يُعرف غاز أكسيد النيتروز (N₂O) منذ عقود بأنه أحد الغازات الدفيئة القوية التي تساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري واستنزاف طبقة الأوزون. وينتج هذا الغاز بكميات كبيرة في التربة الزراعية بعد استخدام الأسمدة النيتروجينية.
لكن دراسة جديدة أجراها باحثون في Massachusetts Institute of Technology تكشف جانبًا بيولوجيًا أقل شهرة لهذا الغاز، يتمثل في قدرته على التأثير المباشر في الكائنات الدقيقة التي تعيش حول جذور النباتات.
ويشير العلماء إلى أن هذه النتائج قد تعيد تشكيل فهم الباحثين لدور أكسيد النيتروز في النظم البيئية الزراعية، إذ قد يعمل الغاز كعامل انتقائي يحدد أي الميكروبات تستطيع البقاء في التربة وأيها يختفي.
نُشرت نتائج الدراسة في مجلة mBio
منطقة الجذور: عالم ميكروبي معقد
تحيط بجذور النباتات منطقة حيوية تسمى الرايزوسفير (Rhizosphere)، وهي بيئة نشطة للغاية تضم ملايين الكائنات الدقيقة مثل البكتيريا والفطريات.
تلعب هذه الكائنات دورًا أساسيًا في:
-
مساعدة النباتات على امتصاص العناصر الغذائية من التربة
-
تحسين بنية التربة وخصوبتها
-
حماية النباتات من مسببات الأمراض
-
تعزيز مقاومة النباتات للإجهاد البيئي
لكن التوازن الدقيق بين هذه الكائنات يمكن أن يتأثر بعوامل بيئية مختلفة، ويبدو أن أكسيد النيتروز قد يكون أحد هذه العوامل المؤثرة بقوة.
سمّية مهملة لسنوات
رغم أن التأثيرات المناخية لأكسيد النيتروز موثقة جيدًا، فإن تأثيره السام على الكائنات الحية لم يحظ بالاهتمام نفسه في مجال الزراعة.
يوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، دارسي مكروز، أن العلماء كانوا يفترضون غالبًا أن الغاز غير ضار بالكائنات الدقيقة في التربة، رغم وجود أدلة قديمة تشير إلى سميته في بعض الحالات.
ومن الأمثلة المعروفة علميًا قدرة أكسيد النيتروز على تعطيل فيتامين B12 في الخلايا الحية، وهو عنصر أساسي للعديد من العمليات الحيوية.
كيف يضر الغاز بالبكتيريا؟
ركزت الدراسة على عملية حيوية داخل الخلايا تعرف باسم تخليق الميثيونين، وهو حمض أميني أساسي تحتاجه الخلايا للنمو.
تعتمد بعض البكتيريا في إنتاج الميثيونين على إنزيمات مرتبطة بفيتامين B12، بينما تمتلك أنواع أخرى مسارًا بديلًا لا يعتمد على هذا الفيتامين.
لاختبار تأثير أكسيد النيتروز، استخدم الباحثون بكتيريا معروفة في الأبحاث الميكروبية هي:
-
Pseudomonas aeruginosa
وقام العلماء بتعديلها وراثيًا بحيث تفقد المسار البديل لإنتاج الميثيونين.
النتيجة كانت واضحة: عندما تعرضت هذه البكتيريا لأكسيد النيتروز، انخفض نموها بشكل ملحوظ وأصبحت أكثر حساسية للغاز.
والمثير للاهتمام أن البكتيريا تأثرت حتى بأكسيد النيتروز الذي تنتجه بنفسها أثناء عملياتها الأيضية.
تأثير متسلسل داخل المجتمعات الميكروبية
لم تتوقف الدراسة عند تجربة بكتيريا واحدة فقط، بل توسعت لتشمل مجتمعًا ميكروبيًا مرتبطًا بالنبات النموذجي المستخدم في الدراسات النباتية Arabidopsis thaliana، في هذه التجارب، لاحظ الباحثون أن:
-
بعض الميكروبات كانت حساسة جدًا لأكسيد النيتروز
-
ميكروبات أخرى كانت أكثر قدرة على تحمله
وعندما وُضعت البكتيريا الحساسة مع بكتيريا تنتج الغاز، انخفض نموها بشكل كبير.
هذا يشير إلى أن إنتاج أكسيد النيتروز في التربة قد يؤدي إلى إعادة تشكيل المجتمعات الميكروبية حول الجذور.
انتشار واسع للحساسية
لمعرفة مدى انتشار هذه الظاهرة، قام الباحثون بتحليل آلاف الجينومات البكتيرية.
وأظهرت النتائج أن حوالي 30% من البكتيريا المعروفة قد تكون حساسة لتأثير أكسيد النيتروز.
وهذا يعني أن الغاز قد يلعب دورًا بيئيًا واسعًا في:
-
تحديد تنوع البكتيريا في التربة
-
إعادة تشكيل النظم الميكروبية الزراعية
-
التأثير في صحة النباتات وإنتاجيتها
ماذا يحدث في الحقول الزراعية؟
في البيئات الزراعية الواقعية، ترتفع مستويات أكسيد النيتروز في عدة حالات شائعة، مثل:
-
بعد استخدام الأسمدة النيتروجينية
-
أثناء فترات الأمطار الغزيرة
-
خلال ذوبان الجليد في المناطق الباردة
-
عندما تصبح التربة مشبعة بالمياه
وقد تستمر هذه الارتفاعات في مستويات الغاز لعدة أيام أو حتى أسابيع.
ويحذر الباحثون من أن هذه الفترات قد تتزامن مع مراحل مهمة من نمو النباتات، خصوصًا عندما تبدأ الجذور في تكوين علاقات تكافلية مع الميكروبات المفيدة.
حدود الدراسة والحاجة إلى أبحاث ميدانية
رغم أن نتائج الدراسة قوية، فإن العلماء يؤكدون أن التجارب أجريت في بيئة مخبرية خاضعة للسيطرة.
أما التربة الحقيقية فهي نظام معقد للغاية يضم:
-
مئات الأنواع الميكروبية
-
تفاعلات كيميائية متعددة
-
اختلافات كبيرة في الرطوبة والحرارة
لذلك يسعى الباحثون الآن إلى اختبار هذه الفرضية مباشرة في الأراضي الزراعية باستخدام تقنيات تحليل الجينومات الميكروبية.
نحو فهم جديد لصحة التربة
إذا أكدت الدراسات الميدانية هذه النتائج، فقد يؤدي ذلك إلى تغييرات في كيفية إدارة التربة الزراعية.
فبدل التركيز فقط على دور أكسيد النيتروز في تغير المناخ، قد يصبح من الضروري النظر إليه أيضًا باعتباره عاملًا بيئيًا يؤثر في التنوع الميكروبي وصحة النباتات.
وهذا الفهم الجديد قد يساعد العلماء والمزارعين في تطوير استراتيجيات لإدارة الأسمدة بطريقة تحافظ على التوازن البيولوجي للتربة وتحسن إنتاجية المحاصيل.
