بين السيادة وحرية الملاحة..هل يجوز فرض رسوم عبور في مضيق هرمز؟ القانون الدولي يحسم الجدل

كيف تنظم قوانين الملاحة في الممرات الحيوية؟ والفرق بين رسوم قناة السويس ومضيق هرمز

مع بدء مفاوضات مباشرة هي الأولى منذ 46 عام بين إيران وأمريكا، يدخل الطرف الإيراني إلى طاولة التفاوض من موقع يمنحها هامشاً واسعاً من المناورة، وفي مقدمة أوراقها السيطرة الفعلية على مضيق هرمز الذي وصفه المرشد الأعلى السابق علي خامنئي بـ”الورقة الذهبية”.

في ظل تصاعد الجدل الدولي حول مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، عاد هذا الممر البحري الحيوي إلى واجهة النقاش بوصفه ورقة ضغط سياسية قد تهدد استقرار الأسواق وسلاسل الإمداد العالمية.

وفي هذا السياق، أشار تقرير إلى أن فكرة فرض الرسوم ارتبطت بتصورات تتحدث عن “رسوم تأمين” مقابل السماح لبعض السفن بالمرور، بينما تؤكد أطراف إقليمية، بينها سلطنة عُمان، أن المضيق يخضع لاتفاقيات دولية تضمن حرية الملاحة دون فرض رسوم عبور.

وفي المقابل، تتمسك دول الخليج بمبدأ حرية المرور الكامل، باعتبار المضيق ممرًا استراتيجيًا لا يحتمل أي قيود إضافية.

سفينة القتال الساحلية يو إس إس أوماها تابعة للبحرية الأمريكية

القانون الدولي


على مستوى القانون الدولي، تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على عدم جواز فرض رسوم على حق المرور ذاته، مع السماح فقط بفرض رسوم مقابل خدمات محددة، مثل الإرشاد الملاحي أو خدمات الموانئ، شريطة عدم التمييز بين السفن.

ويميز القانون بين المضائق الطبيعية والقنوات الصناعية؛ إذ تُفرض الرسوم عادة في القنوات المحفورة مثل قناة السويس وقناة بنما، بينما تخضع المضائق الطبيعية لقواعد خاصة تضمن حرية العبور.

وفي المقابل، تقدم تجارب دولية مثل مضيق البوسفور ومضيق الدردنيل ومضيق سنغافورة نماذج مختلفة لتنظيم الملاحة، تتراوح بين فرض رسوم محدودة أو عدم فرضها، مع الحفاظ على انسيابية التجارة العالمية.

ويظل مضيق هرمز، في هذا السياق، أحد أهم نقاط التحكم في الاقتصاد العالمي، إذ إن أي تغيير في قواعد المرور فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية، ما يجعله عنصرًا محوريًا في معادلات الاستقرار الاقتصادي.

العبور من مضيق هرمز

الجغرافيا والسلاح.. معادلة التعطيل


لا تقتصر أهمية المضيق على القانون الدولي، بل تمتد إلى طبيعته الجغرافية التي تجعله عرضة للتعطيل. فالممر لا يتجاوز عرضه نحو 34 كيلومترًا في أضيق نقطة، ما يجعله بيئة مثالية لتهديد الملاحة باستخدام وسائل منخفضة التكلفة، مثل الألغام البحرية.

ويعكس ذلك ما طرحه الاستراتيجي الأميركي إدوارد لوتواك حول “المنطق المفارق” في الحروب، حيث يمكن لأدوات بسيطة أن تقيد قوة عسكرية أكبر إذا استُخدمت في المكان المناسب.

وقد تجسدت هذه المعادلة عام 1988، عندما اصطدمت الفرقاطة الأميركية USS Samuel B. Roberts (FFG-58) بلغم بحري، ما أدى إلى أضرار جسيمة رغم انخفاض تكلفة اللغم مقارنة بتكلفة إصلاح السفينة.

وتشير تقديرات إلى أن إيران تمتلك آلاف الألغام البحرية، ما يمنحها قدرة غير متكافئة على تعطيل الملاحة ورفع كلفة أي تدخل عسكري، دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة.

مضيق هرمز وسط تصاعد التوترات التي تهدد إمدادات الطاقة العالمية.

تحديات فتح الممر


في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على قدرات متطورة لمكافحة الألغام، من بينها سفن القتال الساحلي (LCS) التي تستخدم أنظمة غير مأهولة للكشف عن الألغام وتدميرها.

غير أن هذه العمليات تواجه تحديات كبيرة، إذ تجري في بيئة معقدة تشمل تهديدات صاروخية وزوارق سريعة وطائرات مسيّرة، ما يجعل تأمين ممر آمن داخل المضيق مهمة بطيئة ومكلفة.

كما أن هذه المنظومات لم تُختبر بعد في عمليات واسعة النطاق ضمن ظروف قتال حقيقية، ما يثير تساؤلات حول فعاليتها في حال تصاعد النزاع.

التوتر في الشرق الأوسط يربك صناعة الرقائق ويهدد سلاسل التوريد العالمية

معركة الاستمرار لا الفتح


في ظل هذه المعطيات، لا يقتصر التحدي على فتح ممر آمن في المضيق، بل يمتد إلى القدرة على إبقائه مفتوحًا. إذ يمكن إعادة زرع الألغام بوتيرة أسرع من إزالتها، ما يجعل أي نجاح مؤقتًا وقابلًا للانتكاس.

وبذلك، يتحول مضيق هرمز إلى اختبار معقد يتداخل فيه القانون الدولي مع الجغرافيا والقدرات العسكرية، في معادلة تحدد مستقبل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

Exit mobile version