الجينات والمناعة والمرونة.. ماذا تعلمنا جينات المسنين فوق 110 عاماً؟

أسرار طول العمر.. كيف يمكن للجينات أن تؤخر الشيخوخة وتزيد طول الحياة؟

يبدو العيش لأكثر من 110 سنوات أشبه بالحلم أو الأسطورة، إلا أن بعض البشر، المعروفين بالسوبرسناتيناريين، يصلون إلى هذا العمر مع الحفاظ على ذكاء ووعي حاد واستقلالية غير متوقعة، هؤلاء الأفراد يمثلون نموذجًا فريدًا لفهم مقاومة الشيخوخة، وطول العمر الصحي، والمرونة البيولوجية.

حتى اليوم، ركزت معظم الدراسات على كبار السن في أوروبا وأمريكا الشمالية، ما خلق فجوات معرفية كبيرة حول التنوع الوراثي وأثره على الصحة وطول العمر.

يمثل السكان البرازيليون حالة استثنائية: جينات متنوعة جدًا نتيجة قرون من التزاوج بين السكان الأصليين، العبيد الأفارقة، والمهاجرين الأوروبيين واليابانيين، ما يجعلهم نموذجًا طبيعيًا لدراسة التفاعل بين الجينات والمناعة والمرونة البيولوجية.

الجينات المختلطة ومقاومة الشيخوخة

تشير الأبحاث إلى أن الجينات المرتبطة بطول العمر غالبًا ما تكون متعددة ومتشابكة، وليست مجرد متغير مفرد.

دراسة البرازيل أكدت وجود ملايين متغيرات جينية جديدة، خاصة في مناطق مرتبطة بالمناعة مثل جينات HLA، التي تتحكم في كيفية استجابة الجسم للفيروسات والبكتيريا.

كما أظهرت هذه الدراسات، أن بعض المتغيرات تدعم التوازن الداخلي للجسم، وتقليل الالتهابات المزمنة، وتحافظ على خلايا الدم البيضاء فعالة حتى في سن متقدمة جدًا.

هذه النتائج توضح أن تنوع الجينات في السكان المختلطين ليس مجرد أرقام؛ بل هو عامل جوهري لفهم كيفية دعم الجسم للوظائف الحيوية، وحماية الخلايا من التلف، وتحفيز آليات إصلاح الحمض النووي والميتوكندريا.

دراسة المسنين الأطول عمرًا في البرازيل

في إطار هذه الأبحاث، أنشأ مركز أبحاث الجينوم والخلايا الجذعية بجامعة ساو باولو قاعدة بيانات تضم أكثر من 100 مسن، بينهم 20 سوبرسناتيناريًا تم توثيق أعمارهم بدقة.

شملت العينة أفرادًا من مناطق جغرافية مختلفة وبيئات اجتماعية متنوعة، ما أتاح للباحثين دراسة تأثير العوامل البيئية جنبًا إلى جنب مع العوامل الوراثية.

من أبرز الشخصيات، الأخت إينه (1908–2025)، التي عاشت حتى 116 عامًا وكانت أطول شخص حي عالميًا حتى وفاتها.

كما شملت الدراسة أطول الرجال سنًا في العالم، الذين بلغ عمر أحدهم 113 عامًا، العديد من المشاركين عاشوا دون وصول منتظم إلى الرعاية الصحية الحديثة، ما قدم فرصة نادرة لدراسة المرونة البيولوجية الطبيعية بعيدًا عن التدخلات الطبية.

مفتاح فهم الوراثة المتعددة الجينات

أظهرت الدراسة أن طول العمر الاستثنائي غالبًا ما يتجمع في العائلات، مثال على ذلك امرأة وصلت إلى 109 أعوام، بينما بلغت أعمار ابنة أخواتها 100، 104، و106 أعوام، هذه التجمعات العائلية توفر نافذة فريدة لدراسة الوراثة متعددة الجينات والآليات الوراثية والايبيجينية التي تدعم طول العمر.

كما تشير الأبحاث إلى أن هذه العائلات تحمل متغيرات نادرة في الجينات المرتبطة بالوظائف الخلوية الأساسية، مثل ATG2A وNDUFA9 وCOX7A2 وATM وBRCA1، المسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، وظيفة الميتوكندريا، وتنقية البروتينات الضارة، ما يساهم في الحفاظ على صحة الخلايا طوال العقود.

آليات مقاومة الشيخوخة

أحد أبرز الاكتشافات أن خلايا المناعة في السوبرسناتيناريين لا تتدهور بالوتيرة المتوقعة مع التقدم في العمر، بالعكس، تظل عملية الالتهام الذاتي (autophagy) نشطة، وتزداد كفاءة تحلل البروتينات التالفة، مما يقلل تراكم المواد السامة في الخلايا.

كما تظهر هذه الخلايا زيادة في أعداد الخلايا التائية المتخصصة وخلايا القتل الطبيعي، مع توسع الخلايا التائية CD4+ التي تتصرف مثل CD8+، وهو أمر نادر عند البالغين الأصغر سنًا.

هذا يشير إلى أن الجهاز المناعي يكيف نفسه بدلًا من التدهور، ما يعزز الرقابة المناعية الفعالة ضد الأمراض حتى بعد عمر 110 عامًا.

أمثلة استثنائية: النجاة من كوفيد-19

خلال جائحة كوفيد-19، تمكن ثلاثة سوبرسناتيناريين برازيليين من النجاة من العدوى قبل توفر اللقاحات، أظهرت تحاليل الدم وجود أجسام مضادة قوية ونشطة ضد الفيروس، مع علامات مناعية نشطة تدعم الدفاع الطبيعي للجسم.

هذه الحالات تثبت أن الجهاز المناعي يمكن أن يبقى فاعلًا حتى في أعمق مراحل العمر، مع دعم نظم الجسم الداخلية للمرونة.

البرازيل وإعادة تشكيل أبحاث طول العمر عالميًا

البرازيل لا تحتل مكانة استثنائية على صعيد الأرقام فقط، بل توفر نموذجًا عمليًا لدراسة تأثير التنوع الوراثي والمناعة على طول العمر، ثلاثة من أطول الرجال سنًا المثبتة أعمارهم عالميًا برازيليون، بالإضافة إلى عدد كبير من النساء اللواتي حققن أرقامًا قياسية.

تشير الدراسات إلى أن إدراج مجتمعات متنوعة جينيًا ضمن أبحاث السوبرسناتيناريين عالميًا لا يسهم فقط في تقدم العلم، بل يعزز العدالة في البحث الصحي، ويمد العلماء بالمعرفة الضرورية لفهم المرونة البيولوجية وتحسين الصحة وطول العمر للسكان حول العالم.

Exit mobile version