «حاوية الزراعة المائية»، الذي يتيح زراعة المحاصيل طوال العام، حتى في فصول الشتاء القاسية. ويعتمد المشروع على أنظمة زراعة مائية متحكم في مناخها، ما يسمح بإنتاج غذاء محلي مستدام في مناطق تعاني من محدودية الوصول إلى المنتجات الطازجة.
ولا يقتصر أثر المشروع على المدرسة، بل يمتد إلى المجتمع المحلي من خلال مبادرات دعم غذائي، مثل «المطبخ الشهري للحساء»، ما يعزز الأمن الغذائي ويعيد إحياء روح التكافل المجتمعي.
تقليل انبعاثات الأرز.. ابتكار طلابي بأثر عالمي
في تايلاند، نجح طلاب مدرسة Ruamrudee International في معالجة أحد التحديات البيئية غير المرئية: انبعاثات غاز الميثان الناتجة عن زراعة الأرز. ويرتكز مشروعهم على تطبيق تقنية الري المتناوب (AWD)، التي تقلل من غمر الحقول بالمياه، وبالتالي تحد من انبعاثات الميثان.
وطور الفريق آلة منخفضة التكلفة تحمل اسم «Risen» لتسهيل تطبيق هذه التقنية، إلى جانب استخدام حساسات لرصد مستويات المياه، وبيانات GPS لمساعدة المزارعين على توثيق ممارساتهم والحصول على أرصدة كربونية. ويعزز هذا النموذج دمج الابتكار التكنولوجي بالحلول الزراعية، مع فوائد بيئية واقتصادية مباشرة للمزارعين.

جائزة تتجاوز التكريم
تكشف هذه المشاريع مجتمعة أن جائزة زايد للاستدامة لم تعد مجرد منصة للتكريم، بل أصبحت محركًا عالميًا لتوسيع الحلول المستدامة، وربط الابتكار بالاحتياجات الحقيقية للمجتمعات. فمن التعليم الشامل، إلى إدارة المياه، والتبريد منخفض الكربون، والزراعة الذكية، تؤكد هذه النماذج أن الاستثمار في الاستدامة هو استثمار في الإنسان أولًا، وفي مستقبل أكثر توازنًا وقدرة على الصمود.





