خطر خفي بلا أعراض.. تلوث الهواء يضر الأمعاء والقلب في وقت واحد
باحثو UCLA يكشفون مسارًا جديدًا لضرر تلوث الهواء على صحة الإنسان
من المعروف على نطاق واسع أن استنشاق الهواء الملوث يحمل مخاطر صحية جسيمة، لكن دراسة علمية حديثة كشفت تفاصيل أكثر دقة، مشيرة إلى أن تلوث الهواء قد يضر الأمعاء والقلب في الوقت نفسه، عبر مسار بيولوجي غير متوقع يبدأ من الجهاز التنفسي وينتهي داخل الشرايين.
وتمكّن علماء من تتبع مصدر تراكم اللويحات الشريانية من خلال مسار يبدأ في الرئتين، مرورًا ببكتيريا الأمعاء، وصولًا إلى القلب.
وأُجريت الدراسة المنشورة في دورية Environment International، في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس (UCLA)، بقيادة الطبيب والباحث خيسوس أ. أراوخو، المتخصص في طب القلب البيئي والوقاية من أمراض القلب.
تلوث الهواء وبكتيريا الأمعاء
تعمل طبقة المخاط في الشعب الهوائية على احتجاز الجزيئات الدقيقة والملوثات الموجودة في الهواء، ثم تقوم الرئتان بدفع هذه الجزيئات إلى أعلى باتجاه الحلق. وعند البلع، تنتقل هذه المواد إلى الجهاز الهضمي، حيث تصل إلى بطانة الأمعاء.
وبسبب صِغر حجم الجسيمات فائقة الدقة، يتمكّن بعضها من العبور عبر جدار الأمعاء إلى مجرى الدم، ثم الانتقال إلى القلب وبقية الأوعية الدموية.
وفي تجربة على الفئران، قارن الباحثون بين مجموعتين: إحداهما تعرضت لهواء ملوث، والأخرى لهواء مُنقّى، لمدة 10 أسابيع، بواقع 6 ساعات يوميًا، و3 أيام أسبوعيًا. وخلال التجربة، جرى تحليل عينات من الأمعاء.
وأظهرت النتائج أن الهواء الملوث غيّر تركيبة الميكروبات في الأعور، وهو الجزء الأول من الأمعاء الغليظة، بينما لم تتأثر الأمعاء الدقيقة، ونظرًا لدور هذا الجزء في عمليات التخمر، فإن أي تغيير فيه قد يعيد تشكيل التفاعلات الكيميائية البكتيرية قبل وصولها إلى الكبد والأوعية الدموية.

ليس ميكروبًا واحدًا
ووفقًا لمراجعة علمية، تقوم بكتيريا الأمعاء بتحويل الطعام إلى مركبات كيميائية يمكن أن تؤثر في أعضاء أخرى من الجسم، ولم تُحمّل الدراسة مسؤولية الضرر لنوع واحد من البكتيريا، بل ركزت على التغيرات الجماعية في المجتمع الميكروبي.
كما كشفت اختبارات البراز عن ارتفاع مستويات الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، وهي نواتج ثانوية تنتجها البكتيريا عند تخمير الألياف الغذائية.
ويرجح الباحثون أن التأثير المشترك لهذه المركبات الكيميائية يفوق تأثير أي ميكروب منفرد، رغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات لإثبات العلاقة السببية بشكل قاطع.
إجهاد كيميائي للكبد
إلى جانب التغيرات المعوية، أظهرت الفئران المعرضة لتلوث الهواء علامات إجهاد كيميائي في الكبد بعد أسابيع من التعرض.
كما نشطت خلايا الكبد جينات وقائية استجابة للإجهاد التأكسدي، وظهرت مؤشرات على اضطراب في طيّ البروتينات، ما يعكس صعوبة الخلايا في الحفاظ على التوازن الأيضي.
ولم تُحدّد الدراسة بشكل مباشر الإشارات التي قد تنتقل من الكبد إلى الشرايين، ما يجعل هذا الرابط بحاجة إلى تأكيد علمي إضافي.

تسارع تكوّن اللويحات
رصد الباحثون تفاقم تصلب الشرايين لدى الفئران المعرضة لتلوث الهواء، وأشارت دراسات سابقة إلى أن الجسيمات الدقيقة تعزز إشارات التخثر داخل الشرايين، وهو ما قد يسرّع نمو اللويحات.
ويقول أراوخو: «لا تزال الآليات والمسارات المحددة التي يحدث من خلالها ذلك غير معروفة إلى حد كبير»، وأشار إلى أن الفئران المستخدمة في الدراسة مهيأة وراثيًا لتكوين اللويحات، ما يعني أن النتائج لا تعكس بالضرورة سرعة حدوث التأثير ذاته لدى البشر.
ضرر صامت بلا أعراض
ومن أكثر النتائج إثارة للقلق أن الأمعاء لم تُظهر علامات التهاب واضحة أثناء التعرض، ما يجعل هذا النوع من الضرر صعب الاكتشاف، فالتغيرات منخفضة الحدة قد تمر دون أعراض، بينما تسمح بتسرب مركبات ضارة إلى مجرى الدم.
ويحذر أراوخو من أن تلوث الهواء قد يدمر حياة البشر «بصمت ودون أي إنذار»، عبر تعزيز أمراض القلب وزيادة معدلات الوفاة القلبية.

الجينات تحدد درجة التأثر
ورغم تعرض الجميع لمستويات متقاربة من تلوث الهواء في المكان نفسه، فإن الاستجابة الصحية تختلف بين الأفراد، ويعتقد الباحثون أن جزءًا من هذا الاختلاف قد يرتبط بتركيبة بكتيريا الأمعاء، التي تتأثر بالعوامل الوراثية منذ المراحل المبكرة من الحياة.
ويقول أراوخو: «ليس كل من يتعرض لتلوث الهواء يتأثر صحيًا بالدرجة نفسها»، مشيرًا إلى أن ذلك يفتح الباب أمام فهم مخاطر شخصية دون تحميل الأفراد مسؤولية خطر خارج عن سيطرتهم.
خطر عالمي وحلول جماعية
وقدّرت منظمة الصحة العالمية أن تلوث الهواء الخارجي تسبب في 4.2 مليون حالة وفاة مبكرة عام 2019، 68% منها نتيجة أمراض القلب والسكتات الدماغية.
ورغم إمكانية تقليل التعرض عبر أجهزة تنقية الهواء أو ارتداء الكمامات في الأيام شديدة التلوث، فإن هذه الحلول تبقى محدودة وتعتمد على الإمكانات المادية. وتبقى السياسات العامة، مثل تحسين جودة الطاقة وتشديد الرقابة الصناعية، السبيل الأكثر فاعلية لحماية الجميع.
وخلصت الدراسة، إلى أن تلوث الهواء المستنشق يرتبط بتغيرات في بكتيريا الأمعاء، وإجهاد الكبد، وتسارع تكوّن اللويحات الشريانية لدى الفئات الأكثر عرضة، مع الدعوة لمزيد من الأبحاث لاختبار دور تعديل بكتيريا الأمعاء في الحد من أمراض القلب.





