طوّر فريق بحثي بقيادة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) طريقة جديدة لتحسين خرائط تيارات المحيطات اعتمادًا على بيانات محدودة تجمعها العوامات البحرية المنجرفة، بما قد يساعد على تحسين التنبؤات المناخية وتتبع حركة التلوث والاستجابة لحوادث تسرب النفط.
وتعتمد الطريقة الجديدة على دمج تقنيات التعلم الآلي مع مبادئ معروفة في فيزياء الموائع، بهدف استخراج معلومات أكثر دقة من البيانات التي توفرها العوامات، والتي تمثل جزءًا صغيرًا من حركة المحيطات واسعة النطاق.
واختبر الباحثون الطريقة باستخدام بيانات حقيقية لعوامات جرى نشرها في خليج المكسيك، إلى جانب بيانات محاكاة، وأظهرت النتائج تحسنًا في القدرة على تحديد حركة التيارات ومناطق صعود وهبوط المياه مقارنة ببعض الأساليب التقليدية.
ونُشرت الدراسة في دورية Proceedings of Machine Learning Research .
بيانات محدودة لمحيطات واسعة
تعد التيارات البحرية من أهم الآليات التي تنقل الحرارة والكربون والعناصر الغذائية والملوثات عبر المحيطات، إلا أن مراقبتها بشكل كامل تمثل تحديًا بسبب اتساع المسطحات المائية وتغير حركة المياه مكانيًا وزمنيًا.
وتعتمد إحدى أهم وسائل مراقبة التيارات السطحية على العوامات المنجرفة، وهي أجسام عائمة مزودة بمرساة مائية أو مظلة تثبت على عمق يقارب 15 مترًا تحت سطح البحر، بحيث تتحرك العوامة مع المياه بدلًا من تأثرها بصورة أساسية بحركة الرياح.
وتحدد الأقمار الصناعية مواقع العوامات بصورة دورية، ومن خلال تغير مواقعها بمرور الوقت يمكن للعلماء حساب سرعة واتجاه التيارات، ثم استخدام هذه البيانات لإعادة بناء صورة أوسع لحركة المياه.
وتشير بيانات برنامج العوامات العالمي التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA) إلى نشر أكثر من 25 ألف عوامة منذ عام 1979، مع استمرار أكثر من 1400 عوامة في إرسال البيانات في أي وقت.
كارثة «ديب ووتر هورايزن» وفرت اختبارًا حقيقيًا
استند الفريق في اختبار طريقته إلى بيانات من خليج المكسيك، الذي يمتلك سجلًا مهمًا لمراقبة حركة التيارات البحرية منذ حادثة انفجار منصة «ديب ووتر هورايزن» عام 2010 وتسرب النفط على نطاق واسع.
ونشرت NOAA عشرات العوامات في أزواج عبر الخليج لتتبع حركة المياه والمساعدة في تحديد المسار المحتمل للنفط المتسرب.
وأسهمت البيانات في رصد خصائص مهمة، من بينها التيار الحلقي القوي، لكنها كشفت في الوقت نفسه محدودية الاعتماد على عدد محدود من العوامات في منطقة بحرية واسعة ومعقدة الحركة.
ومن هنا ركز البحث على كيفية سد الفجوات بين مسارات العوامات للوصول إلى خريطة أكثر دقة للتيارات.
مشكلة في النماذج التقليدية
استخدم الباحثون لسنوات نماذج تعلم آلي تعرف باسم «العمليات الغاوسية» (Gaussian Processes) لتقدير حركة المياه في المناطق التي لا تتوافر فيها قياسات مباشرة.
لكن هذه النماذج تعتمد على افتراضات لا تتطابق بصورة كاملة مع طبيعة حركة الموائع في المحيطات، إذ تتعامل مع مكونات التيار التي تتحرك شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا كما لو كانت مستقلة عن بعضها.
ويرى الباحثون أن هذا الافتراض يمكن أن يؤدي إلى ظهور أنماط أو إشارات غير موجودة فعليًا في حركة المياه.
إدخال الفيزياء إلى التعلم الآلي
لذلك أعاد فريق MIT بناء النموذج اعتمادًا على مبدأ معروف في ديناميكا الموائع يسمى «تحليل هلمهولتز» (Helmholtz decomposition)، والذي يسمح بتقسيم حركة التيار إلى مكونين رئيسيين.
يمثل المكون الأول الحركة الدورانية أو الالتفافية للمياه، بينما يمثل الثاني حركة المياه إلى أعلى أو إلى أسفل.
وبإدخال هذه المعرفة الفيزيائية في النموذج، أصبح بإمكان خوارزمية التعلم الآلي التركيز على الجوانب التي تحتاج إلى استنتاج من البيانات بدلًا من إعادة تعلم خصائص فيزيائية معروفة مسبقًا.
وقالت تامارا برودريك، الأستاذة المشاركة في علوم الكمبيوتر في MIT والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن تزويد النموذج بجزء من المعلومات المعروفة فيزيائيًا يساعده على التركيز على العناصر التي تحتاج إلى التعلم من البيانات.
ورغم أن النموذج الجديد يحتاج إلى قدر إضافي من القدرة الحاسوبية، فإن الباحثين وجدوا أن الزيادة محدودة مقارنة بتحسن الدقة.
تقليل الإشارات الوهمية
عند اختبار النموذج باستخدام بيانات محاكاة وبيانات حقيقية من خليج المكسيك، تفوق الأسلوب الجديد على نموذج العمليات الغاوسية وشبكة عصبية في التنبؤ بالتيارات وتحديد مناطق تباعد المياه.
وفي إحدى الحالات، أدى وجود دوامة مائية بالقرب من تيار إلى دفع الأساليب الأقدم إلى تحديد منطقة تباعد غير موجودة فعليًا، بينما تمكن النموذج المعتمد على الفيزياء من تجنب هذه الإشارة الخاطئة.
وتكتسب هذه الدقة أهمية عملية في تطبيقات مثل تتبع بقع النفط، إذ يمكن أن تؤدي التقديرات غير الدقيقة إلى توجيه عمليات الاستجابة إلى مناطق غير صحيحة.
من النفط إلى المناخ
لا تقتصر أهمية خرائط التيارات الأكثر دقة على حوادث التسرب النفطي، إذ يمكن استخدامها لتحسين تتبع حركة البلاستيك والملوثات والعناصر الغذائية والكربون داخل المحيطات.
كما يمكن أن تساعد البيانات الأكثر دقة في تطوير نماذج الطقس والمناخ وفهم الطريقة التي يستجيب بها المحيط لارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية.
وتنقل التيارات البحرية كميات هائلة من الحرارة حول الكوكب؛ فعلى سبيل المثال، يحمل تيار الخليج كمية من المياه تعادل نحو 150 ضعف تدفق نهر الأمازون، ويسهم في نقل الحرارة باتجاه أوروبا.
ويشير الباحثون إلى أن تحسين القدرة على تحديد حركة التيارات من بيانات محدودة يكتسب أهمية مع استمرار دراسة التغيرات التي تطرأ على أنظمة دوران المحيطات، ولا سيما في المحيط الأطلسي.
الخطوة التالية: تتبع التيارات عبر الزمن
يركز النموذج الحالي على وصف حركة التيارات في لقطة زمنية واحدة، لكن الباحثين يخططون لإضافة البعد الزمني إلى النموذج حتى يتمكن من التعامل مع التغيرات التي تحدث في التيارات عبر الفصول والمراحل الزمنية المختلفة.
كما يسعى الفريق إلى تحسين قدرة النموذج على التعامل مع الضوضاء الموجودة في بيانات العوامات، بما في ذلك التأثيرات التي تسببها الرياح على حركة العوامة.
وتعاون في الدراسة باحثون من جامعة ميامي وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس وجامعة كولومبيا، وعُرضت النتائج في المؤتمر الدولي للتعلم الآلي.
ويشير البحث إلى أن تحسين مراقبة المحيطات لا يعتمد بالضرورة على تطوير أجهزة جديدة، بل يمكن أيضًا تحقيق تقدم كبير من خلال تطوير طرق أكثر دقة لتحليل البيانات التي تجمعها شبكة العوامات الموجودة بالفعل.
