تاريخ الأكسجين على الأرض.. دور الحياة وحركة القارات في تشكيل الغلاف الجوي

من البكتيريا الزرقاء إلى القارات العملاقة.. قصة الأكسجين عبر الزمن الجيولوجي

كشف باحثون عن صورة أكثر وضوحًا لتاريخ الأكسجين في الغلاف الجوي للأرض خلال آخر 3.5 مليار عام، مشيرين إلى أن الارتفاع التدريجي في مستويات هذا الغاز كان مرتبطًا أساسًا بتوسع انتشار الحياة على الكوكب، في حين لعبت العمليات الجيولوجية المرتبطة بحركة الصفائح التكتونية دورًا في إحداث تقلبات دورية في هذه المستويات عبر الزمن الجيولوجي الطويل.

والصفائح التكتونية هي الأجزاء الضخمة من القشرة الأرضية التي تتحرك ببطء شديد فوق طبقة الوشاح داخل الأرض، وهو ما يؤدي عبر ملايين السنين إلى تحرك القارات واندماجها أحيانًا في قارة عملاقة واحدة، ثم انفصالها مرة أخرى.

اعتمدت الدراسة، التي نشرت يوم 16 مارس/آذار في مجلة “بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز” (PNAS)، على دمج تقنيات التعلم الآلي، وهي أدوات حاسوبية قادرة على تحليل كميات كبيرة من البيانات واكتشاف الأنماط داخلها، مع تحليل التركيب الكيميائي لمعادن قديمة محفوظة في الصخور الرسوبية.

سمح هذا الدمج للباحثين بإعادة بناء تاريخ الأكسجين في الغلاف الجوي للأرض بدقة زمنية أعلى مما كان متاحًا في الدراسات السابقة.

لماذا الأكسجين مهم في تاريخ الأرض؟

يعد الأكسجين أحد أهم العناصر التي شكلت تاريخ الحياة على الأرض؛ فقبل تراكمه بكميات كبيرة في الغلاف الجوي، كانت الحياة على الكوكب تقتصر في الغالب على كائنات دقيقة بسيطة قادرة على العيش في بيئات تكاد تخلو من الأكسجين.

لكن مع ارتفاع مستويات هذا الغاز في الغلاف الجوي والمحيطات، حدث تحول كبير في كيمياء الكوكب، إذ أصبحت البيئة أكثر ملاءمة لانتشار الكائنات متعددة الخلايا، وهو ما مهد الطريق في النهاية للحياة المعقدة التي نعرفها اليوم.

ورغم الأهمية الكبيرة لهذه المرحلة في تاريخ الأرض، ظل العلماء يواجهون صعوبة في تحديد كيف ومتى ارتفعت مستويات الأكسجين عبر التاريخ الجيولوجي، نظرًا لأن السجلات الجيوكيميائية القديمة التي تحفظ آثار هذه التغيرات محدودة ومتناثرة في الصخور القديمة، حسب المؤلف الرئيسي للدراسة، جين جي جانج، أستاذ علوم الأرض المشارك في الجامعة الصينية لعلوم الأرض.

حدود الصفائح التكتونية

التركيب الكيميائي للمعادن والبيريت

يوضح جانج أن الباحثين ركزوا على معدن يسمى البيريت الرسوبي، وهو معدن كبريتي يتكون في البيئات البحرية القديمة، وغالبًا ما يعرف بلونه الذهبي اللامع.

يتميز هذا المعدن بأنه يحتفظ في داخله بكميات صغيرة جدًا من عناصر كيميائية تعرف باسم العناصر النادرة، وهي عناصر موجودة بتراكيز ضئيلة لكنها تحمل معلومات مهمة عن الظروف الكيميائية للمحيطات والغلاف الجوي في الزمن الذي تشكل فيه المعدن.

قام الفريق البحثي بتحليل قاعدة بيانات عالمية كبيرة من عينات البيريت تمتد عبر نحو 3.5 مليار عام من تاريخ الأرض، ثم استخدم العلماء خوارزميات التعلم الآلي لربط تركيزات هذه العناصر الكيميائية بمستويات الأكسجين التي كانت موجودة في الغلاف الجوي في تلك الفترات القديمة.

ويضيف الباحث: “وتعد هذه الطريقة تقدمًا مهمًا مقارنة بالدراسات السابقة، التي كانت تعتمد غالبًا على مؤشرات غير مباشرة أو على بيانات محدودة تغطي فترات زمنية قصيرة نسبيًا”.

تحليل قاعدة بيانات عالمية كبيرة من عينات البيريت تمتد عبر نحو 3.5 مليار عام من تاريخ الأرض

تقلبات مرتبطة بحركة القارات

أظهرت نتائج الدراسة أن مستوى الأكسجين في الغلاف الجوي ارتفع تدريجيًا عبر الزمن الجيولوجي الطويل؛ ويعرف هذا الاتجاه باسم الأكسجة التدريجية للأرض، أي الزيادة البطيئة والمستمرة في كمية الأكسجين في الغلاف الجوي عبر مئات الملايين من السنين.

ويربط الباحثون هذا الاتجاه بتوسع الكتلة الحيوية على الكوكب، وخاصة مع انتشار الكائنات الحية القادرة على القيام بالتمثيل الضوئي؛ وخلال هذه العملية تستخدم بعض الكائنات الدقيقة – مثل البكتيريا الزرقاء – ضوء الشمس لتحويل ثاني أكسيد الكربون والماء إلى مواد عضوية، مع إطلاق الأكسجين منتجًا ثانويًا.

ومع ازدياد أعداد هذه الكائنات عبر الزمن، ازداد إنتاج الأكسجين وتراكمه تدريجيًا في الغلاف الجوي، ما أدى إلى تغييرات بيئية كبيرة سمحت بانتشار أشكال أكثر تعقيدًا من الحياة.

لكن الدراسة كشفت أيضًا أن هذا الارتفاع طويل المدى في مستويات الأكسجين لم يكن يحدث بشكل منتظم أو سلس، بل تخلله تقلبات قصيرة المدى ارتفعت خلالها مستويات الأكسجين أو انخفضت بشكل ملحوظ.

ويلفت المؤلف الرئيسي للدراسة إلى أن هذه التقلبات ترتبط على الأرجح بعمليات جيولوجية كبرى، مثل تجمع القارات في قارة واحدة عملاقة ثم انفصالها مرة أخرى.

تتغير أنماط التجوية الكيميائية للصخور على سطح الأرض. والتجوية الكيميائية

وتؤثر هذه العمليات بشكل مباشر في كيمياء المحيطات ودورات العناصر الغذائية التي تعتمد عليها الكائنات الحية؛ فعندما تتشكل قارة عملاقة، تتغير أنماط التجوية الكيميائية للصخور على سطح الأرض.

والتجوية الكيميائية هي العملية التي تتحلل فيها الصخور بفعل الماء والغازات، ما يؤدي إلى إطلاق عناصر غذائية مثل الفوسفور والحديد، التي تنتقل مع الأنهار إلى المحيطات لتعزز نمو الكائنات الدقيقة المنتجة للأكسجين.

Exit mobile version