تواصلت حالة الاستنفار في الجزائر، الأحد، على خلفية موجة حرائق واسعة اندلعت خلال الأيام الماضية في عدد من الولايات، ولا سيما المناطق الشمالية والساحلية، وأسفرت عن سقوط ضحايا وخسائر مادية، فيما تكثف فرق الحماية المدنية جهودها للسيطرة على النيران ومنع امتدادها إلى المناطق المأهولة.
وقال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إن فرضية وجود «أيادٍ إجرامية» وراء اندلاع الحرائق ليست مستبعدة، مؤكدًا أن السلطات ستجري التحقيقات والتحريات الضرورية للكشف عن أسباب اندلاعها وتحديد المسؤوليات.
وجاءت تصريحات الرئيس الجزائري خلال تفقده حالة المصابين في أحد المستشفيات، حيث أشار إلى أن قوة اندلاع بعض الحرائق تثير التساؤلات، مؤكدًا في الوقت نفسه ضرورة انتظار نتائج التحقيقات التي ستحدد ما إذا كانت هناك أفعال متعمدة وراء اندلاع النيران.
وأوضح تبون أن الرياح القوية زادت من صعوبة عمليات الإطفاء، بعدما ساهمت في تأجيج ألسنة اللهب وتسريع انتقال النيران والشرر إلى مناطق جديدة.
إخماد عشرات الحرائق
وفي إطار جهود مكافحة النيران، أعلنت المديرية العامة للحماية المدنية في الجزائر تمكن فرقها خلال 24 ساعة من إخماد 36 حريقًا من أصل 47 حريقًا سجلت في عدد من الولايات، بينما تواصلت عمليات التدخل لإخماد البؤر المتبقية والسيطرة عليها.
ولم تعلن السلطات الجزائرية حتى الآن حصيلة نهائية للخسائر البشرية والمادية الناجمة عن الحرائق، مشيرة إلى استمرار عمليات حصر الأضرار تمهيدًا للإعلان عنها واتخاذ الإجراءات اللازمة لتعويض المتضررين.
وكان وزير الداخلية والجماعات المحلية، السعيد سعيود، قد أعلن في وقت سابق مقتل 12 شخصًا جراء الحرائق، في آخر حصيلة وطنية رسمية متاحة.
حرائق جديدة في العاصمة
وبالتزامن مع جهود السيطرة على الحرائق في الولايات المتضررة، شهدت العاصمة الجزائرية اندلاع حرائق جديدة طالت مساحات خضراء، من بينها حريق ليل الجمعة-السبت في منطقة بوزريعة، بالتزامن مع حريق آخر في بلدية براقي جنوب العاصمة.
وأثارت الحرائق الجديدة مخاوف بين السكان، خاصة مع قرب بعض المناطق المتضررة من التجمعات السكنية والمناطق الخضراء، في وقت تواصل فيه فرق الحماية المدنية والمصالح المعنية عمليات الإخماد والمراقبة.
كما شارك مواطنون في بعض المناطق في جهود مكافحة النيران، بالتزامن مع متابعة رسمية لتطورات الوضع والحرائق النشطة.
«القبة الحرارية» تزيد مخاطر انتشار النيران
وفي تفسيره للعوامل الجوية التي ساهمت في زيادة حدة الحرائق، قال المختص في الأرصاد الجوية رابح قاضي إن الجزائر شهدت ظروفًا مناخية وجوية استثنائية هيأت بيئة ملائمة لاندلاع النيران وسرعة انتشارها.
وأوضح أن سيطرة مرتفع جوي شديد في طبقات الجو العليا، المعروف علميًا باسم «القبة الحرارية»، ساهمت في ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الجفاف، ما أدى إلى تحول الغطاء النباتي إلى وقود سريع الاشتعال.
وتزامنت الحرائق مع موجة حر شديدة، اقتربت خلالها درجات الحرارة القصوى من 50 درجة مئوية في بعض الولايات الشمالية والشرقية، وهو ما أدى إلى زيادة جفاف الغابات والمساحات الخضراء ورفع قابليتها للاشتعال.
كما لعبت الرياح القوية دورًا إضافيًا في تفاقم الوضع، إذ ساعدت على انتشار ألسنة اللهب ونقل الشرر إلى مناطق جديدة، الأمر الذي صعّب عمليات الإخماد ورفع مخاطر وصول الحرائق إلى المناطق السكنية.
العامل البشري والتغير المناخي
ولا تقتصر أسباب حرائق الغابات على العوامل الجوية وحدها، إذ يمكن أن يؤدي النشاط البشري، سواء بصورة متعمدة أو غير متعمدة، إلى إشعال الحرائق، ومن بين ذلك إلقاء أعقاب السجائر أو النفايات القابلة للاشتعال بالقرب من الغابات والمناطق الخضراء.
وفي هذا السياق، تظل فرضية وجود عمل متعمد وراء بعض الحرائق قائمة إلى حين انتهاء التحقيقات الرسمية التي أعلنت عنها السلطات الجزائرية، دون إمكانية الجزم بمسؤولية أي طرف قبل ظهور نتائجها.
ويرى خبراء أن تزايد موجات الحر والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، بالتزامن مع تراجع الرطوبة واشتداد الرياح، يجعل موسم حرائق الغابات أكثر خطورة، في ظل التأثيرات المتزايدة للتغير المناخي والظواهر الجوية المتطرفة.
وتفرض هذه الظروف على الدول المتوسطية، ومن بينها الجزائر، تعزيز إجراءات الوقاية من حرائق الغابات، ورفع جاهزية أجهزة الطوارئ، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر والمراقبة، إلى جانب تشديد إجراءات حماية المناطق الغابية خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة والجفاف.
وبينما تكافح فرق الحماية المدنية للسيطرة على آخر بؤر النيران، تترقب الجزائر نتائج التحقيقات التي ستكشف ما إذا كانت الحرائق الأخيرة نتاج الظروف المناخية القاسية والعوامل البشرية العرضية، أم أن بعضها كان نتيجة أفعال متعمدة، في وقت تظل فيه حماية الأرواح والمناطق السكنية والغابات أولوية عاجلة للسلطات.
