تعرض السيدات لدخان الحرائق أثناء الحمل يتسبب في زيادة خطر التوحد ويؤثر في نمو دماغ الجنين
أحداث الدخان الشديدة خلال الحمل ترتبط بارتفاع ملحوظ في تشخيص التوحد
هل يمكن أن يضر دخان حرائق الغابات بالطفل قبل ولادته؟ تشير أدلة متزايدة إلى ذلك. فقد وجدت دراسة واسعة النطاق في ولاية كاليفورنيا ارتباطًا بين التعرض الشديد لدخان الحرائق أثناء الحمل وزيادة احتمال تشخيص اضطراب طيف التوحد لدى الأطفال.
أجرى الدراسة فريق من University of California, Los Angeles وUniversity of California, Davis، حيث حلل الباحثون أكثر من 8.6 مليون حالة ولادة في كاليفورنيا بين عامي 2001 و2019، مع الاستعانة بسجلات التشخيص حتى عام 2022.
نُشرت الدراسة في دورية Environment International.
تأثيرات محتملة على نمو دماغ الجنين
يحمل دخان حرائق الغابات جسيمات دقيقة جدًا تُعرف باسم PM2.5، يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر، ما يسمح لها بالتغلغل عميقًا في الرئتين وحتى دخول مجرى الدم.
ويختلف دخان الغابات عن ذلك الناتج عن عوادم السيارات أو المصانع؛ إذ يحتوي على نسب مرتفعة من الكربون العضوي، ومركبات عطرية متعددة الحلقات، ومواد كيميائية تفاعلية قد تسبب التهابات وإجهادًا تأكسديًا داخل الخلايا. ويعني الإجهاد التأكسدي تلف الخلايا بفعل جزيئات ضارة، بينما يؤدي الالتهاب المزمن إلى تنشيط طويل الأمد للجهاز المناعي. وقد يؤثر كلا المسارين في نمو دماغ الجنين.
وأشارت دراسات سابقة إلى أن الدخان قد يخل بوظيفة المشيمة وتوازن الهرمونات وإشارات المناعة أثناء الحمل.

أدلة من الدراسات الحيوانية
أظهرت أبحاث على قرود المكاك الريسوسي أن التعرض المبكر لدخان الحرائق قد يرتبط بفقدان الحمل، وتغيرات طويلة الأمد في هرمونات التوتر، ومشكلات في الذاكرة لدى النسل. كما بحث العلماء في تغيّرات لاجينية (إبيجينية)، وهي علامات كيميائية على الحمض النووي تتحكم في نشاط الجينات دون تغيير الشفرة الوراثية نفسها.
منهجية متقدمة لرصد التعرض
لم يعتمد الباحثون على متوسطات جودة الهواء التقليدية، بل طوروا نماذج حاسوبية متقدمة دمجت صور الأقمار الصناعية للمناطق المحترقة، وخرائط حدود الحرائق، ونماذج نقل كيميائي في الغلاف الجوي، وبيانات محطات الرصد الأرضية.
وسمح هذا النهج بالتمييز بين دخان احتراق الغابات الطبيعية ودخان حرائق المناطق الحضرية-البرية، حيث تحترق المنازل والمركبات ومواد البناء إلى جانب الأشجار، ما يضيف معادن ومواد صناعية إلى تركيبة الدخان.
شدة التعرض عامل حاسم
لم تُظهر مستويات الدخان المتوسطة أثناء الحمل ارتباطًا قويًا بالتوحد، لكن الأنماط أصبحت أوضح خلال الأحداث الشديدة. فعندما بلغت مستويات PM2.5 الناتجة عن الحرائق 35 ميكروغرامًا لكل متر مكعب أو أكثر، ارتفعت احتمالات التوحد.
وأوضحت الباحثة ريبيكا ج. شميدت أن «أشد فترات التعرض لدخان الحرائق هي التي تظهر فيها الروابط الأوضح»، مشيرة إلى أن هذه الأحداث أصبحت أكثر شيوعًا في غرب الولايات المتحدة.
وكشف تحليل النسب المئوية أن الأفراد ضمن أعلى 10% من التعرض سجلوا أكبر زيادة في الاحتمال، خصوصًا في المناطق ذات التلوث الخلفي المنخفض. ففي هذه المناطق، ارتبط التعرض المرتفع بزيادة تقارب 50% في احتمالات التوحد.

دور التلوث الخلفي والتحيز المحتمل
عند تحليل مستويات PM2.5 الأساسية، ظهر الارتباط بوضوح في المناطق الأقل تلوثًا، بينما بدا أضعف أو حتى عكسيًا في المناطق الأعلى تلوثًا. وناقش الباحثون احتمال «تحيز المواليد الأحياء»، حيث قد تنتهي بعض حالات الحمل الأكثر هشاشة قبل الولادة، ما قد يخفي التأثيرات الحقيقية.
وأكدت شميدت أن النتائج لا تثبت علاقة سببية مباشرة، بل تُظهر ارتباطًا إحصائيًا يتماشى مع أدلة سابقة حول تأثير التعرضات البيئية أثناء الحمل في نمو الدماغ.
كانت الفروق بين الجنسين محدودة، مع إشارات إلى تأثيرات أقوى قليلًا لدى الذكور خلال الأحداث الشديدة، وهو ما قد يرتبط باختلافات في استجابة الخلايا المناعية خلال مراحل النمو المبكرة.
قضية صحة عامة متنامية
يؤثر اضطراب طيف التوحد في التواصل والسلوك والمعالجة الحسية، وقد ارتفعت معدلات تشخيصه في كاليفورنيا خلال العقود الماضية. ويُرجح أن تلعب العوامل البيئية دورًا إلى جانب العوامل الوراثية.
ورغم أن الدراسة لا تثبت السبب والنتيجة، فإن قوة الارتباط خلال أيام الدخان الشديد تشير إلى أن الشدة ومصدر التلوث وتركيبته الكيميائية عوامل مهمة.
ومع تزايد وتيرة حرائق الغابات وشدتها في غرب الولايات المتحدة، تتزايد الحاجة إلى تخطيط صحي عام يشمل إدارة الغطاء النباتي، وتخطيط استخدام الأراضي، وتحسين تنقية الهواء داخل المنازل، وتوفير ملاجئ هواء نقي خلال فترات الدخان الكثيف، لحماية الحوامل ودعم النمو الصحي للأجنة.





