تقنية بيئية جديدة تقضي على “المواد الكيميائية الأبدية” في المياه.. مياه خالية من الملوثات
باحثون يبتكرون مادة صديقة للبيئة تزيل الملوثات السامة من المياه خلال دقائق بدون نفايات ثانوية
طور باحثون في جامعة رايس الأمريكية، بالتعاون مع شركاء دوليين، أول تقنية صديقة للبيئة قادرة على التقاط وتدمير المواد الكيميائية السامة المعروفة باسم “المواد الأبدية” (PFAS) بسرعة كبيرة في المياه.
ونُشرت نتائج الدراسة مؤخرًا في دورية Advanced Materials، في خطوة تُعد تقدمًا مهمًا نحو مواجهة أحد أخطر التهديدات البيئية في العالم.
قاد الدراسة الباحث يونغكون تشونغ، الزميل في مرحلة ما بعد الدكتوراه تحت إشراف البروفيسور مايكل إس. وونج من كلية الهندسة والحوسبة بجامعة رايس، بالتعاون مع البروفيسور سوكتي كانغ من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا (KAIST)، والبروفيسور كيون-هام كيم من جامعة بوكينغ الوطنية في كوريا الجنوبية.
تُعد المواد الكيميائية PFAS (اختصارًا لـper- and polyfluoroalkyl substances) مركبات صناعية صُنعت لأول مرة في أربعينيات القرن الماضي، واستخدمت في منتجات متعددة مثل أواني الطهي “تيفلون”، والملابس المقاومة للماء، وتغليف الأطعمة.
ورغم أن مقاومتها للحرارة والدهون والماء جعلتها مفيدة صناعيًا، فإن هذه الخصائص نفسها تجعلها لا تتحلل بسهولة، hence earning the nickname “المواد الأبدية”.
اليوم، تنتشر هذه المواد في المياه والتربة والهواء حول العالم، وقد ربطت دراسات عديدة بينها وبين أضرار صحية خطيرة تشمل تلف الكبد، واضطرابات الإنجاب، وضعف المناعة، وبعض أنواع السرطان.
إلا أن جهود التخلص منها ما زالت تواجه صعوبات كبيرة بسبب مقاومتها الشديدة للتحلل.
قيود الطرق التقليدية
تعتمد الطرق التقليدية لتنقية المياه من PFAS عادة على الامتزاز (adsorption)، حيث تلتصق الجزيئات بأسطح مواد مثل الكربون المنشط أو راتنجات التبادل الأيوني.
وعلى الرغم من شيوع هذه الطرق، فإنها تعاني من كفاءة منخفضة وسرعة بطيئة وسعة محدودة، فضلًا عن إنتاج نفايات ثانوية تحتاج إلى التخلص منها.
وقال البروفيسور وونج: “الطرق الحالية لإزالة PFAS بطيئة وغير فعالة وتنتج نفايات إضافية، أما نهجنا الجديد فيقدم بديلًا مستدامًا وفعالًا للغاية”.

مادة واعدة بتطبيقات واقعية
تركز الابتكارات الجديدة للفريق على مادة الهيدروكسيد المزدوج الطبقي (LDH) المصنوعة من النحاس والألومنيوم، التي اكتشفها كيم أثناء دراسته العليا في KAIST عام 2021.
وخلال تجاربه، اكتشف تشونغ أن صيغة تحتوي على نترات قادرة على امتصاص PFAS بكفاءة غير مسبوقة.
وقال تشونج: “لقد أدهشني أن هذا المركب من LDH تمكن من التقاط PFAS بكفاءة تزيد 1000 مرة عن المواد الأخرى، كما أنه عمل بسرعة مذهلة، إذ أزال كميات كبيرة من هذه المواد خلال دقائق، أي أسرع بنحو 100 مرة من فلاتر الكربون التجارية”.
ويرجع أداء المادة المتميز إلى بنيتها الداخلية الفريدة، إذ تسمح طبقات النحاس والألومنيوم المنظمة مع شحنات طفيفة بعدم الاتزان بارتباط جزيئات PFAS بقوة وسرعة.
وقد أثبتت التجارب العملية فعاليتها في مياه الأنهار ومياه الصنبور ومياه الصرف الصحي، سواء في أنظمة ثابتة أو مستمرة الجريان، مما يشير إلى إمكان تطبيقها على نطاق واسع في محطات معالجة المياه والمشروعات الصناعية.

إغلاق الحلقة: الالتقاط والتدمير
لا يقتصر التحدي على إزالة PFAS من المياه، بل يشمل تدميرها بأمان أيضًا.
وبالتعاون مع البروفيسورين بيدرو ألفاريز وجيمس تور من جامعة رايس، طور تشونغ طريقة لتفكيك PFAS حراريًا بعد التقاطها على مادة LDH، إذ أظهرت النتائج أن تسخين المادة المشبعة مع كربونات الكالسيوم أدى إلى تدمير أكثر من نصف المركبات المحتجزة دون إطلاق نواتج سامة، كما أعاد تجديد المادة لتُستخدم مرات متعددة.
وأظهرت الدراسات الأولية أن المادة يمكنها إتمام ما لا يقل عن ست دورات كاملة من الالتقاط والتدمير والتجديد، لتصبح بذلك أول نظام مستدام وصديق للبيئة لإزالة PFAS .
وقال وونج في ختام الدراسة: “نحن متحمسون لإمكانات هذه التقنية الفريدة في إحداث تحول حقيقي في معالجة المياه الملوثة بـPFAS مستقبلًا، وهي ثمرة تعاون دولي مميز وإبداع باحثين شباب”.





