انبعاثات شركات النفط والغاز والفحم تواصل تسخين الكوكب لعقود حتى بعد توقفها

178 منتجًا للنفط والغاز والفحم.. انبعاثاتهم الماضية تواصل رفع حرارة الكوكب لسنوات طويلة

أظهرت دراسة جديدة أجرتها جامعة واشنطن أن الانبعاثات السابقة لأكبر منتجي النفط والغاز والفحم والأسمنت في العالم ستواصل التأثير في مناخ الأرض ورفع درجات الحرارة لعقود مقبلة، حتى في حال حدوث انخفاض حاد في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

وتأتي الدراسة في سياق تطور علم «إسناد الظواهر المناخية»، الذي مكّن العلماء خلال السنوات الأخيرة من تحديد مدى ارتباط موجات الحر والعواصف وحرائق الغابات وغيرها من الظواهر المتطرفة بتغير المناخ الناتج عن حرق الوقود الأحفوري.

وتشير هذه الأبحاث إلى أن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري أدت إلى زيادة احتمالية وقوع العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، وهو ما أصبح يشكل أساسًا علميًا متزايدًا في قضايا قانونية تسعى إلى تحميل كبار المنتجين والملوثين مسؤولية الأضرار والوفيات المرتبطة بالكوارث المناخية.

وتتجاوز دراسة جامعة واشنطن هذا الإطار، إذ تبحث في المدة التي سيستمر خلالها تأثير الانبعاثات السابقة لأكبر منتجي الوقود الأحفوري في ارتفاع حرارة الكوكب.

ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة PLOS Climate، واعتمد الباحثون على تحليل انبعاثات ما يُعرف بـ«كبار الكربون» أو Carbon Majors، وهم أكبر 178 منتجًا للنفط والغاز والفحم والأسمنت، والذين أسهموا في إطلاق أكثر من تريليون طن من ثاني أكسيد الكربون.

وقال دارجان فرييرسون، الأستاذ المشارك في علوم الغلاف الجوي والمناخ بجامعة واشنطن، إن العلماء يعرفون أن انبعاثات الوقود الأحفوري تسببت في قدر كبير من الاحترار، وأن آثار ذلك أصبحت واضحة، لكن السؤال الذي ركزت عليه الدراسة هو: إلى متى سيستمر هذا الاحترار في المستقبل؟

انبعاثات شركات النفط والغاز والفحم

احترار يستمر حتى بعد خفض الانبعاثات

أوضحت الدراسة أن انخفاض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بشكل كبير لا يعني أن النظام المناخي سيعود سريعًا إلى حالته السابقة، إذ سيبقى جزء كبير من ثاني أكسيد الكربون المنبعث في الغلاف الجوي، حيث يستمر في حبس الحرارة لفترات زمنية طويلة جدًا.

ووفق الدراسة، حتى إذا توقفت الانبعاثات، ستظل درجة حرارة الأرض أعلى بنحو 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية.

وقال فرييرسون: «نتوقع استمرار ارتفاع حرارة المناخ حتى نتوقف عن استخدام الوقود الأحفوري»، مضيفًا أن المستقبل المستقر مناخيًا يتطلب عدم حرق الوقود الأحفوري.

محاكاة مناخية حتى عام 2500

لقياس التأثير المستقبلي لانبعاثات كبار المنتجين، أجرى الباحثون محاكاة لتطور المناخ العالمي حتى عام 2500 باستخدام نموذج FaIR، أو نموذج الاستجابة النبضية للسعة المحدودة، الذي يُستخدم لمحاكاة العلاقة بين انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والتغيرات في تركيزاتها ودرجات الحرارة.

واختبر الباحثون سيناريوهات منخفضة وعالية الانبعاثات، وقارنوا بين الحالات التي تتضمن انبعاثات كبار منتجي الوقود الأحفوري حتى عام 2024 وتلك التي لا تتضمنها.

وأظهرت النتائج أنه في السيناريوهات التي يجري فيها الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، تصبح حصة كبار المنتجين من الاحترار فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية أكبر نسبيًا.

أما في السيناريوهات ذات الانبعاثات المرتفعة، التي يستمر فيها حرق الوقود الأحفوري على نطاق واسع، فتزداد حرارة الأرض بصورة أكبر مع ارتفاع الانبعاثات المستقبلية. وفي السيناريو الأكثر تطرفًا الذي اختبره الباحثون، تتسبب الانبعاثات المستقبلية في نسبة أكبر بكثير من الاحترار مقارنة بالانبعاثات السابقة لكبار المنتجين.

ومع ذلك، وجد الباحثون أن مقدار التغير في درجات الحرارة المرتبط بانبعاثات كبار المنتجين يظل متقاربًا حتى مع اختلاف مستويات الانبعاثات المستقبلية.

وقال فرييرسون إن مقدار الاحترار الناتج عن تلك الانبعاثات يمكن حسابه، وإنه مستقل نسبيًا عن مستوى الانبعاثات المستقبلية، وهو ما قد تكون له أهمية في القضايا القانونية المتعلقة بالمسؤولية عن الأضرار المناخية.

الاحترار العالمي

انبعاثات الماضي وكوارث المستقبل

لا تقتصر أهمية الدراسة على تفسير الاحترار الذي حدث بالفعل، إذ تشير نتائجها إلى أن الانبعاثات السابقة قد تزيد أيضًا من احتمالات وقوع كوارث مناخية في المستقبل، بسبب استمرار تأثير الاحترار الناتج عنها.

ويعود الفهم العلمي للعلاقة بين غازات الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى عقود مضت، بينما تركز بعض الدعاوى القضائية الحالية على اتهامات لشركات كبرى بأنها كانت على علم بالمخاطر المناخية المرتبطة بالوقود الأحفوري، وأنها أخفت أو قللت من أهمية تلك المخاطر أمام الجمهور.

وتشير الدراسة الجديدة إلى بُعد إضافي للمسألة، يتمثل في أن الغازات التي أطلقتها الشركات الكبرى خلال عمليات استخراج وإنتاج وحرق الوقود الأحفوري قد تسهم في زيادة مخاطر أحداث مناخية لم تقع بعد.

وقال فرييرسون، إن هذه النتائج مهمة للقرارات الحالية المتعلقة بالوقود الأحفوري، لأن استمرار إنتاجه سيؤدي إلى تفاقم الكوارث المناخية لعقود طويلة، مضيفًا أن الجدل القانوني حول المسؤولية عن هذه الأضرار قد يستمر لسنوات قادمة.

Exit mobile version