تجربة استمرت 6 سنوات تكشف كيف تتكيف الغابات مع ارتفاع ثاني أكسيد الكربون

الأشجار تتعاون مع ميكروبات التربة لامتصاص المزيد من الكربون مع تغير المناخ

كشفت دراسة علمية طويلة الأمد أن الغابات قد تمتلك قدرة طبيعية أكبر مما كان يُعتقد على التكيف مع ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، من خلال تعاون معقد بين جذور الأشجار وميكروبات التربة، ما يعزز نمو الأشجار وقدرتها على تخزين الكربون.

ونُشرت الدراسة في دورية Science Advances، واعتمدت على تجربة ميدانية استمرت ست سنوات داخل غابة من أشجار البلوط الإنجليزية يبلغ عمرها نحو 180 عامًا في مقاطعة ستافوردشاير البريطانية.

تجربة تحاكي مناخ خمسينيات القرن

منذ عام 2017، ضخ الباحثون ثاني أكسيد الكربون حول مجموعة من أشجار البلوط خلال ساعات النهار فقط، من بداية تفتح البراعم في الربيع وحتى تساقط الأوراق في الخريف.

ورُفع تركيز الغاز داخل منطقة التجربة إلى 573 جزءًا في المليون، مقارنة بنحو 424 جزءًا في المليون في المناطق المجاورة، وهو المستوى الذي يتوقع العلماء أن يصل إليه الغلاف الجوي عالميًا بحلول خمسينيات هذا القرن.

وخلال ست سنوات، سجلت الأشجار المعرضة لتركيزات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون نموًا أكبر وإنتاجًا أعلى للأخشاب مقارنة بالأشجار غير المعالجة.

السؤال الأهم: من أين جاء النيتروجين؟

إنتاج الأخشاب يتطلب كميات كبيرة من النيتروجين، وهو عنصر لا تستطيع الأشجار تصنيعه بنفسها، بل تحصل عليه من التربة بعد أن تحلله الكائنات الدقيقة من المواد العضوية المتراكمة مثل الأوراق والجذور الميتة.

ولسنوات، اعتقد علماء البيئة أن نقص النيتروجين سيحد من قدرة الغابات على الاستفادة من ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون، وهو ما أظهرته دراسات سابقة على بعض الغابات الأمريكية.

لكن النتائج الجديدة قدمت تفسيرًا مختلفًا.

الأشجار تتعاون مع ميكروبات التربة لامتصاص المزيد من الكربون

ميكروبات التربة تعمل بكفاءة أعلى

أجرى الباحثون قياسات شهرية لمعدل إطلاق النيتروجين من التربة خلال عام 2022، ووجدوا أن التربة الواقعة تحت الأشجار المعرضة لثاني أكسيد الكربون المرتفع أطلقت زيادة قدرها 29% من النيتروجين القابل للاستخدام مقارنة بالمناطق الطبيعية.

كما امتصت الأشجار هذه الكميات الإضافية بالكامل تقريبًا، ما وفر لها العناصر الغذائية اللازمة لمواصلة النمو.

جذور الأشجار تغذي الكائنات الدقيقة

أوضحت الدراسة أن الأشجار تطلق عبر جذورها مركبات عضوية سهلة التحلل تُعرف باسم إفرازات الجذور، تعمل بمثابة مصدر طاقة لميكروبات التربة.

وتحفز هذه المركبات الكائنات الدقيقة على تفكيك المواد العضوية بصورة أسرع، مما يؤدي إلى تحرير المزيد من النيتروجين المحتجز داخل التربة.

ورصد الباحثون زيادة بنسبة 39% في الجذور الدقيقة داخل مناطق ثاني أكسيد الكربون المرتفع، إلى جانب ارتفاع نشاط الكائنات الدقيقة ومعدل تحلل المواد العضوية.

جذور الأشجار وامتصاص الكربون

دورة نيتروجين أكثر كفاءة

كان العلماء يتوقعون أن يؤدي تحلل المواد العضوية بصورة أسرع إلى فقدان كميات أكبر من النيتروجين مع مياه الأمطار أو في صورة غازات، إلا أن النتائج جاءت معاكسة.

فقد حافظت الأشجار على معظم النيتروجين داخل النظام البيئي من خلال امتصاصه بسرعة قبل فقدانه، وهو ما وصفه الباحثون بأنه دورة نيتروجين “أسرع وأكثر إحكامًا” بدلًا من أن تكون “أسرع وأكثر فقدًا”.

كما لم ترتفع مستويات غاز أكسيد النيتروز، أحد غازات الاحتباس الحراري القوية، داخل مناطق التجربة، وهو مؤشر إضافي على كفاءة استخدام النيتروجين.

هل تصبح الغابات سلاحًا أقوى ضد تغير المناخ؟

تشير النتائج إلى أن التعاون بين الأشجار وميكروبات التربة قد يسمح للغابات بتخزين كميات أكبر من الكربون في المستقبل، مما يعزز دورها الطبيعي في الحد من تغير المناخ.

لكن الباحثين أكدوا أن هذه القدرة ليست غير محدودة، إذ تعتمد على استمرار توافر مخزون النيتروجين في التربة.

وأوضحوا، أن المادة العضوية في التربة تحتوي على احتياطيات كبيرة من النيتروجين، لكنها قد تتراجع تدريجيًا مع مرور الوقت، خاصة مع انخفاض ترسبات النيتروجين القادمة من تلوث الهواء في أوروبا.

وأضاف الفريق أن النتائج قد تختلف من غابة إلى أخرى، لأن بعض النظم البيئية تعاني نقصًا في عناصر غذائية أخرى مثل الفوسفور، وهو ما ظهر في تجارب سابقة على غابات الأوكالبتوس في أستراليا، حيث لم يؤد ارتفاع ثاني أكسيد الكربون إلى زيادة النمو.

أسئلة ما زالت بلا إجابة

رغم النتائج الإيجابية، يؤكد الباحثون أن هناك جانبًا مهمًا يحتاج إلى مزيد من الدراسة، وهو معرفة ما إذا كانت التربة نفسها ستستمر في الاحتفاظ بالكربون على المدى الطويل، أم أن زيادة نشاط الميكروبات ستؤدي في النهاية إلى إطلاق جزء من هذا الكربون مرة أخرى إلى الغلاف الجوي.

ويرى الفريق أن الإجابة عن هذا السؤال ستكون ضرورية لتحديد الدور الحقيقي للغابات في مواجهة تغير المناخ خلال العقود المقبلة.

Exit mobile version