الفقراء يدفعون الثمن الأكبر لتلوث الهواء رغم انخفاض معدلاته

تحسن متوسط جودة الهواء يخفي أزمة صحية متفاقمة في المجتمعات الفقيرة

كشفت دراسة علمية دولية أن التحسن الملحوظ في جودة الهواء خلال العقدين الماضيين لم ينعكس بالتساوي على جميع سكان العالم، إذ تواصلت فجوة الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء في الاتساع، مع تحمل المجتمعات منخفضة الدخل النصيب الأكبر من الأعباء الصحية.

وقاد الدراسة تشين يانج شو من Sun Yat-sen University، حيث سعى فريقه إلى الإجابة عن سؤال غالبًا ما تتجاهله تقارير جودة الهواء: هل استفاد جميع السكان من تحسن نوعية الهواء بالقدر نفسه؟

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Communications Earth & Environment العلمية.

واعتمد الباحثون على بيانات الأقمار الصناعية الخاصة بالجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء (PM2.5) في جميع المناطق المأهولة بالسكان حول العالم خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2019، وربطوها ببيانات الدخل والوفيات على المستوى المحلي.

تلوث الهواء

وتُعد هذه الجسيمات من أخطر ملوثات الهواء، نظرًا لقدرتها على اختراق الجهاز التنفسي والوصول إلى أعماق الرئتين، ما يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية وسرطان الرئة والتهابات الجهاز التنفسي.

وأظهرت الدراسة أن التعرض طويل الأمد لهذه الجسيمات ارتبط بمتوسط يقارب أربعة ملايين حالة وفاة مبكرة سنويًا حول العالم.

ورغم انخفاض متوسط مستويات التلوث خلال الفترة المدروسة، كشفت النتائج عن ظاهرة أطلق عليها الباحثون اسم “الاستقطاب البيئي”، حيث ازداد عدد الأشخاص الذين يعيشون في المناطق ذات الهواء الأنظف، وفي الوقت نفسه ارتفع عدد السكان الذين يعيشون في المناطق الأكثر تلوثًا.

وبينما تقلصت المناطق ذات المستويات المتوسطة من التلوث، تزايدت الفجوة بين المناطق النظيفة جدًا والمناطق شديدة التلوث، ما أدى إلى اتساع التفاوت في المخاطر الصحية المرتبطة بجودة الهواء.

تلوث الهواء

وفيات تلوث الهواء أكثر تركزًا في مناطق محددة

كما أظهرت الدراسة، أن معدلات الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء أصبحت أكثر تركزًا في مناطق محددة، إذ يعيش عدد متزايد من السكان في مناطق تسجل أكثر من 160 وفاة لكل 100 ألف نسمة بسبب التلوث، بينما يتمتع آخرون بمعدلات لا تتجاوز 20 وفاة لكل 100 ألف نسمة.

وأكد الباحثون أن المكان الذي يعيش فيه الفرد أصبح عاملًا حاسمًا في تحديد حجم المخاطر الصحية التي يتعرض لها نتيجة تلوث الهواء.

وعند مقارنة مستويات الدخل بمعدلات الوفيات، تبين أن أفقر 10% من سكان العالم يتحملون نحو 20% من إجمالي الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء، في حين لا تتجاوز مساهمة أغنى 10% نحو 1% فقط من هذه الوفيات.

تلوث الهواء

ويعني ذلك وجود فجوة تقارب 18 ضعفًا بين الشرائح الأكثر فقرًا والأكثر ثراءً، وهي من أكبر الفوارق التي جرى توثيقها عالميًا في هذا المجال.

وأطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم “تأثير تركّز العبء على الفقراء”، مشيرين إلى أنها ظهرت بصورة متكررة في 181 دولة شملتها الدراسة، وكذلك في أكثر من 1800 وحدة إدارية وإقليمية حول العالم.

ومن النتائج اللافتة، أن التفاوت لم يتراجع حتى في الدول المتقدمة التي حققت نجاحات كبيرة في تحسين جودة الهواء.
فقد ارتفعت مستويات عدم المساواة المرتبطة بتلوث الهواء داخل المناطق المتقدمة بنحو 44% خلال العقدين الماضيين، إذ تركزت فوائد الهواء الأنظف في المجتمعات الأكثر ثراءً، بينما استمرت المجتمعات الأقل دخلًا في التعرض لمستويات أعلى من المخاطر الصحية.

ويرى الباحثون، أن أحد أسباب هذه الظاهرة يعود إلى أن المناطق الثرية وصلت بالفعل إلى مستويات منخفضة جدًا من التلوث، ما قلل من المخاطر الصحية فيها إلى الحد الأدنى، بينما بقيت المناطق الأفقر فوق الحدود التي تستمر عندها الآثار الصحية السلبية للتلوث.

تلوث الهواء

اختلاف أنماط الأمراض المرتبطة بالتلوث

كما أظهرت الدراسة اختلاف أنماط الأمراض المرتبطة بالتلوث بين المناطق المختلفة من العالم.

ففي أمريكا الشمالية وأوروبا، شكلت أمراض القلب السبب الرئيسي للوفيات المرتبطة بتلوث الهواء، بينما لعبت التهابات الجهاز التنفسي دورًا أكبر في العديد من الدول الأفريقية نتيجة ضعف الخدمات الصحية وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض.

أما آسيا، فسجلت أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بالسكتات الدماغية الناتجة عن التعرض لتلوث الهواء، بمستويات تفوق المتوسط العالمي بنحو الضعف.

وفي منطقة المحيط الهادئ، رصد الباحثون ارتفاعًا حادًا في الوفيات خلال الفترة 2019-2020، وهو ما ارتبط بآثار حرائق الغابات الضخمة التي شهدتها أستراليا خلال تلك الفترة.

كما أعد الفريق البحثي نماذج مستقبلية لاستشراف أوضاع تلوث الهواء حتى عام 2100، استنادًا إلى سيناريوهات مختلفة للتنمية الاقتصادية وسياسات خفض الانبعاثات.

وأظهرت النتائج، أن التعاون الدولي وتبني سياسات قوية للحد من الانبعاثات يمكن أن يخفض الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء إلى جزء بسيط من مستوياتها الحالية بحلول نهاية القرن.

تلوث الهواء

الفارق بين أفضل السيناريوهات وأسوأها

في المقابل، فإن استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري وتصاعد التنافس الدولي قد يؤدي إلى ارتفاع أعداد الوفيات واستمرار الأزمة الصحية لعقود طويلة.

وتشير التقديرات إلى أن الفارق بين أفضل السيناريوهات وأسوأها قد يصل إلى نحو 7.6 مليون وفاة إضافية سنويًا بحلول عام 2100.

وخلصت الدراسة إلى أن نجاح الدول في خفض متوسط مستويات تلوث الهواء لا يكفي وحده لتحقيق العدالة الصحية، إذ يتطلب الأمر التركيز على المناطق الأكثر تضررًا، وخاصة المجتمعات منخفضة الدخل، وتوجيه الاستثمارات الصحية والبيئية إليها بصورة أكثر فاعلية.

وأكد الباحثون أن قياس عدم المساواة في التعرض للتلوث يجب أن يصبح هدفًا رئيسيًا إلى جانب خفض مستويات التلوث نفسها، لضمان توزيع فوائد الهواء النظيف بصورة أكثر عدالة بين جميع فئات المجتمع.

Exit mobile version