في واحدة من أخطر الأعوام على الإطلاق من حيث نشاط الحرائق، كشف تقرير علمي دولي حديث أن حرائق الغابات حول العالم خلال الفترة من مارس 2024 إلى فبراير 2025، أتت على ما لا يقل عن 3.7 ملايين كيلومتر مربع من الأراضي، أي مساحة تفوق مساحة الهند، مطلقة في الجو أكثر من 8 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون.
ورغم أن هذه المساحة المحترقة تقل بنحو 10% عن المتوسط المسجل خلال العقدين الماضيين، فإن الانبعاثات الناتجة عنها ارتفعت بنسبة مماثلة تقريبًا، بسبب اشتعال الحرائق في غابات غنية بالكربون، كغابات الأمازون، وغابات البوريال في كندا، وغابات الكونغو المطيرة.
تغير نوع الحرائق… وتفاقم أثرها
التقرير، الذي أعده فريق من العلماء من عشرات الجامعات والمراكز البحثية بقيادة جامعة إيست أنجليا البريطانية و”معهد الهيدرولوجيا والإيكولوجيا” في المملكة المتحدة، هو النسخة الثانية من سلسلة التقارير السنوية المعروفة باسم “حالة حرائق الغابات في العالم”.
ويشير التقرير إلى أن التحول الكبير في طبيعة الحرائق هو الأخطر: فبينما كانت الحرائق في الماضي تتركز في السافانا والمراعي الجافة، حيث يقل خزن الكربون في النباتات، أصبحت اليوم تلتهم الغابات الرطبة والكثيفة، التي تمثل مخازن ضخمة للكربون الحيوي، ما يؤدي إلى تضاعف الانبعاثات رغم انخفاض عدد الحرائق نسبيًا.
ويؤكد الدكتور ماثيو جونز، الباحث في جامعة إيست أنجليا، أن “التغير المناخي الناجم عن النشاط البشري أصبح بصمته واضحة في كل منطقة تقريبًا، من حيث شدة الحرائق واتساع نطاقها وتغير توقيتاتها الموسمية”، مضيفًا أن “الظواهر الجوية الحادة، كالجفاف الطويل وارتفاع درجات الحرارة غير المسبوقة، خلقت مزيجًا كارثيًا من الوقود والظروف المناسبة للاشتعال”.
أربعة بؤر حرائق “استثنائية”
يركز التقرير على أربع مناطق اعتبرها “نقاطًا ساخنة” شهدت حرائق استثنائية في شدتها وآثارها الإنسانية والبيئية:
-
جنوب كاليفورنيا (الولايات المتحدة)
شهدت في يناير 2025 موجة حرائق غير مسبوقة خارج الموسم المعتاد، حيث اجتاحت النيران أحياء سكنية في لوس أنجلوس وأودت بحياة 30 شخصًا، ودمّرت أكثر من 11,500 منزل، وأجبرت 153 ألف شخص على النزوح.
وأدت هذه الكارثة إلى خسائر اقتصادية قُدرت بـ 140 مليار دولار، لتصبح أكثر الحرائق تكلفة في تاريخ كاليفورنيا الحديث.
ويعزو التقرير هذه الحرائق إلى تتابع فصول من الأمطار الغزيرة التي أنعشت الغطاء النباتي، تلتها موجة جفاف حادة جعلت النباتات الجافة وقودًا مثالياً للنيران. -
الأمازون وشمال شرق أمريكا الجنوبية
في البرازيل وبوليفيا وفنزويلا، بلغت المساحات المحترقة أكثر من 243 ألف كيلومتر مربع في البرازيل وحدها، و107 آلاف في بوليفيا، وهي أرقام قياسية منذ بدء التسجيلات عام 2002.
وبلغت انبعاثات الكربون الناتجة من هذه الحرائق 263 مليون طن، أي أعلى بنسبة 84% من المتوسط السنوي، مما جعل موسم 2024-2025 الأسوأ في تاريخ القارة من حيث انبعاثات الكربون.
كما ألحقت النيران أضرارًا جسيمة بالنظم البيئية الحساسة مثل إقليم الشيكيتانو الجاف ومستنقعات بانتانال، اللذين فقدا مئات الآلاف من الهكتارات من الغابات والحياة البرية. -
حوض الكونغو (إفريقيا)
تسببت موجة حرائق مدمرة في 2024 في إحراق مساحات واسعة من الغابات المطيرة في الكونغو وجابون وجمهورية إفريقيا الوسطى، بنسبة تفوق المعدل التاريخي بـ28%.
وأكد التقرير أن التغير المناخي جعل ظروف الطقس الجافة والحارة أكثر احتمالاً بمقدار 3 إلى 8 مرات، وهو ما ضاعف مساحة المناطق المحترقة ثلاث مرات عما كان يمكن أن يحدث في غياب الاحترار العالمي.
وأشار العلماء إلى أن هذه المنطقة، التي تعد ثاني أكبر خزان للكربون على الكوكب بعد الأمازون، بدأت تفقد توازنها البيئي، ما يهدد بزيادة الانبعاثات بدل امتصاصها. -
منطقة بانتانال وشيكيتانو (أمريكا الجنوبية)
على امتداد الحدود بين بوليفيا والبرازيل، شهدت هذه المناطق موسمًا “كارثيًا” من الحرائق المتواصلة بسبب جفاف استثنائي دام عامين، مما أدى إلى احتراق أكثر من 46 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل ستة أضعاف المتوسط، وانبعاث 100 مليون طن من الكربون.
بين العلم والسياسات
يؤكد التقرير أن هدفه ليس فقط التوثيق العلمي، بل أيضًا تقديم بيانات قابلة للتطبيق في السياسات البيئية. فقد استخدم العلماء بيانات الأقمار الصناعية ونماذج المناخ وخرائط استخدام الأراضي لتقدير شدة الحرائق وتأثيرها، كما طوّروا نماذج للتنبؤ المبكر بالمواسم الخطرة.
ووفقًا للدكتور دوجلاس كيلي من “مركز الهيدرولوجيا والبيئة” البريطاني، فإن “التنبؤ بالحرائق أصبح أمرًا أكثر تعقيدًا لأننا نتعامل مع تفاعل بين ثلاثة عوامل رئيسية: المناخ، واستخدام الأرض، والأنشطة البشرية”.
وأضاف: “نأمل في السنوات المقبلة أن نوفر أدوات استباقية للإنذار المبكر تساعد الدول على الحد من المخاطر قبل أن تتحول إلى كوارث واسعة النطاق”.
ملايين المتضررين… وخطر متصاعد
قدّر التقرير أن أكثر من 100 مليون شخص حول العالم تعرضوا بشكل مباشر أو غير مباشر لحرائق الغابات خلال العام الماضي، سواء عبر فقدان المساكن أو التأثر بتلوث الهواء الناتج عن الدخان الكثيف الذي امتد لآلاف الكيلومترات.
وأشارت الباحثة كارمن شتاينمان من جامعة زيورخ إلى أن “الحرائق لم تعد ظاهرة محلية، بل أصبحت قضية عالمية تمس المناخ، والصحة العامة، والاقتصاد، والنظم البيئية على حد سواء”، مؤكدة أن “ما نشهده اليوم هو إعادة تشكيل جذرية لعلاقة الإنسان بالنار والطبيعة”.
وحذّر العلماء من أن استمرار الاحترار العالمي قد يجعل من مواسم الحرائق الممتدة والمكثفة “الوضع الطبيعي الجديد” في القرن الحادي والعشرين، إذا لم تُتخذ إجراءات جذرية للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة وحماية النظم البيئية الحساسة.
