تضاعف ارتفاع مستوى سطح البحر على السواحل الأمريكية خلال قرن

40 سنتيمترًا في 125 عامًا.. لماذا يتسارع ارتفاع مستوى البحر في أمريكا؟

تشهد مستويات سطح البحر على طول سواحل الولايات المتحدة ارتفاعًا متسارعًا مقارنة بالماضي، وتؤكد دراسة علمية حديثة أن هذا التغير لم يعد طفيفًا أو تدريجيًا.

وكشفت دراسة نُشرت في دورية AGU Advances أن وتيرة ارتفاع مستوى سطح البحر على السواحل الأمريكية تضاعفت أكثر من مرتين خلال القرن الماضي، في نتائج تتناقض مباشرة مع تقارير حديثة زعمت عدم وجود تسارع ملحوظ.

وكان تقرير صادر عن وزارة الطاقة الأمريكية في يوليو 2025 قد أشار إلى أن بيانات مقاييس المد والجزر لا تظهر زيادة تتجاوز متوسط المعدل طويل الأمد. غير أن هذه النتيجة، وفقًا للدراسة الجديدة، لا تصمد عند تحليل البيانات المتاحة بصورة أشمل.

واعتمد عالم المحيطات الفيزيائية كريس بيتشوك من معهد وودز هول لعلوم المحيطات على منهجية أوسع، توصل من خلالها إلى نتائج مختلفة تمامًا.

كيف يُقاس ارتفاع مستوى سطح البحر؟

يستخدم العلماء مقاييس المد والجزر لرصد تغير مستوى سطح البحر على السواحل، حيث تقيس هذه الأجهزة ارتفاع المحيط مقارنة بسطح اليابسة، ويعود تاريخ بعض هذه القياسات إلى أكثر من مئة عام.

وتُعد هذه المقاييس مهمة لأنها تعكس التغيرات التي تواجهها المجتمعات الساحلية فعليًا. إلا أن الاعتماد على مواقع فردية قد يعطي صورة غير مكتملة، إذ يمكن أن تهبط الأرض أو ترتفع بسبب عوامل جيولوجية أو أنشطة بشرية.

كما تؤثر التيارات البحرية والعواصف والضغط الجوي في القراءات قصيرة الأمد، ما يجعل التركيز على عدد محدود من المواقع مضللًا في بعض الأحيان.

ولتفادي هذه الإشكالية، حلل بيتشوك بيانات 70 مقياس مد وجزر موزعة على طول السواحل المتصلة للولايات المتحدة، على أن يمتلك كل موقع سجل بيانات لا يقل عن 30 عامًا. وساعد دمج هذه السجلات في تقليل التشوهات المحلية، وكشف الاتجاه الوطني العام لارتفاع مستوى البحر.

مخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر

بيانات صادمة عن الارتفاع

تشير النتائج إلى أن معدل ارتفاع مستوى البحر على السواحل الأمريكية كان أقل من 2 ملليمتر سنويًا في عام 1900، بينما تجاوز 4 ملليمترات سنويًا بحلول عام 2024.

وخلال 125 عامًا، أدى ذلك إلى ارتفاع إجمالي يقارب 40 سنتيمترًا، أي نحو 16 بوصة، على طول السواحل الأمريكية.

وأوضح مؤلفو الدراسة أن هذه النتائج تمثل دليلًا قاطعًا على تسارع ارتفاع مستوى سطح البحر، مرجحين أن يكون تغير المناخ العامل الرئيسي وراء ذلك.

كما أظهرت الدراسة أن المعدل الحالي يفوق بكثير المتوسط التاريخي المحسوب منذ عام 1900، ما يؤكد أن الظاهرة لا تسير بوتيرة ثابتة بل تتسارع بوضوح.

لماذا أخفقت التقديرات السابقة؟

استند تقرير وزارة الطاقة الأمريكية إلى بيانات خمسة مواقع فقط، وهي مواقع تتأثر بشدة بحركات محلية في سطح الأرض، ولا تعكس السلوك الساحلي العام على نطاق واسع.

وأكد بيتشوك أن سجلات مقاييس المد والجزر الأمريكية، عند تحليلها مجتمعة، تُظهر تسارعًا واضحًا في ارتفاع مستوى سطح البحر مقارنة بالاتجاه التاريخي طويل الأمد.

وعلى النقيض، شملت الدراسة الجديدة جميع مقاييس المد والجزر النشطة التي تمتلك سجلات زمنية كافية لإجراء تحليل علمي دقيق، ما أدى إلى نتائج مختلفة جذريًا.

تضاعف معدل ارتفاع مستوى سطح البحر على السواحل الأمريكية

دور حركة اليابسة

تشهد بعض المناطق الساحلية هبوطًا تدريجيًا في سطح الأرض، وهو ما قد يجعل ارتفاع مستوى البحر يبدو أسرع في مناطق بعينها.

وركز تقرير وزارة الطاقة على مواقع مثل جراند آيل في لويزيانا وجالفستون في تكساس، وهي مناطق معروفة بتأثرها القوي بالحركات الأرضية المحلية.

وأشار بيتشوك إلى أن عمليات مثل تحرك الرواسب المرتبطة بنهر المسيسيبي، وضغط الأرض الناتج عن استخراج النفط والغاز، لعبت دورًا مهمًا في فترات سابقة، لا سيما خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

ومع ذلك، لا يمكن لهذه العوامل المحلية أن تفسر تسارع ارتفاع مستوى البحر على امتداد السواحل الأمريكية بأكملها.

تغير المناخ هو المحرك الأساسي

تعترف الدراسة بتأثير حركة اليابسة الرأسية على قياسات مستوى البحر النسبي، لكنها تشير إلى أن هذه الحركات عادة ما تكون بطيئة وثابتة، ولا تُنتج تسارعًا واسع النطاق كالذي تكشفه البيانات.

ويؤكد بيتشوك أن الاتجاه الساحلي الأمريكي يتماشى مع الأنماط العالمية الناتجة عن ارتفاع حرارة المحيطات وفقدان الجليد من الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية.

وشدد على أنه لا يمكن إنكار تسارع ارتفاع مستوى البحر بالاعتماد على خمس محطات مختارة فقط، مؤكدًا أن جميع البيانات المتاحة تشير إلى مسار متسارع بوضوح.

تضاعف معدل ارتفاع مستوى سطح البحر على السواحل الأمريكية

تداعيات متزايدة على السواحل

مع تسارع ارتفاع مستوى البحر، تبدأ الفيضانات الساحلية من مستوى أعلى من السابق، وتصل المدود العالية إلى مناطق أبعد داخل اليابسة، بينما تتسبب العواصف في أضرار أشد بالبنية التحتية.

وتتعرض الطرق للغمر بوتيرة متكررة، وتواجه المنازل أضرارًا مائية مستمرة، وتكافح الأراضي الرطبة للبقاء، في حين تتعرض مصادر المياه العذبة لخطر التملح التدريجي.

وتخلص الدراسة إلى أن المتوسطات القديمة لم تعد تعكس الواقع الحالي، وأن التخطيط المستقبلي للمناطق الساحلية يجب أن يأخذ هذا التسارع المتزايد في الحسبان.

Exit mobile version