لطالما كان الرابط بين تلوث الهواء وأمراض القلب لغزًا جزئيًا: تدخل الجسيمات الملوثة إلى الرئتين، لكن آثارها يمكن أن تظهر في القلب والشرايين.
والآن، تشير دراسة جديدة من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس إلى احتمال وجود حلقة وسيطة غير متوقعة في هذه السلسلة: الأمعاء وميكروباتها.
وأظهرت التجارب على الفئران أن التعرض لجسيمات فائقة الدقة من تلوث الهواء لمدة 10 أسابيع ارتبط بتغيرات في مجتمع الميكروبات داخل الأمعاء، إلى جانب تغيرات في نواتج هذه الميكروبات، وارتفاع الإجهاد التأكسدي في الكبد، وتفاقم ترسبات اللويحات داخل الشرايين.
ولا تثبت هذه النتائج أن المسار نفسه يحدث لدى البشر، لكنها تقدم دليلًا تجريبيًا على آلية محتملة تربط استنشاق تلوث الهواء بتضرر الجهاز القلبي الوعائي عبر محور الأمعاء–القلب.
ونُشرت الدراسة في دورية Environment International.
من الرئة إلى الأوعية.. أين تدخل الأمعاء؟
كان معظم الاهتمام العلمي بأضرار تلوث الهواء يتركز لفترة طويلة على الرئتين، ثم على الآثار التي يمكن أن تظهر في القلب والأوعية الدموية.
لكن فهم العلماء لدور ميكروبات الأمعاء تغير بصورة كبيرة خلال العقد ونصف العقد الماضيين، بعدما بدأت الدراسات تكشف أن البكتيريا الموجودة داخل الجهاز الهضمي لا تقتصر وظيفتها على المساعدة في هضم الطعام، بل تنتج أيضًا جزيئات يمكن أن تؤثر في عمليات التمثيل الغذائي والالتهاب ووظائف الأوعية الدموية.
ومن هنا ظهر مفهوم «محور الأمعاء–القلب»، الذي يدرس التفاعلات بين الميكروبيوم وصحة القلب والأوعية.
وفي عام 2011 تقريبًا، ساعدت أبحاث بقيادة ستانلي هازن في كليفلاند كلينك على ترسيخ الاهتمام بهذا المجال، بعدما ربطت مستقلبًا تنتجه بعض بكتيريا الأمعاء، هو TMAO، بمخاطر القلب والأوعية.
ومنذ ذلك الحين اتسع نطاق الأبحاث التي تبحث في علاقة ميكروبات الأمعاء بأمراض القلب وفشل القلب واضطرابات التمثيل الغذائي وغيرها من الحالات.
الدراسة الجديدة تضيف سؤالًا آخر: هل يمكن أن يكون تلوث الهواء أحد العوامل التي تعيد تشكيل هذه المنظومة، بما ينعكس في النهاية على الشرايين؟
ماذا حدث للفئران بعد استنشاق التلوث؟
عرّض فريق البحث فئران التجارب إلى جسيمات فائقة الدقة، بينما تعرضت مجموعة أخرى لهواء نظيف تمت تصفيته.
واستمر التعرض لمدة 10 أسابيع، بواقع 6 ساعات يوميًا و3 أيام أسبوعيًا.
وفي نهاية التجربة، رصد الباحثون اختلافات في مجتمع الميكروبات الموجود في الأعور، وهو الجزء الأول من الأمعاء الغليظة.
كما وجدوا تغيرًا في البراز، تمثل في ارتفاع مستويات الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، وهي مركبات تنتجها بكتيريا الأمعاء أثناء تخمير الألياف الغذائية.
ولم تتوقف التغيرات عند الأمعاء.
فالفئران التي تعرضت للتلوث أظهرت أيضًا زيادة في الإجهاد التأكسدي داخل الكبد، وتفاقمًا في اللويحات المتراكمة داخل الشرايين.
وقاد الدراسة خيسوس أراوخو، الطبيب والعالم الحاصل على دكتوراه، ومدير قسم طب القلب البيئي في كلية ديفيد غيفن للطب بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس.
الأمعاء لم تبدُ ملتهبة.. وهذه إحدى أكثر النتائج إثارة
من بين التفاصيل اللافتة في التجربة أن الباحثين لم يرصدوا التهابًا واضحًا في الأمعاء، رغم ظهور تغيرات في الميكروبيوم وتزامنها مع مؤشرات أخرى للضرر.
وهذا يعني أن التغيرات المرتبطة بالتعرض للتلوث قد لا تظهر بالضرورة في صورة أعراض هضمية واضحة.
فميكروبات الأمعاء قادرة على إنتاج جزيئات تدخل في عمليات التفاعل بين الجهاز الهضمي والدورة الدموية، ما يفتح الباب أمام مسارات تأثير يمكن أن تحدث دون أن يشعر الإنسان مباشرة بوجود مشكلة في الأمعاء.
ولهذا يرى الباحثون أن بعض آثار تلوث الهواء قد تكون صامتة، إذ يمكن أن تبدأ سلسلة من التغيرات البيولوجية قبل ظهور أعراض واضحة.
لكن هذه الفكرة لا تزال بحاجة إلى اختبار مباشر في البشر، ولا تسمح تجربة الفئران وحدها بإثبات أن تغير الميكروبيوم هو السبب المباشر لتفاقم أمراض الشرايين لدى الإنسان.
لماذا تهم هذه الآلية؟
تكمن أهمية البحث في أنه لا يكتفي بالإجابة عن سؤال: هل تلوث الهواء ضار بالقلب؟
بل يحاول الاقتراب من سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن للجسيمات التي يستنشقها الإنسان أن تسهم في حدوث تغيرات داخل الأوعية الدموية؟
ويعد فهم الآلية خطوة مهمة، لأن تحديد المسار البيولوجي المحتمل قد يساعد العلماء مستقبلًا في البحث عن نقاط يمكن التدخل عندها لتقليل الضرر.
وهنا يأتي دور ميكروبات الأمعاء.
فالميكروبيوم يتأثر بعوامل متعددة، بينها الغذاء وبعض الأدوية والبيئة، ما يجعله هدفًا بحثيًا محتملًا لفهم كيفية انتقال آثار التعرض البيئي إلى أعضاء أخرى من الجسم.
لكن تحويل هذا الاحتمال إلى علاج أو استراتيجية وقائية للبشر يتطلب أدلة إضافية.
تلوث الهواء.. مشكلة قلبية أيضًا
تأتي أهمية هذه النتائج في ظل الحجم الكبير لعبء تلوث الهواء على الصحة العالمية.
وتقدر منظمة الصحة العالمية أن تلوث الهواء الخارجي تسبب في نحو 4.2 مليون وفاة مبكرة عام 2019، مع نسبة كبيرة من هذه الوفيات مرتبطة بأمراض القلب والسكتة الدماغية.
وهذا يفسر لماذا يبحث العلماء بشكل متزايد عن الآليات التي تجعل التعرض المزمن للجسيمات الملوثة عاملًا مؤثرًا في صحة القلب والأوعية.
فالجسيمات الدقيقة يمكن أن تصل إلى أعماق الجهاز التنفسي، وبعض المكونات أو الإشارات الناتجة عن التعرض يمكن أن ترتبط باستجابات جهازية تتجاوز الرئتين.
والدراسة الجديدة تقترح أن الأمعاء والميكروبيوم قد يكونان جزءًا من هذه الشبكة البيولوجية المعقدة.
لا يزال هناك فارق مهم: الفئران ليست البشر
رغم أهمية النتائج، فإن هناك حدًا رئيسيًا يجب عدم تجاهله.
فالتجربة أجريت على فئران مهيأة وراثيًا لتكوين اللويحات الشريانية بسهولة، ولذلك لا يمكن اعتبارها دليلًا مباشرًا على أن التعرض نفسه يؤدي إلى السلسلة ذاتها لدى البشر.
كما أن التجربة لا تثبت بصورة نهائية أن تغير الميكروبيوم هو العامل الذي تسبب في زيادة اللويحات؛ فقد تكون هناك مسارات بيولوجية أخرى تعمل بالتوازي.
لذلك فإن النتيجة الأدق حاليًا هي أن الباحثين حددوا آلية محتملة تستحق مزيدًا من الدراسة، وليس أنهم أثبتوا مسارًا سببيًا مكتملًا لدى الإنسان.
هل يمكن أن تصبح ميكروبات الأمعاء هدفًا للوقاية؟
يركز العمل المستقبلي على سؤال أكثر عملية: إذا أمكن تغيير تكوين ميكروبات الأمعاء أو التأثير في المركبات التي تنتجها، فهل يمكن تقليل الأثر الذي يتركه تلوث الهواء على الشرايين؟
هذا السؤال لا يزال مفتوحًا.
وإذا أكدت دراسات لاحقة، خصوصًا الدراسات البشرية، وجود هذا المسار السببي، فقد يفتح ذلك مجالًا جديدًا لفهم العلاقة بين التلوث والميكروبيوم وأمراض القلب.
لكن حتى ذلك الحين، تظل الرسالة الأوضح من البحث هي أن أضرار تلوث الهواء لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مشكلة رئوية فقط.
فالهواء الذي يدخل إلى الرئتين قد تكون له آثار أوسع بكثير على الجسم، بينما تكشف دراسة الفئران الجديدة احتمال وجود حلقة خفية تربط الرئة بالأمعاء ثم بالقلب والشرايين.
