تغيرات مناخية تهدد مستقبل طاقة الرياح في الشرق الأوسط.. رياح المستقبل
الأشجار تموت والتوربينات تتباطأ.. آثار متزامنة للتغير المناخي
تتغير أنماط الطقس في مختلف أنحاء الشرق الأوسط مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب، وتشير نتائج جديدة إلى أن هذه التحولات قد تقوض إمكانيات طاقة الرياح بطرق غير متوقعة.
ففي حين قد تشهد بعض المناطق زيادات طفيفة في سرعة الرياح السطحية، فإن العديد من مناطق الرياح النشطة قد تفقد قوتها على الارتفاعات التي تعمل عندها التوربينات، مما يؤثر سلبًا على خطط التنمية المستقبلية في مجال الطاقة المتجددة.
وقد قاد البحث كل من ميليسا لات من معهد كارلسروه للتكنولوجيا، وأساف هوشمان من الجامعة العبرية في القدس، حيث استعرض الفريق الظروف المناخية المستقبلية وتأثيرها على الرياح.
نُشرت الدراسة في مجلة “التغير المناخي”.
وكشفت النماذج المناخية عالية الدقة أن سرعة الرياح السطحية قد ترتفع بمقدار 1.6 ميل في الساعة، بينما قد تنخفض سرعة الرياح على ارتفاع حوالي 490 قدمًا – حيث تُنصب التوربينات – بمقدار يصل إلى 2.2 ميل في الساعة.

تغيرات في الارتفاع تؤثر على إنتاج الطاقة
استخدم العلماء نموذجًا إقليميًا بدقة تبلغ نحو 5 أميال لرصد تفاصيل تدفق الرياح في الصحارى والسواحل والسلاسل الجبلية. وعند مقارنة بيانات المناخ السابقة بالتوقعات حتى عام 2070، وجد الباحثون أن التغيرات في تباين درجات حرارة سطح البحر يمكن أن تعزز الرياح السطحية في بعض المناطق.
وقال الدكتور هوشمان: “هذا عنصر أساسي في مستقبل مستدام للمنطقة. فهم كيف يعيد تغير المناخ تشكيل أنماط الرياح هو مفتاح للاستثمار الذكي طويل الأجل”.
لكن النتائج أظهرت أيضًا أن التيارات الهوائية على ارتفاع التوربينات ستضعف في معظم أنحاء المنطقة، ما قد يؤدي إلى خسائر محتملة تُقدَّر بنحو 6.64 مليون وحدة حرارية بريطانية من طاقة الرياح خلال ست ساعات فقط.

تحديات تواجه محطات الطاقة البرية
نظرًا لاعتماد العديد من الخطط على محطات طاقة الرياح البرية، تثير هذه التغيرات مخاوف بشأن كفاءة استخدام طاقة الرياح من حيث التكلفة في العقود القادمة. وعلى الرغم من أن بعض المناطق، مثل أجزاء من ساحل البحر الأحمر، لا تزال تُظهر إمكانيات واعدة، فإن المناطق الداخلية قد تواجه تحديات كبيرة في الحفاظ على إنتاجيتها السابقة.
رياح أقوى على الأرض ولكن الطاقة تتراجع
في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تشكّل الحرارة الشديدة خلال النهار عبئًا على المجتمعات التي تكافح الجفاف وخسائر المحاصيل والطلب المتزايد على الطاقة للتبريد. ورغم احتمال ارتفاع سرعة الرياح السطحية بنحو 1.6 ميل في الساعة، فإن ذلك قد لا يكون كافيًا لتوفير طاقة مستقرة.
ورغم أن نسيم الظهيرة قد يمنح راحة مؤقتة من الحرارة، فإنه لا يعوّض انخفاض سرعة الرياح على ارتفاعات التوربينات.

نماذج جديدة للتنبؤ بإمكانات طاقة الرياح
تشير النماذج المناخية إلى أن أنظمة الرياح الأكبر حجمًا على ارتفاعات أعلى – التي تغذي التوربينات – قد تتلاشى في الوقت الذي تزداد فيه الحاجة إلى مصادر طاقة موثوقة.
هذا التناقض بين هبات الرياح القوية قرب سطح الأرض وضعفها على ارتفاع التوربينات، يوضح أهمية تطوير نماذج استثمارية أكثر شمولًا، تأخذ في الاعتبار الجغرافيا المحلية والأنماط الجوية المتغيرة، إضافة إلى قياسات الرياح حسب الارتفاع.
تأثيرات مناخية تطال المانجروف أيضًا
لا تقتصر تأثيرات التغير المناخي على طاقة الرياح، بل تمتد إلى النظم البيئية مثل غابات المانجروف الساحلية، التي تحمي السواحل وتخزن الكربون وتوفر موائل للحياة البحرية.
وقد كشفت دراسة دولية حديثة أن أنماط النينيو والنينيا تؤثر على أكثر من نصف غابات المانجروف في العالم، ما يشير إلى ضعف واسع النطاق في مواجهة التحولات المناخية.
وقال تشن تشانج، الباحث في كلية تولين للعلوم والهندسة: “أردنا معرفة ما إذا كانت هذه الأحداث معزولة أم جزءًا من نمط أوسع. وتؤكد نتائجنا أن ظاهرتي النينيو/النينيا لهما آثار متكررة وواسعة على نظم المانجروف البيئية حول العالم”.

حلول مستقبلية لمواجهة ضعف الرياح
في ظل هذه التحديات، قد تحتاج دول الشرق الأوسط إلى تنويع استراتيجياتها في توليد الطاقة، بما في ذلك تحسين خرائط هبات الرياح منخفضة الارتفاع واستكشاف مواقع بحرية رغم صعوبة تركيب التوربينات البحرية.
كما يمكن الجمع بين مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لضمان استمرارية الإنتاج، بحيث تعوّض الألواح الشمسية انخفاض أداء التوربينات خلال فترات الركود الهوائي، خاصة في فترات ما بعد الظهيرة الحارّة.
ويتطلب التخطيط الاستراتيجي أيضًا تركيز الاستثمارات في المناطق التي تحافظ على استقرار الرياح على الارتفاعات العليا، وهو ما قد يشمل تطوير أبراج مخصصة أو اعتماد تقنيات توربينات متقدمة.

نحو مستقبل طاقة أكثر مرونة
تشير التوقعات المتغيرة للرياح في الشرق الأوسط إلى ضرورة إعادة النظر في الافتراضات القديمة المتعلقة بالطاقة والبيئة والحياة اليومية.
وكما أظهرت دراسة جامعة تولين بشأن غابات المانجروف، فإن التغيرات الصغيرة قد تُحدث أضرارًا جسيمة عندما تقترن بارتفاع درجات الحرارة أو تغير مستويات المياه.
وسيكون تعزيز مرونة أنظمة الطاقة رهينًا بالمعرفة المحلية، والابتكار التقني، وسياسات مرنة قادرة على الاستجابة للتغيرات المناخية في الوقت الفعلي.
وتؤكد الأبحاث الجارية أن كل تغير في نمط الرياح قد يؤثر في منظومات الطاقة والمجتمعات، إلا أن التخطيط الدقيق والتكنولوجيا الحديثة قادران على تحويل هذه التحديات إلى فرص نحو مستقبل طاقة أكثر توازنًا واستدامة.





