لا تقتصر تداعيات تغير المناخ على ارتفاع درجات الحرارة أو تزايد الفيضانات والجفاف والأعاصير، إذ تمتد آثارها إلى حياة الفتيات ومستقبلهن، مع تحذيرات من ارتباط الكوارث المناخية بزيادة مخاطر زواج الأطفال والحمل غير المقصود والعنف ضد النساء والفتيات.
وقالت منظمة Plan International إن الاحترار العالمي يزيد المخاطر التي تواجهها الفتيات، في وقت تضرب فيه الكوارث المناخية الخدمات الصحية والتعليمية التي تعتمد عليها الفتيات، وقد تدفع الضغوط الاقتصادية بعض الأسر إلى تزويج بناتها في سن مبكرة باعتبار ذلك «استراتيجية للبقاء».
وجاء ذلك في تقرير المنظمة «تغيير توقعاتها: حالة فتيات العالم 2026» (Change Her Forecast, the State of the World’s Girls 2026)، الذي صدر قبيل اليوم الدولي للطفلة في 11 أكتوبر.
5 آلاف فتاة وشابة في 5 دول
استند التقرير إلى مقابلات مع 5 آلاف فتاة وشابة تتراوح أعمارهن بين 15 و24 عامًا في بنغلاديش وكينيا وبيرو والسنغال وزيمبابوي.
وقالت واحدة من كل 10 فتيات شملهن الاستطلاع إنها تعرضت لحمل غير مقصود «بعد حدث مرتبط بالمناخ»، بينما أفادت 33% بزيادة حالات الحمل غير المقصود في مجتمعاتهن.
كما قالت 28% من المشاركات إنهن شهدن زيادة في العنف ضد النساء بعد وقوع أحداث مرتبطة بالمناخ.
وارتفعت هذه النسبة بصورة كبيرة في زيمبابوي، حيث بلغت 60%، في بلد تأثر بشدة بارتفاع درجات الحرارة المرتبط بالنشاط البشري، وفق التقرير.
وفي مؤشر آخر على حجم الضغوط التي تفرضها الأزمات المناخية على الأسر، قالت 9 من كل 10 فتيات إن الأحداث المرتبطة بالمناخ تفرض ضغوطًا خطيرة على قدرة أسرهن على تأمين احتياجاتها، وعلى الصحة والاستقرار.
الجفاف وزواج الأطفال
يركز تقرير Plan International بصورة خاصة على تأثير الجفاف طويل الأمد، الذي قد لا يظهر في صورة كارثة مفاجئة، لكنه يستنزف موارد الأسر تدريجيًا.
وقالت المنظمة إن الجفاف الممتد كان، عبر دراسة شملت 52 دولة وعلى مدى ثلاثة عقود، الخطر المناخي الأكثر ارتباطًا بصورة منتظمة بارتفاع معدلات زواج الأطفال والزيجات المبكرة.
وبحسب المنظمة، فإن الأسر قد تفقد المحاصيل والثروة الحيوانية ومصادر الدخل على مدى أشهر أو سنوات، إلى أن يصبح تزويج إحدى البنات، في بعض الحالات، وسيلة تتعامل بها الأسرة مع الضغوط الاقتصادية باعتبارها «استراتيجية للبقاء».
ولا يعني ذلك أن تغير المناخ يمثل العامل الوحيد وراء زواج الأطفال أو الحمل المبكر، لكنه يمكن أن يضيف ضغوطًا اقتصادية واجتماعية جديدة إلى عوامل قائمة أصلًا، خصوصًا في المجتمعات الأكثر تعرضًا للكوارث والمحرومة من الموارد والخدمات.
ودعت Plan International الدول إلى تخصيص «حصة محددة» من تمويل التكيف المناخي لصحة المراهقات، بما في ذلك خدمات الصحة الجنسية والإنجابية.
الحرارة الشديدة تهدد الحمل وصحة الأمهات
وفي السياق نفسه، حذر رئيس الأمم المتحدة المعني بالمناخ، سيمون ستيل، من التداعيات الصحية المرتبطة بتغير المناخ، خصوصًا الحرارة الشديدة.
وأشار خلال اجتماع المناخ التمهيدي للأمم المتحدة في مدينة نادي بفيجي إلى نتائج مسح جديد أظهر أن أكثر من ثلثي العاملين في مجال الرعاية الصحية في خمس قارات رصدوا خلال السنوات الخمس الماضية مضاعفات صحية ناجمة عن الحرارة الشديدة.
وقال إن التعرض للحرارة الشديدة المرتبطة بالمناخ خلال الحمل يرتبط بصورة متزايدة بالولادة المبكرة، وولادة أطفال موتى، وانخفاض وزن المواليد، ومضاعفات لدى الأمهات.
وجاءت هذه التصريحات خلال الاجتماع الذي يسبق مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP31، المقرر عقده في تركيا الشهر المقبل.
جزر المحيط الهادئ في مواجهة ارتفاع مستوى البحر
وتتصدر دول المحيط الهادئ المشهد في المفاوضات المناخية الحالية، باعتبارها من أكثر مناطق العالم تعرضًا لآثار الاحترار العالمي.
وفي فيجي، دعت وزيرة المناخ ليندا تابويا الدول المتقدمة إلى دعم انتقال عادل إلى الطاقة المتجددة، وتقديم الدعم للدول والمجتمعات الأكثر تعرضًا لتغير المناخ.
وتواجه دول جنوب المحيط الهادئ مجموعة من الضغوط، من بينها ارتفاع مستوى سطح البحر الذي يهدد المنازل والمجتمعات الساحلية، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة وما يصاحبه من ابيضاض الشعاب المرجانية.
وقالت تابويا إن بلادها تعتمد على التزام الدول الأخرى بتمويل المناخ، ودعت إلى تقديم الدعم المالي للدول الأكثر تضررًا.
فجوة كبيرة في تمويل التكيف
وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى اتساع الفجوة بين احتياجات الدول النامية وقدرتها على تمويل إجراءات التكيف مع تغير المناخ.
فقد وجد تقرير أممي صدر في أغسطس أن الدول النامية تحتاج إلى ما بين 310 و365 مليار دولار لتمويل التكيف، في حين لم يتوافر لها سوى نحو 26 مليار دولار من تمويل التكيف في عام 2023.
كما حذر التقرير من احتمال نزوح ما يصل إلى 1.2 مليار شخص بحلول عام 2050، في وقت تشهد فيه دول جزر المحيط الهادئ ارتفاعًا في مستوى سطح البحر بمعدل يعادل نحو ضعف المتوسط العالمي.
وتوضح هذه المؤشرات أن آثار تغير المناخ لا تتوقف عند خسائر المحاصيل أو تدمير البنية التحتية، بل يمكن أن تمتد إلى الصحة والتعليم والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وهي عوامل تؤثر بصورة خاصة في الفتيات والمراهقات في المجتمعات الأكثر هشاشة.
ومع تزايد الظواهر المناخية المتطرفة، تصبح حماية الفتيات من آثار الأزمات المناخية مرتبطة ليس فقط بالاستجابة للكوارث، وإنما أيضًا بتمويل التكيف، واستمرار الخدمات الصحية والتعليمية، وتعزيز قدرة الأسر على الحفاظ على مصادر دخلها في مواجهة الجفاف والفيضانات والحرارة الشديدة.
