طور فريق من الباحثين جهازًا كهروكيميائيًا جديدًا يعمل بطريقة تشبه شحن وتفريغ البطاريات، قادرًا على سحب ثاني أكسيد الكربون (CO₂) مباشرة من الهواء باستخدام الكهرباء ومحلول ملحي، في ابتكار قد يمثل خطوة مهمة نحو الحد من تراكم الغازات المسببة للاحتباس الحراري في الغلاف الجوي.
ويأتي هذا الإنجاز في إطار تعاون بحثي بين جامعة إلينوي أوربانا-شامبين ومعهد تويوتا للأبحاث في أمريكا الشمالية، حيث يسعى الباحثون إلى تطوير تقنيات أكثر كفاءة لالتقاط الكربون من الهواء، وهي إحدى الركائز الأساسية لتحقيق أهداف الحياد الكربوني ومواجهة تغير المناخ.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Environmental Science & Technology.
معالجة الكربون المتراكم في الغلاف الجوي
يركز الابتكار على تقنية الالتقاط المباشر للكربون من الهواء (Direct Air Capture)، والتي تستهدف إزالة ثاني أكسيد الكربون المتراكم بالفعل في الغلاف الجوي على مدار عقود، وليس فقط الحد من الانبعاثات الجديدة.
ويشير الباحثون إلى أن معظم تقنيات احتجاز الكربون الحالية تعمل عند مصادر الانبعاثات، مثل مداخن محطات توليد الكهرباء أو المنشآت الصناعية، حيث تكون تركيزات ثاني أكسيد الكربون مرتفعة نسبيًا.
لكن هذه التقنيات لا تعالج الكميات الضخمة من الغاز المنتشرة بتركيزات منخفضة في الهواء، وهو ما يجعل تطوير أنظمة قادرة على التقاطه مباشرة من الغلاف الجوي أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق أهداف المناخ العالمية.
الكهرباء بدلًا من الحرارة
بعكس معظم تقنيات التقاط الكربون التقليدية، التي تعتمد على استخدام الحرارة لامتصاص ثاني أكسيد الكربون ثم تحريره، يعتمد الجهاز الجديد على الكهرباء وتفاعلات كهروكيميائية داخل خلية خاصة تحتوي على محلول مائي ملحي.
ويستخدم النظام أقطابًا كهربائية مصنوعة من ثاني أكسيد المنغنيز المثبت بالبوتاسيوم، تعمل على تغيير درجة حموضة المحلول (pH) عبر شحن وتفريغ الجهاز.
فعند زيادة قلوية المحلول يصبح قادرًا على امتصاص ثاني أكسيد الكربون بكفاءة من الهواء، بينما يؤدي خفض القلوية في المرحلة التالية إلى إطلاق الغاز مرة أخرى في صورة نقية، ليصبح جاهزًا للتخزين أو إعادة الاستخدام في التطبيقات الصناعية.
تصميم يحسن كفاءة استهلاك الطاقة
اعتمد الفريق البحثي على مبادئ الديناميكا الحرارية لتصميم دورة تشغيل الجهاز، بهدف تقليل استهلاك الطاقة وتحسين الأداء.
ورسم الباحثون دورة تشغيل تعتمد على تغير تركيز الكربون غير العضوي المذاب وأيونات البوتاسيوم داخل المحلول، ما سمح بتحديد نقاط فقد الطاقة وإعادة تصميم النظام لتحقيق كفاءة أعلى.
ويرى الباحثون أن هذه المنهجية قد تفتح المجال أمام تطوير أجيال جديدة من تقنيات التقاط الكربون منخفضة الاستهلاك للطاقة.
تحديات قبل التطبيق التجاري
ورغم النتائج الواعدة، يؤكد الفريق أن التقنية لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير قبل استخدامها على نطاق واسع.
وتتمثل أبرز التحديات الحالية في اختلاط تياري السوائل داخل الجهاز أثناء التشغيل، وهو ما يقلل من كفاءة العملية ويزيد استهلاك الطاقة.
ويعمل الباحثون حاليًا على تطوير تصميمات جديدة تقلل هذا الاختلاط، بما يسهم في رفع إنتاجية الجهاز وتحسين جدواه الاقتصادية.
نحو إزالة الكربون من الغلاف الجوي
يرى العلماء أن إزالة ثاني أكسيد الكربون من الهواء ستكون عنصرًا أساسيًا في مواجهة تغير المناخ، حتى مع تحقيق تخفيضات كبيرة في الانبعاثات المستقبلية، إذ إن مليارات الأطنان من الغاز تراكمت بالفعل في الغلاف الجوي منذ الثورة الصناعية.
ويؤكد الباحثون أن دمج المواد المتقدمة مع الكيمياء الكهروكيميائية والهندسة الحرارية قد يفتح آفاقًا جديدة لتطوير تقنيات أكثر كفاءة وأقل تكلفة، تسهم في إزالة الكربون من الهواء ودعم جهود إزالة الانبعاثات الكربونية على المدى الطويل.
