إعداد التقرير: مشعل نواف إسماعيل- فراس فجر اليحيى
قد تنظر إلى التين لترى فيه فاكهة محببة لكن بايزيد خالد حجي، المزارع في مدينة سنجار، يرى فيها تراث وإرث من الأجداد و “جزء من تراث سنجار وهوية المجتمع الايزيدي”. وليس ذلك فحسب، فهو يرى في زراعة التين “عملاً مقدساً”، لكن شبح الجفاف يهدد هذه النبتة ويهدد معها إرث عمره أكثر من 300 عام.
قضاء سنجار ليس متفردًا في هذه المحنة، فعلى بعد 400 كيلو منها تقع محافظة إدلب، أحد أكثر المحافظات السورية شُهرةً في زراعة التين الذي يمتد عمر زراعته لزمن حضارة تدمر، فالجفاف والحرب دفع بعض المزارعين إلى استبدال محصول الأجداد بالزيتون بحسب المزارع نادر خرزوم ، ويرثي ابن إدلب الحال ويقول “التين كان ثاني أهم محصول بعد الزيتون قبل سنوات قليلة، كنا نجففه ونصدره إلى الخليج ومصر”
ومثلما يُعاني المزارع في إدلب من تراجع المياه وحدوث جفاف قاتل، يقاسمه المزارع السنجاري ألمه، حيث يشير تقرير إحصائي أوردته صحيفة كركوك الآن أن عدد أشجار التين عام 2025 بلغ قرابة 40,000 شجرة، بعد أن كانت أكبر بكثير قبل الجفاف عام 2005، طبقا إلى بيانات كل من مديرية الزراعة في شنكال وسنوني.
وفي المقابل، تأتي إحصائيات إنتاج التين في سوريا عام 2022 لتُظهر أن المحصول وصل إلى نحو 39,653 طنًا عام 2022، رغم الأرقام الكبيرة فإن هذه الكمية تراجعت بصورة ملموسة عن الأعوام السابقة ففي عام 1965 بلغ إنتاج التين ذروته ليصل إلى 68000 طن.
حكاية سنجار مع التين
قبل 20 عام، كانت مزارع التين في سنجار تحصد أكثر من 2000 كغ من التين سنوياً، وذلك بالإعتماد على مياه الأمطار بشكل كلي، وكان الإنتاج غزير كما يوضح بايزيد خالد حجي ذو الـ 26 عام، والذي ورث مهنة أجداده ليعمل مزارعاً في قرية كرسي التابعة لناحية الشمال في قضاء سنجار.
ويتابع شرحه موضحاً أنه بعد ان ضرب الجفاف المنطقة انخفضت هذه النسبة إلى أكثر من 90% “كانت عائلتي تملك حوالي 200 شجرة تين بجانب أشجار الفواكه الاخرى من خوخ ومشمش وعنب وبلوط وغيرها، وبعد الجفاف فقدنا المزرعة بأكملها”.
لم ييأس بايزيد، فقد قام بزراعة قطعة أرض اخرى بحوالي 400 شجرة منها حوالي 200 شجرة تين لكنه يقول أن “الجفاف يهدد ارثنا الحضاري ويهدد رزق ومصدر دخل الآلاف من العوائل”.
ذبول الأشجار نذير بنهاية الحياة
يردد بايزيد بنبرة حزن: “عندما ارى الاشجار تذبل وتموت، ارى أنها نهاية الحياة، أشبهها بحياتنا اذا استمر الوضع هكذا دون حلول ستكون نهايتنا ايضا مثل هذه الأشجار، نموت عطشاً بسبب الجفاف”.
ويرى أنه بالرغم من التحديات التي واجهوها من جفاف وقلة الأمطار لم يفكر مزارعو سنجار في ترك هذه المهنة “لأننا لا نعتبر التين مصدر رزق، بل جزء من هويتنا وحضارتنا ولذلك يجب علينا الحفاظ على هذه الهوية والحضارة المهمة لنا، كما أشارك أحيانًا مع اصدقائي في تنفيذ حملات التشجير في المنطقة لزيادة المساحات الخضراء لأننا فقدنا عدد كبير من الأشجار”.
من يأخذ القرار.. لإنقاذ تين سنجار
يؤكد أقدم هادي كتي مراد، معاون مسؤول شعبة زراعة الشمال، ورئيس المهندسين الزراعيين، أن وضع التين السنجاري في خطر: “في السابق، كان التين يعتبر المصدر الرئيسي لدخل الآلاف من العوائل وكان يعتبر جزء رئيسي من اقتصاد سنجار لوفرتها ولأن الأشجار كانت تعتمد فقط على مياه الامطار، لم يكن المزارعون بحاجة إلى حفر الابار او استخدام المولدات التقليدية، لأن مياه الأمطار كانت كافية ليحصل منها الأشجار على كفايتها من الماء والرطوبة للنمو، وكان تين سنجار يباع في أسواق المحافظات الاخرى داخل العراق ومنها يتم تصديرها إلى دول الجوار”.
ويتفق كتي مع بايزيد أن الجفاف هو الملام الأكبر فيما وصل إليه الحال، لكنه يشير إلى ملام آخر، وهو “معمل سمنت سنجار” الذي أصبح تحدي بالنسبة للمزارعين، حيث أن الدخان والغبار الناتج من المعمل يؤثر سلبياً وبشكل كبير على التين .
ويطرح كتي حلولا للأمر قائلا: “إذا تدخلت الحكومة وهي وضع فلتر تصفية وترشيح لهذا المعمل، من المؤكد أن الوضع سيتحسن كثيراً”.
ويتابع: “نحن كدائرة الزراعة نسعى للتعاون مع المنظمات الدولية والمحلية في سبيل تقديم الدعم اللازم للمزارعين في المنطقة، ونقوم بدعم المزارعين من خلال تزويدهم بأنابيب التنقيط، حفر الآبار، واحيانا تزويدهم بألواح الطاقة الشمسية، بالاضافة الى اعطائهم ورش تدريبية في حال تطلب الأمر ذلك مثلا ورش عن كيفية مكافحة الحشرات الضارة التي تضرب الشجرة مثل حشرة حفار السيقان”.
بنبرة قلقة، يختم كتي كلامه قائلاً: “في غضون عشر سنوات، إذا استمر الجفاف بهذا الحال، ستندثر التين وتكون نهايتها، بل ليس نهايتها فقط وإنما نهاية الإنسان كذلك، وسيهجر الإنسان اماكنه بحثاً عن المياه في مكان آخر”.
كما وجه بايزيد رسالته إلى الحكومة والمنظمات الدولية أن يدعموا المزارعين، وخاصة الحكومة ان تجد حلًا لهذا الجفاف من خلال عمل سدود في جبل سنجار ومدّ مشروع مياه من نهر دجلة وصولاً إلى سنجار وبهذه الطريقة سنتجاوز مشكلة الجفاف وذبول أشجارنا.
من سنجار إلى إدلب.. تين يذبل
المطر أيضا كلمة السر في معاناة المزارع في إدلب، ففي عموم البلاد انخفضت الأمطار بشكل درامي، وهو ما عقد المشهد، حيث تعتمد 70% من الأراضي الزراعية على الري المطري، ويتوقع الخبراء أن تمر سوريا بأسواء موجة جفاف تشهدها البلاد في تاريخها خلال شهر ديسمبر القادم.
نادر خرزوم ذو الـ 47 عامًا ابن محافظة إدلب، ورث مهنة الزراعة من آبائه، يقول: “نعمل في مزارع التين منذ عقود كثيرة فقد توارثناها عن آبائنا وأجدادنا فهي تعتبر إرثًا بالنسبة لنا”.
وبنبرة حزن يضيف خرزوم “في الحقيقة تأثر محصول التين بشكل كبير جداً بسبب موجات الجفاف المتتالية، حيث بدأ بعض المزارعين بقطع الأشجار وزراعة شجر الزيتون عوضاً عنه كونه لا يحتاج كميات كبيرة من المياه، فحالياً نعتمد في الري على المياه الجوفية التي لا تعتبر كافية وتكلفتها عالية لا يتحملها المزارع.
لم ييأس خرزوم من الوضع المتأزم ويقول “سأحاول جاهداً المحافظة على مزرعة التين حتى تعود الأمطار مجدداً كسابقها” ويتابع بفخر”لأن التين ليس مجرد ثمرة بالنسبة لي بل هو إرث والدي وجدي”.
يفنى جيل ويأتي آخر ليقطف من شجرة التين
لا يختلف اعتزاز خرزوم بشجر التين عن أحمد الحنيني ذو الـ 27 عام، ابن محافظة ادلب أيضا، والذي يؤكد أن لهذه الشجرة مكانة كبيرة في قلوبنا، فهي بحسب وصفه “أكبر منا سنًا” فقد ولد أحمد مثل العديد من أهل إدلب ليجدوا الشجرة موجودة.
ويتابع: “نعمل في المزرعة خلال فترات التسميد والري والقطاف بشكل مستمر، بالتأكيد نأكل التين ونخزنه لفصل الشتاء فهو في مناطقنا بديل التمر، ومن جهتي اظن انه أشهى وألذ أنواع الثمار التي نخزنها لفصل الشتاء وخاصة عندما يتم وضعه داخل الزيت فيصبح دواء للعديد من الأمراض”.
كما الحال مع بايزيد من سنجار، يعبر أحمد عن الأسى والحزن الذي ينتابه عندما يرى شجرة التين تذبل وتموت بسبب الجفاف.
يحمل أحمد جزء من مسؤولية تناقص أعداد التين للحكومة “هناك عمليات قطع جائرة وعامة في ريف إدلب الجنوبي قامت بها قوات النظام السابق، حيث حولوا المنطقة إلى شبه صحراء، ويعتبر ريف إدلب الجنوبي من المناطق التي تحتوي على انواع عالية الجودة من التين ولكن للأسف تم قطع الالاف من اشجار التين والزيتون”.
الجفاف والمرض يضرب.. تين إدلب
عانت شجرة التين من قلع وقطع وحرق كما يقول مصطفى موحد مدير الزراعة والإصلاح الزراعي في محافظة إدلب : “بلغ عدد الأشجار المتضررة بحدود 100 الف شجرة بالإضافة إلى أن هجرة المزارعين لأراضيهم أضرت بباقي الأشجار وسهلت الإصابة بحشرة حفار الساق ذو القرون الطويلة و حشرة التين الشمعية”.
يتأثر محصول التين كباقي المحاصيل بالجفاف الحاصل وأغلب الآثار على التين تظهر خلال مراحل النمو الحساسة (النمو الخضري- والزهري– والعقد)
فالجفاف يؤدي إلى ضعف النموات الخضرية، كما يقلل من نسبة الثمار العاقدة، مما يقلل المحصول.كما يؤثر الجفاف على الثمار من حيث النوع والكم فتكون الثمار صغيرة الحجم ومتشققة وذات طعم غير مرغوب فيه. كما يؤثر الجفاف على الأشجار نفسها مما يصيبها بالإجهاد والضعف مما يقصر من عمرها الإنتاجي و يعرضها للإصابة بالأمراض والحشرات.
يرى موحد أن الحل يكمن في التخفيف من آثار الجفاف: “الري المنتظم باستخدام وسائل الري الحديثة وأهمها الري بالتنقيط حل هام لما نعاني منه، التقليم الجيد لأشجار التين، استخدام الأصناف المناسبة والمقاومة نسبيا للجفاف أيضاً سيخفف من عبء الجفاف”.
ويتوقع موحد انخفاض في محصول التين هذا العام ويشرح الأسباب: “ارتفاع الحرارة وكذلك نتيجة الأسباب السابقة الذكر من قلة الأشجار وقلة الخدمة نتيجة النزوح، وبالتأكيد، يفضل في سنوات الجفاف ري الأشجار كما ذكرنا في المراحل الحساسة بالإضافة إلى بعض المواد التي يمكن رشها على الأشجار لتعزيز قدرتها على تحمل الجفاف.”
ويتمنى موحد إنشاء صناديق أو هيئات لدعم وتعويض المزارعين ، قائلاً: “يتم حاليا دراسة إنشاء صناديق لدعم الجفاف والكوارث الطبيعية وهذا يتطلب بعض الوقت على مستوى الوزارة”.
