تغير المناخ يعيد رسم خريطة الأودية في مصر.. دراسة تحذر من مخاطر متصاعدة وتكشف أسرار السيول

دراسة مصرية تكشف لأول مرة تحرك مجاري السيول حتى 250 مترًا على ساحل البحر الأحمر

كتب مصطفى شعبان

من العين السخنة إلى رأس شقير.. خرائط جديدة تحدد أخطر مناطق التعرية والسيول

في ظل تصاعد تأثيرات التغيرات المناخية وتزايد وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة، تبرز مخاطر السيول في المناطق الجافة كأحد أكثر التحديات تعقيدًا أمام التخطيط العمراني وإدارة الموارد الطبيعية، خاصة على امتداد الساحل الغربي للبحر الأحمر في مصر، الذي يشهد تحولات جيومورفولوجية متسارعة قد تعيد رسم خريطة الأودية ومجاري السيول خلال فترات زمنية قصيرة نسبيًا.

وفي هذا السياق، تقدم دراسة علمية مصرية للباحثين في جامعة القاهرة تحليلًا غير مسبوق لحساسية تحرك مجاري السيول في مناطق سفوح الجبال بين العين السخنة ورأس شقير، كاشفة عن ديناميكيات خفية تتحكم في سلوك هذه المجاري، وعن مؤشرات خطورة قد تهدد البنية التحتية والاستثمارات المستقبلية في واحدة من أهم مناطق التنمية في مصر.

مقارنة مواقع حواف المجاري المائية بين عامي 2007 و2023،

منهجية علمية متعددة الأدوات لرصد ظاهرة معقدة

اعتمدت الدراسة التي أعدها فريق بحثي مشترك من كلية العلوم وكلية الهندسة بجامعة القاهرة على مقاربة تكاملية تجمع بين تقنيات الاستشعار عن بُعد، والتحليل المكاني عبر نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، والنمذجة الهيدرولوجية والهيدروليكية باستخدام نموذج HEC-RAS ثنائي الأبعاد، إلى جانب نماذج محاكاة نقل الرواسب، في محاولة لفهم العلاقات المتشابكة بين التدفق المائي، والطبيعة الرسوبية، والبنية الطبوغرافية للأودية.

ولم تكتفِ الدراسة التي تم نشرها في مجلة Ecological Indicators ، بالتحليل النظري، بل دعمت نتائجها بقياسات ميدانية وبيانات تصريف مائي، فضلًا عن تحليل صور أقمار صناعية عالية الدقة عبر فترات زمنية مختلفة، ما أتاح تتبع التغيرات الفعلية في مسارات المجاري، ورصد تحركاتها بدقة مكانية وزمنية عالية.

تضاريس جبلية يصل ارتفاعها إلى 2000 متر فوق مستوى سطح البحر، تتحول إلى سهل ساحلي ضيق ومنخفض ينحدر بلطف نحو البحر الأحمر

تحركات أفقية مفاجئة.. وأودية “تهاجر” تحت ضغط السيول

كشفت النتائج التي توصل لها الفريق العلمي المكون من الدكتور أحمد فودة- كلية الهندسة بجامعة القاهرة، الدكتور أحمد عبد الحليم -كلية العلوم جامعة القاهرة، الدكتور مصطفى الخضر – كلية الهندسة جامعة القاهرة، أن مجاري السيول في المنطقة المدروسة ليست ثابتة كما يُعتقد، بل تتحرك أفقيًا لمسافات تتراوح بين 50 و250 مترًا، وهي مسافات كبيرة نسبيًا في سياق الأودية الجافة، وتعكس حجم الطاقة الكامنة في أحداث السيول النادرة والعنيفة.

توزيع أقصى إجهاد قصّي لحدث الفيضان الذي يحدث مرة كل 100 عام . وكما هو الحال مع السرعة

وحسب الباحثين يرتبط هذا التحرك بشكل وثيق بمناطق إجهاد القص المرتفع، حيث تتزايد قدرة المياه على نحت ضفاف المجرى ونقل الرواسب، ما يؤدي إلى تغيير تدريجي أو مفاجئ في اتجاه المجرى. وقد سجلت الدراسة قيم إجهاد قص وصلت إلى نحو 890 نيوتن/متر مربع، وهي مستويات تعكس بيئة ديناميكية شديدة التأثير.

كما أظهرت النماذج التي كشفت عنها الدراسة، أن سرعات التدفق قد تبلغ 10 أمتار في الثانية، بينما تصل أعماق المياه إلى نحو 10 أمتار خلال أحداث مطرية نادرة (بفترة عودة تصل إلى 100 عام)، ما يضع هذه الظواهر ضمن فئة المخاطر العالية القادرة على إحداث تغييرات جذرية في شكل الأودية خلال زمن قصير.

خرائط تصنيف التربة- تحديد مناطق خطر هجرة المجاري المائية المحتملة.

التعرية ونقل الرواسب.. المحرك الخفي لتغيير المسارات

يؤكد الباحثون، أن التفاعل بين التعرية ونقل الرواسب يمثل العامل الحاسم في تحديد سلوك مجاري السيول. فكلما زادت كميات الرواسب المنقولة، زادت احتمالات إعادة تشكيل المجرى، سواء عبر تعميق القنوات أو تغيير اتجاهها.

وتُعد المناطق المنحنية في المجاري الأكثر عرضة لهذه التغيرات، حيث تتجمع قوى النحر على الضفة الخارجية للانحناء، ما يؤدي إلى تآكلها بشكل متسارع، في مقابل ترسيب الرواسب على الضفة الداخلية. وقد أظهرت النتائج أن الضفة الشرقية في معظم الحالات هي الأكثر تعرضًا للتآكل، ما يشير إلى اتجاه محتمل لتحرك المجاري نحو الشرق مستقبلًا.

أقصى أعماق المياه المحسوبة لحدث التكرار الذي يحدث كل 100 عام

خريطة مخاطر دقيقة.. أداة جديدة للتخطيط الذكي

من أبرز مخرجات الدراسة، إعداد خريطة مخاطر تفصيلية تحدد بدقة المناطق الأكثر عرضة للتعرية وتحرك المجاري، استنادًا إلى دمج عدة متغيرات رئيسية، تشمل الانحدار الطبوغرافي، وكثافة التصريف، وخصائص التربة، وإجهاد القص.

وتكمن أهمية هذه الخريطة في كونها أداة عملية يمكن استخدامها مباشرة في دعم قرارات التخطيط العمراني، خاصة في ما يتعلق بتحديد مواقع المشروعات السياحية والصناعية، ومسارات الطرق، وخطوط الأنابيب، ومحطات الطاقة.

الجرانيت الوردي والصخور البركانية المتحولة- الجبال الصلبة كجزء من سلسلة جبال البحر الأحمر

نموذج مبسط بتكلفة أقل.. ودقة تنافس النماذج المعقدة

رغم تعقيد الظاهرة المدروسة، نجحت الدراسة في تطوير نموذج مبسط لتقييم مخاطر تحرك المجاري، يعتمد على دمج عدد محدود من المتغيرات الأساسية ضمن إطار مكاني موحد، ما يتيح تقليل الوقت والتكلفة مقارنة بالنماذج الهيدروليكية التقليدية، دون التضحية بدقة النتائج.

ويمثل هذا النموذج إضافة نوعية، خاصة للدول النامية التي تعاني من نقص البيانات أو محدودية الموارد التقنية، إذ يوفر أداة فعالة لاتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية دون الحاجة إلى بنى تحتية بحثية معقدة.

ثلاثة أنواع رئيسية من التربة على ساحل البحر الأحمر وحليج السويس

فجوة بحثية تُسد لأول مرة في البيئات الجافة

تكتسب الدراسة أهمية إضافية لكونها تركز على الأودية الجافة، وهي بيئات غالبًا ما تُهمل في الأدبيات العلمية مقارنة بالأنهار الدائمة في المناطق الرطبة. وبذلك، تسهم في سد فجوة معرفية مهمة، وتفتح المجال أمام أبحاث مستقبلية لفهم أفضل لسلوك السيول في المناطق القاحلة.

التأثير البشري على مسارات الأودية في البحر الأحمر ويرجع ذلك أساسًا إلى تدابير الحماية من الفيضانات المفاجئة

تغير المناخ.. عامل مضاعف للمخاطر

تشير النتائج بوضوح إلى أن التغيرات المناخية، خاصة زيادة شدة وعدم انتظام الأمطار، تمثل عاملًا رئيسيًا في تضخيم مخاطر السيول. فالأحداث المطرية النادرة أصبحت أكثر عنفًا، ما يؤدي إلى زيادة معدلات التعرية وتسريع تحرك المجاري.

وفي هذا السياق، تحذر الدراسة من أن تجاهل هذه التغيرات في التخطيط المستقبلي قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة، خاصة في ظل التوسع العمراني والسياحي المتسارع على ساحل البحر الأحمر.

عينات من رواسب الأودية في ساحل البحر الأحمر وخليج السويس

توصيات إستراتيجية لمواجهة المخاطر

توصي الدراسة بضرورة دمج نتائجها في سياسات التخطيط العمراني وإدارة الموارد المائية، مع التأكيد على أهمية:

الأشكال الطبيعية للأودية في ساحل البحر الأحمر وخليج السويس منحنية تشكل مستويات المياه والحواجز جزرًا بدلاً من جدران مكشوفة

خلاصة المشهد

يكشف الباحثون، الدكتور أحمد فودة ود.أحمد عبد الحليم، والدكتور مصطفى الخضر في بحثهم، أن مجاري السيول في الصحراء الشرقية ليست مجرد قنوات جافة تنتظر المطر، بل أنظمة ديناميكية معقدة تعيد تشكيل نفسها باستمرار تحت تأثير عوامل طبيعية ومناخية متداخلة.

ومع تسارع التغيرات المناخية، يصبح فهم هذه الديناميكيات ليس رفاهية علمية، بل ضرورة إستراتيجية لضمان تنمية آمنة ومستدامة في واحدة من أكثر المناطق حساسية في مصر.

الدكتور مصطفى الخضر (كلية الهندسة)
د.أحمد عبد الحليم- كلية علوم جامعة القاهرة
الدكتور أحمد فودة (كلية الهندسة)،
Exit mobile version