قد يبدو البحر الأبيض المتوسط بعيداً عن مناطق التسونامي الكبرى في العالم، لكن التاريخ والنماذج العلمية الحديثة يكشفان أن سواحل الريفييرا الفرنسية تواجه خطراً حقيقياً من موجات تسونامي قد تصل إلى الشاطئ خلال دقائق قليلة، وفي بعض السيناريوهات خلال أقل من 10 دقائق من وقوع الزلزال.
وتزداد خطورة هذا السيناريو بسبب أن مركز الإنذار الوطني الفرنسي من التسونامي، المعروف باسم Cenalt، مصمم لإرسال أول تنبيه إلى السلطات خلال نحو 15 دقيقة من وقوع زلزال يحتمل أن يتسبب في تسونامي.
وبذلك قد تصل بعض الموجات إلى الشاطئ قبل وصول التحذير الرسمي إلى الأشخاص الموجودين على الساحل، وهو ما دفع العلماء والسلطات المحلية في منطقة نيس إلى التركيز ليس فقط على أنظمة الإنذار، وإنما أيضاً على تحديد مسارات الإخلاء ومواقع اللجوء وتدريب السكان والسياح على كيفية التصرف خلال الدقائق الأولى من الكارثة.
احتمال موجة تتجاوز متراً في المتوسط يقترب من 100%
لطالما اعتُبر البحر المتوسط أقل ارتباطاً بخطر التسونامي مقارنة بالمحيط الهادئ والمحيط الهندي، إلا أن منظمة اليونسكو حذرت من التعامل مع المنطقة باعتبارها آمنة من هذه الظاهرة.
وفي 22 يونيو 2022، أعلنت اليونسكو أن احتمال حدوث موجة تسونامي يتجاوز ارتفاعها متراً واحداً في حوض البحر المتوسط خلال السنوات الثلاثين التالية يقترب من 100%.
ولا تعني هذه النسبة أن كارثة ستقع حتماً على الريفييرا الفرنسية أو أن تسونامي سيضرب السواحل الفرنسية في وقت محدد، وإنما تشير إلى احتمال وقوع حدث في مكان ما داخل حوض المتوسط خلال تلك الفترة.
ويمتلك البحر المتوسط بالفعل جميع المقومات الجيولوجية اللازمة لتوليد موجات تسونامي خطرة، إذ تنشط الزلازل على طول عدد من الصدوع، بما في ذلك مناطق في البحر الليغوري بالقرب من السواحل الفرنسية والإيطالية.
كما يمثل التقاء وتحرك الصفائح الإفريقية والأوراسية مصدراً آخر للزلازل القوية في جنوب المتوسط وشمال إفريقيا، بينما يمكن للانهيارات الأرضية تحت سطح البحر أن تتسبب في موجات تسونامي محلية شديدة السرعة.
التسونامي ليس بالضرورة جداراً عملاقاً من المياه
يعتقد كثيرون أن التسونامي يظهر دائماً في صورة جدار هائل من المياه يندفع باتجاه الساحل، لكن الواقع أكثر تعقيداً.
فالتسونامي يبدأ نتيجة إزاحة مفاجئة لكمية كبيرة من المياه، غالباً بسبب زلزال أو انهيار أرضي أو ثوران بركاني، ثم تنتشر الاضطرابات المائية عبر البحر قبل أن تصل إلى المناطق الساحلية.
وعند وصولها إلى الشاطئ، قد تظهر الموجة على شكل ارتفاع سريع لمنسوب البحر أو تراجع مفاجئ للمياه، يتبعه اندفاع متكرر للمياه. كما أن الموجة الأولى ليست بالضرورة الأكبر أو الأكثر تدميراً.
وقد تتراوح مستويات الغمر من بضعة سنتيمترات إلى عدة أمتار، بينما يمكن للتيارات المائية السريعة أن تولد قوى هائلة على المنشآت الساحلية.
ويشير المعهد الوطني الإيطالي للجيوفيزياء والبراكين إلى أن تسونامي بارتفاع أو سعة تبلغ نحو 50 سنتيمتراً فقط يمكن أن يكون خطراً، لأن المياه لا تتصرف في هذه الحالة كأمواج بحر عادية، وإنما قد تتحول إلى تيار مائي سريع قادر على دفع الأشخاص والمركبات والقوارب وإتلاف المنشآت.
وعلى المستوى العالمي، تسببت موجات التسونامي في وفاة أكثر من 250 ألف شخص منذ عام 1970، وكان تسونامي المحيط الهندي في 26 ديسمبر 2004، ثم كارثة 11 مارس 2011 في اليابان، من أكثر الأحداث فتكاً في التاريخ الحديث.
الريفييرا الفرنسية تعرضت للتسونامي من قبل
لا يستند التحذير الحالي إلى نماذج افتراضية فقط، إذ يمتلك البحر المتوسط سجلاً تاريخياً واسعاً لأحداث التسونامي، ويصفه الباحثون بأنه يمتلك ثاني أكبر سجل تاريخي للتسونامي بعد المحيط الهادئ.
وعلى امتداد الريفييرا الفرنسية، تم تسجيل نحو 20 حدثاً بين القرن السادس عشر وبداية القرن الحادي والعشرين، من بينها أحداث تجاوز ارتفاع الأمواج فيها مترين.
ومن أبرزها زلزال البحر الليغوري في 23 فبراير 1887، والذي تراوحت قوته التقديرية بين 6.5 و6.8 درجة.
وأدى الزلزال إلى حدوث تسونامي على طول الساحل، حيث سجلت الروايات التاريخية تراجعاً لمنسوب البحر بنحو متر واحد في أنتيب وكان، ما أدى إلى ترك بعض قوارب الصيد عالقة، قبل أن تصل أمواج اقترب ارتفاعها من مترين إلى الشواطئ.
انهيار ميناء نيس عام 1979
وفي 16 أكتوبر 1979 وقع أحد أكثر الأحداث ارتباطاً بخطر التسونامي على مدينة نيس.
فقد انهار جزء من موقع إنشاء ميناء تجاري جديد بالقرب من المطار في نيس، ما أدى إلى سقوط كتلة من التربة والمواد في البحر وتسبب في انهيار أرضي ولّد موجة تسونامي.
ووفق إعادة بناء الحدث المنشورة في دورية Natural Hazards، أسفر الحادث عن وفاة 8 أشخاص، بينما رُصدت تأثيرات الموجة في نيس وأنتيب وكان.
ووصلت المياه محلياً إلى ارتفاعات بلغت نحو 3.5 متر، كما غمرت مناطق امتدت إلى نحو 150 متراً داخل اليابسة.
وأظهرت الدراسات اللاحقة أن هذا الحدث يمثل نموذجاً بالغ الأهمية لخطر الانهيارات الأرضية الساحلية، لأنها قد تولد موجات خطرة من دون الحاجة إلى زلزال كبير يسبقها بوقت يسمح بإصدار تحذير مبكر.
زلزال الجزائر عام 2003
وفي 21 مايو 2003، أظهر زلزال بومرداس في الجزائر أن مصدر الخطر قد يكون بعيداً عن فرنسا وعلى الجانب الآخر من البحر المتوسط.
ووصلت تأثيرات الزلزال إلى الريفييرا الفرنسية بعد نحو 75 دقيقة، حيث سجل الباحثون انخفاضاً مفاجئاً في مستوى البحر تراوح بين 50 سنتيمتراً و1.5 متر، إضافة إلى انخفاض منسوب المياه في أحواض الموانئ وظهور دوامات وتيارات قوية وأضرار لحقت بالقوارب في 8 مراسٍ.
ولعب ما يعرف باسم رنين الميناء دوراً في اختلاف التأثيرات بين الموانئ، حيث يمكن لشكل الحوض البحري أن يؤدي إلى تضخيم تذبذبات المياه.
وفي 4 ديسمبر 2022، شهدت جزيرة سترومبولي الإيطالية مثالاً آخر على استمرار النشاط المرتبط بالتسونامي في المتوسط، عندما دخل تدفق من المواد البركانية الساخنة إلى البحر وتسبب في موجة تسونامي صغيرة أدت إلى تفعيل نظام التحذير في الجزيرة، من دون تسجيل أضرار.
لماذا قد يصل التسونامي قبل الإنذار؟
تمثل سرعة وصول الموجة أحد أخطر عناصر السيناريو المتوقع على الريفييرا الفرنسية.
وتعمل فرنسا منذ يوليو 2012 من خلال Cenalt، وهو المركز الوطني للتحذير من التسونامي، ضمن منظومة دولية تنسقها اليونسكو.
ويراقب المركز الزلازل التي يمكن أن تولد موجات تسونامي، ويرسل المعلومات الأولية إلى السلطات الفرنسية ومراكز الإنذار الأخرى.
لكن اكتشاف الزلزال لا يعني أن التحذير وصل بالفعل إلى الأشخاص الموجودين على الشاطئ.
وتتضمن منظومة الإنذار الفرنسية مركز إدارة الأزمات التابع لوزارة الداخلية، ثم السلطات المسؤولة عن إصدار التعليمات للجمهور، بينما يمكن استخدام نظام FR-Alert لإرسال التنبيهات مباشرة إلى الهواتف المحمولة الموجودة داخل المنطقة المهددة.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما يكون مصدر التسونامي قريباً من الساحل.
فإذا نشأت الموجة قبالة سواحل شمال إفريقيا، فقد يستغرق وصولها إلى الريفييرا أقل من 90 دقيقة، وهو وقت يسمح بهامش أكبر للتحرك.
أما إذا وقع الزلزال في البحر الليغوري بالقرب من الساحل الفرنسي أو الإيطالي، فقد يتقلص وقت الاستجابة بشدة.
وتزداد الصعوبة في حالة الانهيارات الأرضية المحلية، لأنها قد تؤدي إلى إزاحة المياه وتوليد موجات خلال فترة قصيرة للغاية، وربما من دون وقوع زلزال محسوس يسبقها.
خرائط وخوارزميات لتحديد أسرع طريق إلى الأمان
أمام هذا التحدي، بدأ الباحثون والسلطات الفرنسية في التعامل مع الإخلاء باعتباره جزءاً أساسياً من نظام الحماية، وليس مجرد خطوة لاحقة بعد إصدار التحذير.
وحددت الوكالات الحكومية الفرنسية بالتعاون مع جامعة مونبلييه منطقة ساحلية للإخلاء بالاعتماد على الارتفاع عن سطح البحر والمسافة من الساحل والبيانات التاريخية.
وتشمل المنطقة بصورة عامة الأراضي التي يقل ارتفاعها عن 5 أمتار وتقع على مسافة تصل إلى 200 متر من خط الساحل، بينما تمتد المسافة إلى نحو 500 متر من مصبات الأنهار.
وهذه الحدود تستخدم لأغراض التخطيط والإخلاء، ولا تعني أن تسونامي مستقبلياً سيبلغ ارتفاعه 5 أمتار.
وعلى امتداد الساحل الفرنسي للبحر المتوسط، بما في ذلك جزيرة كورسيكا، تشمل منطقة التخطيط نحو 1700 كيلومتر من الساحل و187 مدينة وبلدة، إضافة إلى ما لا يقل عن 164 ألف شخص.
وفي ذروة موسم الصيف، يتعين على السلطات أيضاً الاستعداد لوجود نحو 835 ألف شخص من رواد الشواطئ.
أما في منطقة نيس كوت دازور، فتزداد صعوبة الإخلاء بسبب الكثافة العمرانية والعدد الكبير من السياح.
واستخدم الباحثون الصور والنماذج الحاسوبية لتقدير أعداد الأشخاص الموجودين على الشواطئ، والتي يمكن أن تتراوح بين 10 آلاف و87 ألف شخص وفق الموسم والوقت من اليوم.
وطورت فرق من مختبر الجغرافيا وتخطيط الأراضي بجامعة مونبلييه خوارزميات لتحديد مسارات الإخلاء، مع الأخذ في الاعتبار انحدار الطرق والعوائق وسرعة المشي ومناطق الاختناق.
وبدلاً من رسم مسار مباشر نحو الداخل، تعمل النماذج على تحديد أسرع الطرق سيراً على الأقدام للوصول إلى مواقع آمنة تتجاوز نطاق وصول الأمواج، وقد جرى اعتماد هذه المواقع من السلطات المحلية.
وتضم خطط الإخلاء التشغيلية نحو 100 موقع للجوء.
نيس تحصل على اعتراف «جاهزة للتسونامي
لم يعد هذا الاستعداد مجرد خطة مستقبلية، ففي يونيو 2026، أعلنت اليونسكو حصول منطقة نيس كوت دازور على اعتراف Tsunami Ready، في إطار برنامج دولي يهدف إلى رفع جاهزية المجتمعات الساحلية لمواجهة التسونامي.
ويقيس البرنامج استعداد المجتمعات من خلال 12 مؤشراً تشمل تقييم المخاطر والتخطيط والاستجابة لحالات الطوارئ.
وتتضمن المتطلبات وجود خرائط للإخلاء، وبرامج لتوعية السكان، وخطة استجابة معتمدة، ووسائل موثوقة لاستقبال التحذيرات الرسمية ونشرها على مدار الساعة.
ويتعين تجديد الاعتراف كل أربع سنوات، وتنضم نيس بذلك إلى تجارب فرنسية سابقة، من بينها كان، التي أصبحت في يناير 2024 أول بلدية في فرنسا القارية تحصل على الاعتراف، إضافة إلى ديساي في غوادلوب التي حصلت عليه عام 2023.
وقدمت فرق بحثية من جامعة مونبلييه دعماً علمياً وتقنياً لهذه المبادرات، بما يوفر أساساً يمكن تطبيقه في مناطق ساحلية أخرى داخل فرنسا وأوروبا والأقاليم الفرنسية في الخارج.
التعليم قد يكون أهم من الإنذار
لكن امتلاك الخرائط ونظام الإنذار لا يضمن وحده نجاة الأشخاص الموجودين على الساحل.
ولهذا تتضمن خطة نيس وضع علامات واضحة لمسارات الإخلاء، وتنظيم تدريبات، وتنفيذ برامج تعليمية بالتعاون مع المدارس والطلاب والباحثين.
كما تتيح منصة تفاعلية للجمهور الاطلاع مسبقاً على مناطق الإخلاء ومسارات الوصول إلى المواقع الآمنة والتعليمات التي يجب اتباعها.
وتشير تجربة اليابان إلى أهمية الاستعداد المسبق، إذ خلصت مراجعة أجرتها مؤسسة GNS Science بشأن كارثة 2011 إلى أن معدل النجاة بين الأشخاص الموجودين داخل المناطق التي غمرتها المياه بلغ نحو 96%، مع التأكيد على الدور الحاسم للتوعية والتدريب وإجراءات الإخلاء.
كما حذرت المراجعة من أن انتظار المعلومات الرسمية لفترة طويلة قد يؤدي إلى تأخير عملية الهروب.
تراجع البحر قد يكون إنذاراً.. لكنه ليس العلامة الوحيدة
يمكن أن يكون الشعور بزلزال قوّي أو رؤية تغير غير طبيعي في حركة البحر بمثابة إنذار مبكر، لكن التراجع المفاجئ للمياه لا يحدث قبل كل موجات التسونامي.
ففي بعض الحالات قد يرتفع مستوى البحر بسرعة من دون أن يسبقه تراجع واضح للمياه، كما قد تمنح بعض الأحداث المحلية السكان وقتاً محدوداً للغاية للاستجابة.
وتوصي إرشادات نيس الأشخاص الموجودين في المناطق الساحلية المهددة بالتحرك فوراً إلى الداخل باتجاه مناطق مرتفعة عند صدور تحذير أو ظهور علامات طبيعية على حدوث تسونامي.
كما يُنصح السائقون بإيقاف مركباتهم في مكان آمن ثم مواصلة الإخلاء سيراً على الأقدام، بينما ينبغي أثناء وقوع الزلزال حماية النفس أولاً من آثار الاهتزاز، ثم التحرك إلى مكان آمن بمجرد انتهاء الخطر المباشر.
والأهم هو اتباع مسارات الإخلاء والتعليمات المحلية وعدم الانتظار لمشاهدة البحر أو التأكد من حجم الموجة.
فالوصول إلى منطقة آمنة لا يعني انتهاء الخطر، إذ يمكن أن تكون الموجات اللاحقة أكبر من الأولى، كما قد تستمر التيارات الخطرة لساعات.
ولهذا يجب البقاء خارج منطقة الإخلاء حتى تعلن السلطات رسمياً أن العودة أصبحت آمنة.
دقائق قليلة قد تحسم مصير الآلاف
تكشف تجربة الريفييرا الفرنسية أن خطر التسونامي في البحر المتوسط ليس سيناريو نظرياً بعيد الاحتمال، كما أن حجم الموجة ليس المعيار الوحيد لتحديد خطورتها.
فالمياه التي تتحرك بسرعة هائلة يمكن أن تكون مدمرة حتى عندما لا يصل ارتفاع الموجة إلى عدة أمتار، بينما يمكن لمصدر محلي مثل انهيار أرضي تحت الماء أن يحول دقائق قليلة إلى الفارق بين الإخلاء الآمن والتعرض للمياه.
ولهذا فإن أنظمة الإنذار تمثل خط الدفاع الأول، لكنها لا تكفي وحدها عندما يكون مصدر الخطر قريباً من الساحل.
وفي الريفييرا الفرنسية، حيث تجتمع الكثافة السكانية مع ملايين الزوار والسياح، تتحول معرفة أين تذهب وكيف تصل إلى مكان آمن إلى عنصر لا يقل أهمية عن وصول رسالة التحذير نفسها.
فالوقت المناسب لرسم طريق الهروب ليس بعد أن تبدأ المياه في الاندفاع، وإنما قبل أن تبدأ الكارثة.
