قد لا يكون روث الماشية مجرد سماد عضوي يعيد المغذيات إلى التربة؛ إذ تشير مراجعة علمية جديدة إلى أن وجود الميكروبلاستيك وبقايا المضادات الحيوية والبكتيريا وجينات مقاومة المضادات في المخلفات الحيوانية قد يخلق بيئة تساعد على تجمع هذه العناصر وانتشار مقاومة المضادات الحيوية في البيئة.
الدراسة، التي أعدها باحثون من معهد البيئة والتنمية المستدامة في الزراعة التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية، راجعت نتائج أبحاث منشورة منذ عام 2010، وركزت على التداخل بين ثلاثة ملوثات في بيئات تربية الماشية والدواجن: الميكروبلاستيك، والمضادات الحيوية، وجينات مقاومة المضادات الحيوية.
لكن الباحثين يضعون قيدًا مهمًا على هذه النتائج: الأدلة المباشرة التي تثبت أن وجود الملوثات الثلاثة معًا يؤدي إلى تأثير أكبر من تأثير كل ملوث منفردًا أو في أزواج، لا تزال محدودة. ولذلك فالدراسة تقدم آلية محتملة ومدعومة بنتائج سابقة أكثر مما تقدم إثباتًا ميدانيًا نهائيًا.
المضادات الحيوية لا تختفي داخل جسم الحيوان
تُستخدم كميات كبيرة من المضادات الحيوية في تربية الحيوانات، ولا يمتص الحيوان الجرعة كاملة؛ إذ يمكن أن تخرج نسبة تتراوح بين 17% و80% مع البول والبراز، ما يسمح بوصول بقايا الأدوية إلى روث الحيوانات.
وتظهر مجموعات من المضادات مثل التتراسيكلينات والسلفوناميدات والماكروليدات بصورة متكررة في المخلفات الحيوانية.
وتكمن المشكلة في أن بقايا المضادات الحيوية لا تحتاج إلى الوصول إلى تركيزات مرتفعة بما يكفي لقتل البكتيريا حتى تصبح ذات أهمية بيئية.
فحتى التركيزات المنخفضة التي لا توقف نمو البكتيريا بالكامل يمكن أن تفرض ضغطًا انتقائيًا يمنح البكتيريا المقاومة فرصة أفضل للبقاء والتكاثر.
وعندما يُستخدم الروث في تسميد الحقول، يمكن أن تنتقل معه بقايا المضادات وجينات المقاومة إلى التربة.
وتشير الدراسات التي استعرضتها المراجعة إلى أن إضافة الروث إلى الأراضي الزراعية ارتبطت في إحدى الدراسات بارتفاع جينات مقاومة المضادات الحيوية في التربة القريبة بمقدار يتراوح بين 11 و36 ضعفًا.
أين يدخل الميكروبلاستيك في القصة؟
هنا تظهر الحلقة الثالثة في المشكلة.
الميكروبلاستيك هو جزيئات بلاستيكية يقل حجمها عن 5 مليمترات، ويمكن أن تصل إلى بيئات تربية الحيوانات من مصادر مختلفة، بما في ذلك الأعلاف والمياه والمعدات والمواد البلاستيكية المستخدمة داخل الحظائر.
وأشارت إحدى الدراسات التي استعرضتها المراجعة إلى وجود نحو 1250 قطعة بلاستيكية لكل كيلوجرام من روث الخنازير، ونحو 1890 قطعة لكل كيلوجرام من روث الأبقار.
لكن أهمية هذه الجزيئات لا ترتبط بوجودها في الروث فقط.
فأسطح الميكروبلاستيك يمكن أن تعمل كأماكن تتجمع عليها بعض الملوثات، كما تستطيع البكتيريا الاستقرار عليها وتكوين أغشية حيوية تعرف باسم Biofilms.
وبذلك يمكن أن تصبح قطعة البلاستيك الصغيرة بمثابة سطح يجتمع عليه أكثر من عنصر في وقت واحد.
البلاستيك القديم قد يكون أكثر قدرة على حمل المضادات
تختلف قدرة أنواع البلاستيك على جذب المضادات الحيوية إلى أسطحها، كما تتغير هذه القدرة مع تعرض البلاستيك للعوامل البيئية والشيخوخة.
وتشير المراجعة إلى أن البلاستيك المتقدم في العمر يمكن أن يكتسب مجموعات كيميائية جديدة على سطحه، ما يزيد قدرته على الارتباط ببعض المضادات الحيوية.
وفي الدراسات التي استعرضها الباحثون، حملت جزيئات البلاستيك المتقادمة كميات من المضاد الحيوي سيبروفلوكساسين تراوحت بين 3.9 و48.5 ضعفًا مقارنة ببعض الجزيئات الأقل تعرضًا للتجوية، بحسب ظروف التجربة.
وهذا يعني أن الميكروبلاستيك لا يتصرف دائمًا كجسم خامل يمر عبر البيئة؛ بل يمكن أن تتغير خصائصه مع الزمن، وقد يصبح أكثر قدرة على حمل بعض الملوثات.
«مدينة» بكتيرية فوق قطعة بلاستيك
عندما تستقر البكتيريا على سطح الميكروبلاستيك، فإنها يمكن أن تكوّن غشاءً حيويًا كثيفًا.
وتصبح هذه الطبقة بيئة يزداد فيها تقارب الخلايا البكتيرية، وهو أمر مهم لأن البكتيريا قادرة على تبادل بعض الجينات فيما بينها من خلال عملية تعرف باسم النقل الجيني الأفقي.
وتشمل الجينات التي يمكن أن تنتقل بهذه الطريقة جينات مقاومة المضادات الحيوية.
وتشير الدراسات التي جمعتها المراجعة إلى أن بعض الأغشية الحيوية المتكونة على الميكروبلاستيك احتوت على جينات مقاومة بوفرة تقارب 7 أضعاف البيئة المحيطة في بعض الظروف.
وفي إحدى التجارب، أدى وجود أغشية حيوية على البولي إيثيلين إلى زيادة معدل انتقال أحد الجينات بين البكتيريا بنحو 19.6 ضعفًا.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج تختلف باختلاف نوع البلاستيك وحجم الجزيئات والظروف البيئية.
«حصان طروادة» ينقل التلوث من المزرعة
عندما تتجمع بقايا المضادات والبكتيريا المقاومة وجينات المقاومة على سطح الميكروبلاستيك، يمكن أن تتحول الجزيئات البلاستيكية إلى ناقل متحرك لهذه المكونات.
ويستخدم الباحثون مفهوم «حصان طروادة» لوصف هذه الآلية المحتملة: يلتصق الملوث بالقطعة البلاستيكية، ثم تتحرك القطعة مع المخلفات إلى بيئات أخرى.
وعند استخدام الروث كسماد، يمكن أن تنتقل هذه المكونات من الحظائر إلى الأراضي الزراعية، ثم تتحرك بعض الجزيئات مع مياه الأمطار أو الجريان السطحي إلى المجاري المائية أو التربة الأعمق.
وهنا يتحول التلوث البلاستيكي من مشكلة منفصلة إلى جزء من مسار يمكن أن يربط بين التلوث البلاستيكي والتلوث الدوائي وانتشار مقاومة المضادات الحيوية.
لكن هل ثبت أن الملوثات الثلاثة تعمل معًا؟
ليس بعد بصورة قاطعة.
وهذه أهم نقطة علمية في الدراسة.
فالمراجعة لم تجرِ تجربة ميدانية جديدة تضع الميكروبلاستيك والمضادات الحيوية وجينات المقاومة معًا وتقيس تأثيرها في مزرعة حقيقية.
كما أن معظم الدراسات السابقة تناولت ملوثًا واحدًا أو اثنين في وقت واحد، بينما لا تزال التجارب التي تقارن بصورة مباشرة بين التلوث المنفرد والثنائي والثلاثي قليلة.
ولهذا اختار الباحثون إجراء مراجعة سردية للأبحاث بدلًا من إجراء تحليل إحصائي تجميعي، بسبب اختلاف أنواع البلاستيك وأحجام الجزيئات ودرجة تقادمها ونوع المضاد الحيوي والظروف البيئية بين الدراسات.
كما أن نتائج الأبحاث ليست متطابقة دائمًا.
فبينما وجدت دراسات أن الميكروبلاستيك يزيد وفرة جينات مقاومة المضادات، لم تجد دراسات أخرى التأثير نفسه، خصوصًا في بعض ظروف معالجة السماد العضوي.
وبالتالي، فإن الأدق علميًا هو القول إن الميكروبلاستيك قد يوفر ظروفًا تساعد على بقاء المقاومة وانتقالها، وليس أنه ثبت أنه السبب المباشر لارتفاع مقاومة المضادات في جميع أنواع الروث والبيئات الزراعية.
معالجة الروث تواجه مشكلة جديدة
تزداد أهمية المسألة عند معالجة المخلفات الحيوانية قبل استخدامها في الزراعة.
فالطرق التقليدية قد تقلل بعض المضادات الحيوية أو جينات المقاومة، لكنها لا تزيل بالضرورة جميع الملوثات في الوقت نفسه.
وتشير المراجعة إلى أن عملية التسميد الهوائي تمكنت في إحدى الدراسات من تحلل نحو 64.7% من المضادات الحيوية، لكن بعض جينات مقاومة المضادات ظلت موجودة بكميات ملحوظة.
وفي ظروف معينة، أدى وجود الميكروبلاستيك أثناء التسميد إلى زيادة جينات المقاومة بنحو 262.3%، وزيادة أحد العناصر الجينية المرتبطة بانتقال المقاومة بين البكتيريا بنحو 747%.
وهذه الأرقام تخص تجارب محددة وليست قاعدة تنطبق على كل عمليات التسميد، لكنها توضح لماذا يرى الباحثون أن معالجة الروث تحتاج إلى النظر إلى الملوثات مجتمعة.
الحرارة العالية قد تقلل الخطر
في المقابل، تشير المراجعة إلى نتائج واعدة لبعض عمليات المعالجة الحرارية.
ففي إحدى الدراسات، أدى التسميد عند درجات حرارة فائقة الارتفاع، تحت غشاء شبه منفذ، إلى إزالة نحو 92% من جينات مقاومة المضادات و93% من العناصر الجينية المرتبطة بنقلها من روث الدجاج.
كما يمكن للهضم اللاهوائي أن يقلل وفرة بعض جينات المقاومة، إلا أن كفاءة هذه الطرق تختلف بحسب الظروف ونوع المخلفات والملوثات المستهدفة.
ولهذا لا يرى الباحثون أن هناك حلًا واحدًا قادرًا على إزالة الميكروبلاستيك والمضادات الحيوية وجينات المقاومة بالكامل.
بل يشيرون إلى الحاجة إلى دمج المعالجة الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية وفق طبيعة المخلفات ومصادر التلوث.
من المزرعة إلى التربة.. ملف واحد لمقاومة المضادات
تكشف هذه النتائج عن زاوية مهمة في ملف مقاومة المضادات الحيوية: المشكلة لا تبدأ بالضرورة داخل المستشفى أو عند تناول الدواء.
فالزراعة وتربية الحيوانات وإدارة المخلفات يمكن أن تشكل جزءًا من دورة بيئية تتحرك خلالها المضادات وبقاياها والبكتيريا المقاومة وجينات المقاومة بين الحيوانات والروث والتربة والمياه.
وإضافة الميكروبلاستيك إلى هذه المعادلة تفتح مسارًا آخر للبحث، لأن البلاستيك يمكن أن يعمل في بعض الظروف كحامل للملوثات وموطن للأغشية الحيوية في الوقت نفسه.
لكن الصورة العلمية لم تكتمل بعد.
فالدراسة المنشورة في دورية Agricultural Ecology and Environment هي مراجعة للأدلة الموجودة، وليست إثباتًا ميدانيًا بأن كل قطعة ميكروبلاستيك في روث الحيوانات ستؤدي إلى زيادة مقاومة المضادات. ويطالب الباحثون بدراسات طويلة الأمد داخل مزارع حقيقية، وبقياس ما يحدث عندما تجتمع الملوثات الثلاثة فعلًا تحت ظروف بيئية طبيعية.
وهنا تكمن أهمية البحث: المشكلة التي يجب مراقبتها لم تعد «مضادات حيوية» أو «ميكروبلاستيك» كل على حدة، وإنما ما يحدث عندما يجتمع البلاستيك والدواء والبكتيريا المقاومة في المخلفات التي تعود إلى الأرض باعتبارها سمادًا.
