كيف أصبح بحر البلطيق قلب خريطة الطاقة الأوروبية؟

البلطيق يتحول إلى بوابة أوروبا للطاقة النظيفة وغير الروسية

أصبح بحر البلطيق ذا أهمية متزايدة في المعادلة الطاقية الأوروبية.

على مدى سنوات، صممت دول منطقة بحر البلطيق ووسط وشرق أوروبا سياسات الطاقة حول تأمين الإمدادات. كما تمثل هذه الدول أسواقًا راسخة وسريعة النمو لمشروعات الطاقة الجديدة، دعمًا لتحقيق أهداف الاتحاد الأوروبي في خفض الانبعاثات.

خيارات أوروبا في الطاقة

تتأثر خيارات أوروبا الطاقية اليوم بأربعة عوامل رئيسية تتقاطع جميعها في بحر البلطيق:

أولًا، أعادت الحرب الروسية على أوكرانيا تشكيل شعور الاتحاد الأوروبي بالأمن المادي والاقتصادي.

ثانيًا، تغيّر بيئة الجغرافيا السياسية بسرعة، مؤثرًا على التجارة وأنماط الاستثمار.

ثالثًا، يواصل الاتحاد الأوروبي تنفيذ أحد أكثر برامج خفض الانبعاثات طموحًا في العالم. وأخيرًا، تدفع سباق القدرة التنافسية

أوروبا لإعادة التفكير في استراتيجيتها الصناعية، مع وضع تكاليف الطاقة وسلاسل الإمداد في قلب هذا التفكير.

أدى أزمة الطاقة في 2022 إلى كشف هذه الضغوط جميعها دفعة واحدة، فقد أثرت غزو روسيا على أسواق السلع، ودفعت أسعار الكهرباء للارتفاع، وحوّلت طرق التجارة، مما أعاد توجيه خريطة الطاقة الأوروبية بعيدًا عن الاعتماد على خطوط الأنابيب من الشرق نحو تدفقات غاز مسال وبحرية.

برز بحر البلطيق بوصفه بوابة جديدة للتجارة الطاقية، فمزيج من محطات الغاز الطبيعي المسال القائمة وتلك تحت الإنشاء، ووحدات التخزين وإعادة الغاز العائمة، وموانئ النفط، منح الدول الساحلية والداخلية وصولاً للأسواق العالمية، وللموردين غير الروس.

لم يأت هذا التحول فجأة، فلطالما حذرت دول البلطيق من مخاطر الاعتماد على الهيدروكربونات الروسية، واستثمرت بولندا وليتوانيا وفنلندا في بناء بنية تحتية بديلة. وشملت المرحلة الثانية من التطوير مشروعي Balticconnector وBaltic Pipe، اللذين أثبتا أهميتهما بعد اندلاع الحرب.

ممر غاز شمال–جنوب

سيزيد مشروعان إضافيان لوحدات الغاز العائمة في خليج جدانسك من قدرة بولندا على استيراد الغاز الطبيعي المسال إلى ثلاثة أضعاف مستويات ما قبل الحرب، ما يمكّنها من تزويد المنطقة بالغاز غير الروسي.

وتكمل هذه الاستثمارات دور بولندا في “البوابة البلطيقية”، وهو ممر غاز شمال–جنوب يربط الساحل البلطيقي بأوكرانيا والتشيك وسلوفاكيا.

لا تقتصر أهمية البلطيق على الغاز، بل يشكل الموقع الاستراتيجي للبحر طريقًا حيويًا للإمداد، ويعرفه البعض بـ“بحيرة الناتو”.
ومنذ 2022، لعبت المنطقة دورًا مزدوجًا: تنويع الإمدادات وتسريع التحول نحو الطاقة منخفضة الانبعاثات.

فرص الرياح البحرية

تشكل الدول الثمانية المطلة على البحر نحو ثلث انبعاثات الطاقة في الاتحاد الأوروبي، ما يمنحها نفوذًا كبيرًا على مسار خفض الانبعاثات.

وتعد المنطقة غنية بفرص الرياح البحرية، مع تقديرات بقدرة تصل إلى 93 جيجاوات لم تُستغل بعد، إضافة إلى إمكانيات الهيدروجين، والوقود الإلكتروني، وتخزين الكربون، وحتى الطاقة النووية منخفضة الانبعاثات.

مع توسيع الربط بين الشبكات الوطنية، أصبح تزامن دول البلطيق الثلاث مع نظام الطاقة الأوروبي حقيقة عام 2025، بعيدًا عن الشبكة الروسية.

لتحقيق كامل إمكاناتها، يحتاج بحر البلطيق إلى تعاون أعمق بين الحكومات والمنظمين والصناعة، مع إطار يتيح الاستثمار طويل الأمد ويعكس خصوصية المنطقة.

وتعمل ORLEN، بصفتها أكبر شركة طاقة في وسط وشرق أوروبا، على تشكيل مستقبل هذا البحر الطاقي ودعم دوره كأحد المراكز الرئيسية لنمو الطاقة في أوروبا.

Exit mobile version