كشف علماء أن صفائح كربونية فائقة الرقة، بسُمك ذرة واحدة تقريبًا، قادرة على “تذكّر” كيفية تدفق الكهرباء عبرها، هذه الخاصية قد تفتح الباب أمام تقنيات تقلل استهلاك الطاقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، عبر خفض حجم البيانات المتنقلة بين مكوّنات الحاسوب، وهو ما يخفف الضغط عن مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للكهرباء.
مواد قادرة على تخزين الذاكرة
أظهرت تجارب متعددة أن أغشية كربونية بسُمك ذري يمكنها التبديل مرارًا بين حالتين كهربائيتين: حالة تسمح بمرور التيار بسهولة، وأخرى تعيق تدفقه، مع الحفاظ على الاستقرار بعد كل عملية تبديل.
نُشرت الدراسة في دورية Nanoenergy Advances، وبتحليل هذه الأنماط، أشار الدكتور Gennady N Panin من Russian Academy of Sciences إلى أن هذه المادة قادرة على تخزين الذاكرة بفضل تغيرات دقيقة على المستوى الذري تثبّت الجهاز في واحدة من عدة حالات مستقرة.
إبقاء الذاكرة داخل العنصر نفسه الذي يستشعر الإشارة قد يقلص استهلاك الطاقة في رقائق الذكاء الاصطناعي، إذ يحدّ من الحاجة إلى نقل البيانات ذهابًا وإيابًا بين الذاكرة ووحدات المعالجة.
كيف تعمل «الميمريستورات»؟
يعتمد الباحثون على مكونات إلكترونية تُعرف باسم «الميمريستور»، وهي عناصر صغيرة تغيّر مقاومتها الكهربائية بحسب كمية التيار التي مرت عبرها سابقًا، ثم تحتفظ بهذه الحالة حتى في غياب الطاقة.
وقد طُرحت فكرتها نظريًا عام 1971 باعتبارها عنصرًا مفقودًا في الدوائر الكهربائية يربط بين الشحنة والجهد. وعند تصنيعها من مواد ثنائية الأبعاد ، بلورات لا يتجاوز سُمكها بضع ذرات، يمكن لهذه الأجهزة أن تعمل بجهد منخفض جدًا.
وعندما تُضبط حالتها غير المتطايرة (أي القادرة على الاحتفاظ بالمعلومات دون طاقة)، يمكنها تخزين “الأوزان” التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات.
لماذا يستهلك الذكاء الاصطناعي كهرباء بكثافة؟
تعتمد معظم الحواسيب على بنية «فون نيومان» التي تفصل بين الذاكرة ووحدة المعالجة، ما يؤدي إلى استهلاك كبير للطاقة نتيجة نقل البيانات بين الجزأين.
وتوقّع تقرير صادر عن International Energy Agency أن يقترب استهلاك مراكز البيانات عالميًا من 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030. وتشير التقديرات إلى أن نقل البيانات بين الشرائح والذاكرة قد يستهلك أكثر من 50% من إجمالي كهرباء النظام.
دمج التخزين والحوسبة داخل عنصر ثنائي الأبعاد واحد يقلل هذا التبادل المستمر للبيانات، ما يخفف الحمل الحراري ويحرر قدرًا أكبر من الكهرباء للعمليات الحسابية الفعلية.
الغرافين وتعديل التوصيل الكهربائي
يقف «الغرافين» في قلب هذا التطور، وهو طبقة كربونية بسُمك ذرة واحدة، تمتاز بسرعة حركة الإلكترونات عبر بنيتها المسطحة. وعند تطبيق جهد كهربائي، يمكن أن تعيد بعض الروابط الذرية تشكيل نفسها، ما يرفع المقاومة في مناطق محددة بطريقة يمكن التحكم بها.
كما يتيح «أكسيد الغرافين» — وهو غرافين مرتبط بمجموعات أكسجينية — إمكانية تعديل التوصيل عبر تفاعلات الأكسدة والاختزال، حيث تؤدي إضافة الأكسجين إلى زيادة المقاومة، بينما تؤدي إزالته إلى استعادة التوصيل.
وقد أظهرت الأجهزة التي استعرضها البحث قدرة على التحكم الدقيق في هذه العمليات، بما يسمح بوجود مستويات مستقرة متعددة، وليس مجرد حالتي “تشغيل” و”إيقاف”، ما يمكّن الخلية الواحدة من تخزين أكثر من قيمة ثنائية.
الضوء كوسيلة للكتابة
يمكن للضوء أيضًا أن يغيّر حالة الميمريستور، فيما يُعرف بـ«الفوتوميمريستور»، حيث تدفع طاقة الفوتونات الذرات إلى ترتيبات جديدة، فيقوم الجهاز باستشعار الضوء وتخزين نتيجته في الوقت ذاته.
تتيح هذه الخاصية تطوير أنظمة رؤية آلية أكثر دقة في ظروف إضاءة متنوعة، من الأشعة فوق البنفسجية إلى تحت الحمراء، إلا أن التصميمات المستقبلية مطالبة بمنع الإضاءة العشوائية من محو البيانات المخزنة دون قصد.
نحو حوسبة داخل المستشعر
يسمح دمج الذاكرة والمعالجة داخل المستشعر نفسه بما يُعرف بالحوسبة داخل المستشعر، ما يقلل كمية البيانات المرسلة إلى الدوائر اللاحقة.
ويخدم ذلك أنظمة الحوسبة العصبية التي تحاكي طريقة عمل الخلايا العصبية في نقل الإشارات.
ورغم أن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي سيستمر في مراكز بيانات منفصلة، فإن تقليل البيانات الخارجة من المستشعر قد يخفض استهلاك الطاقة في تطبيقات مثل السيارات ذاتية القيادة.
تحديات التصنيع والتوسع
يتطلب نشر هذه التقنية على نطاق واسع ضمان قدرتها على تحمل الحرارة والاهتزاز وسنوات من التشغيل المتكرر.
كما يحتاج التصنيع إلى أنماط دقيقة قابلة للتكرار، مع إمكانية دمجها فوق تقنيات «CMOS» التقليدية دون رفع التكاليف أو الإضرار بالمكونات.
ولا تزال سهولة برمجة مصفوفات الميمريستور تحديًا قائمًا؛ فإلى أن تصبح قابلة للاستخدام الصناعي الواسع، ستبقى هذه التقنيات في نطاق المختبرات البحثية.
