بينما يتسابق العالم للعثور على مصادر جديدة للطاقة منخفضة الانبعاثات، اكتشف باحثون في أستراليا الغربية طريقة قد تساعد على الاستفادة من الهيدروجين الطبيعي المتولد في أعماق الأرض، من خلال تفاعل المياه الساخنة مع معدن شائع موجود بكميات هائلة في رواسب خام الحديد.
وقد يفتح الاكتشاف الباب أمام مصدر جديد للهيدروجين منخفض الانبعاثات، كما يمكن أن يمنح أستراليا فرصة لبناء صناعة جديدة لتصدير الطاقة النظيفة إلى الأسواق العالمية.
وتتركز الفكرة حول معدن المجنتيت «Magnetite»، وهو أحد المعادن الموجودة بكثرة في التكوينات الحديدية النطاقية المنتشرة في منطقة بيلبارا الغنية بخامات الحديد في غرب أستراليا.
وأظهرت الدراسة أن تفاعل المغنتيت مع المياه الساخنة تحت سطح الأرض يمكن أن يؤدي إلى توليد غاز الهيدروجين، وأن تحفيز وصول المياه إلى أسطح المعدن الطازجة يمكن أن يزيد إنتاج الهيدروجين.
ونُشرت الدراسة في International Journal of Hydrogen Energy، وتقدم أدلة جديدة حول الظروف الجيولوجية التي يمكن أن يتكون فيها الهيدروجين الطبيعي تحت الأرض.
هيدروجين يتولد داخل الأرض
الهيدروجين الطبيعي، أو ما يطلق عليه أحيانًا الهيدروجين الجيولوجي، هو الهيدروجين الذي يتكون بصورة طبيعية داخل القشرة الأرضية نتيجة تفاعلات كيميائية وجيولوجية.
ويختلف هذا النوع عن الهيدروجين الذي ينتجه الإنسان صناعيًا باستخدام عمليات مثل التحليل الكهربائي للمياه.
وتشير الدراسة الجديدة إلى أن بعض المعادن الموجودة في الصخور يمكن أن تتفاعل مع المياه في درجات حرارة وضغوط مرتفعة، لتؤدي إلى تفاعلات كيميائية تنتج الهيدروجين.
وهذه العملية تفتح احتمالًا مهمًا: هل يمكن استخراج الهيدروجين من باطن الأرض كما نستخرج بعض الموارد الطبيعية الأخرى؟
المغنتيت.. المعدن الذي يحمل المفتاح
ركز الباحثون من كلية الهندسة بجامعة إديث كوان على معدن المغنتيت، الذي يوجد بكميات كبيرة داخل التكوينات الحديدية النطاقية في غرب أستراليا.
وتعد منطقة بيلبارا واحدة من أهم المناطق عالميًا في إنتاج خام الحديد، وتضم مساحات واسعة من التكوينات الجيولوجية التي تحتوي على كميات كبيرة من المعادن الحديدية.
ووجد الباحثون أن المغنتيت يمكن أن يدخل في تفاعل مع المياه الساخنة، ما يؤدي إلى إنتاج الهيدروجين.
لكن وجود المعدن وحده لا يكفي.
فكمية الهيدروجين الناتجة تعتمد أيضًا على قدرة المياه على الوصول إلى أسطح معدنية جديدة داخل الصخور.
وهنا تصبح الشقوق والمسام والممرات النفوذة داخل التكوينات الصخرية عناصر أساسية في العملية.
ماذا يحدث على عمق مئات أو آلاف الأمتار؟
تخيل نظامًا صخريًا عميقًا تحت سطح الأرض، يحتوي على معادن غنية بالحديد، بينما تتحرك المياه الجوفية عبر الشقوق والمسام.
مع ارتفاع درجات الحرارة والضغط في الأعماق، يمكن أن تتفاعل المياه مع المعادن الموجودة في الصخور.
وفي حالة المغنتيت، يمكن أن يؤدي التفاعل إلى تكوين الهيدروجين.
ولهذا فإن الباحثين لا ينظرون إلى الرواسب الحديدية باعتبارها مجرد مخزون من خام الحديد، وإنما باعتبارها نظامًا جيولوجيًا يمكن أن ينتج الهيدروجين بصورة طبيعية.
وهذا هو الجانب الأكثر أهمية في الدراسة، إذ إن الهدف ليس فقط إثبات إمكانية حدوث التفاعل في المختبر، وإنما فهم الظروف التي يمكن أن تسمح باستمرار إنتاج الهيدروجين في نظام جيولوجي حقيقي.
تجربة تحاكي أعماق الأرض
لاختبار الفكرة، وضع الباحثون عينات من المغنتيت في ظروف تحاكي البيئة الموجودة في أعماق الأرض.
وعرضوا العينات للماء عند درجة حرارة وصلت إلى 200 درجة مئوية، وتحت ضغوط مرتفعة، لمدة 60 يومًا.
وكان الهدف هو محاكاة الظروف التي يمكن أن توجد في البيئات الجيولوجية العميقة تحت سطح الأرض.
وأظهرت التجارب أن التفاعل بين المغنتيت والماء الساخن يمكن أن ينتج الهيدروجين، وأن طبيعة البيئة الجيولوجية المحيطة تؤدي دورًا مهمًا في تحديد مقدار الإنتاج.
وبذلك قدمت الدراسة دليلًا تجريبيًا على واحدة من الآليات المحتملة التي يمكن أن يتكون بها الهيدروجين الطبيعي داخل الأرض.
لماذا تعتبر الشقوق والمسام مهمة؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن وجود كميات كبيرة من المغنتيت يعني تلقائيًا وجود كميات كبيرة من الهيدروجين.
لكن الدراسة تشير إلى أن الأمر أكثر تعقيدًا.
فالماء يحتاج إلى الوصول إلى الأسطح المعدنية التي يمكن أن تدخل في التفاعل.
وإذا كانت الصخور متماسكة بصورة تمنع حركة المياه، فقد تكون عملية إنتاج الهيدروجين محدودة حتى لو كانت تحتوي على كميات كبيرة من المغنتيت.
أما إذا كانت الصخور تحتوي على شقوق ومسام وممرات نفوذة تسمح للمياه بالحركة والوصول إلى أسطح معدنية جديدة، فقد تصبح الظروف أكثر ملاءمة لاستمرار إنتاج الهيدروجين.
وقال البروفيسور ستيفان إيجلور، من كلية الهندسة في الجامعة، إن إنتاج الهيدروجين لا يعتمد فقط على كمية المغنتيت الموجودة، وإنما أيضًا على مدى سهولة وصول المياه إلى أسطح معدنية جديدة من خلال الشقوق والمسام والممرات النفوذة.
هل تمتلك أستراليا كنزًا من الهيدروجين؟
يرى الباحثون أن النتيجة قد تكون ذات أهمية خاصة لغرب أستراليا بسبب الانتشار الواسع للتكوينات الحديدية النطاقية.
وتتميز المنطقة بوجود كميات ضخمة من خامات الحديد، ما يعني أن لديها أصلًا بنية تحتية وخبرة طويلة في التعامل مع الموارد المعدنية واستخراجها.
لكن تحويل الهيدروجين الطبيعي إلى مصدر تجاري للطاقة يحتاج إلى إثبات عدد من الأمور، من بينها:
- حجم الهيدروجين الموجود فعليًا في الخزانات الجيولوجية
- معدل إنتاجه الطبيعي
- إمكانية تحفيز الإنتاج بصورة مستدامة
- إمكانية استخراجه اقتصاديًا
- مدى استمرارية التفاعل تحت الأرض
- تأثير عمليات الاستخراج في المياه الجوفية والبيئة
- تكلفة جمع الهيدروجين ونقله وتخزينه
ولذلك فإن الدراسة تمثل خطوة علمية مهمة، لكنها ليست إعلانًا بعد عن حقل تجاري ضخم جاهز للإنتاج.
من المختبر إلى الصناعة
تكمن أهمية البحث في أنه يحاول سد الفجوة بين التجارب المخبرية والأنظمة الجيولوجية الحقيقية.
وقال الباحث الرئيسي كافيه موغانيراهيمي إن غرب أستراليا يمتلك بعضًا من أكبر التكوينات الحديدية النطاقية في العالم، وإن إمكانية الاستفادة من هذا المورد على نطاق واسع يمكن أن تكون تحولية لمستقبل الطاقة.
كما يرى الباحثون أن الوصول إلى الهيدروجين المتولد طبيعيًا قد يعزز أمن الطاقة في أستراليا، خصوصًا في أوقات الأزمات أو اضطرابات أسواق الطاقة العالمية.
لكن الانتقال من تجربة مخبرية إلى إنتاج تجاري يحتاج إلى عمليات استكشاف جيولوجي واسعة، وحفر آبار اختبارية، وقياس تدفقات الهيدروجين، ودراسة الخصائص الجيولوجية للخزانات المحتملة.
هل هو «هيدروجين أخضر» فعلًا؟
رغم استخدام تعبير «الهيدروجين الأخضر» في بعض التغطيات لوصف هذا النوع من الهيدروجين، فإن التصنيف يحتاج إلى قدر من الدقة.
الهيدروجين الأخضر بالمعنى التقليدي هو الهيدروجين الذي ينتج عادة من تحليل المياه كهربائيًا باستخدام كهرباء من مصادر متجددة.
أما الهيدروجين الذي يتولد طبيعيًا داخل الأرض نتيجة عمليات جيولوجية، فيمكن وصفه بصورة أدق بأنه هيدروجين طبيعي أو جيولوجي.
وقد تكون بصمته الكربونية منخفضة جدًا إذا أمكن استخراجه دون عمليات كثيفة الانبعاثات، لكن تقييم أثره المناخي الكامل يتطلب حساب جميع مراحل الاستخراج والمعالجة والنقل.
وهذا التفريق مهم لأن «مصدر الهيدروجين» لا يحدد وحده مدى استدامته؛ فالطريقة التي يتم بها استخراجه ومعالجته ونقله تؤثر أيضًا في بصمته البيئية.
لماذا يثير الهيدروجين الطبيعي اهتمام العلماء؟
الهيدروجين يتمتع بميزة أساسية: عند استخدامه في خلية وقود لإنتاج الكهرباء، يمكن أن يكون الناتج المباشر هو الماء بدلًا من ثاني أكسيد الكربون.
لكن التحدي الأكبر حتى الآن هو إنتاج الهيدروجين بكميات كبيرة وبتكلفة منخفضة ومن دون انبعاثات مرتفعة.
ولهذا يبحث العلماء عن مجموعة متنوعة من الطرق الجديدة، من بينها مصادر الهيدروجين الطبيعي الموجودة أصلًا في باطن الأرض.
إذا ثبت أن هذه المصادر قادرة على توفير إمدادات مستمرة واقتصادية، فقد تغير بعض افتراضات صناعة الهيدروجين العالمية.
فبدلًا من استهلاك كميات كبيرة من الكهرباء لتقسيم المياه، يمكن في بعض المناطق استخراج الهيدروجين الذي تكون بالفعل داخل التكوينات الجيولوجية.
فرصة لصناعة تصدير جديدة
تمتلك أستراليا بالفعل موقعًا قويًا في أسواق الطاقة والموارد الطبيعية العالمية.
وإذا نجحت عمليات الاستكشاف في إثبات وجود احتياطيات كبيرة وقابلة للاستخراج من الهيدروجين الطبيعي، فقد تتمكن البلاد من دمج هذا المورد في بنيتها التحتية الحالية للطاقة والتعدين.
ويمكن أن يؤدي ذلك إلى ظهور سلسلة صناعية جديدة تشمل:
الاستكشاف الجيولوجي → استخراج الهيدروجين → المعالجة والتخزين → النقل → التصدير.
كما يمكن أن تفتح هذه الصناعة فرصًا أمام استخدام الهيدروجين في قطاعات يصعب خفض انبعاثاتها، مثل الصناعات الثقيلة والنقل البحري وإنتاج بعض المواد الكيميائية.
لكن «الكنز» يحتاج إلى إثبات
رغم الحماس الذي أثارته النتائج، لا يزال الطريق طويلًا قبل التأكد من أن الهيدروجين الطبيعي في غرب أستراليا يمكن أن يصبح صناعة بمليارات الدولارات.
فالنجاح في المختبر عند درجة حرارة 200 درجة مئوية وضغط مرتفع لا يعني بالضرورة أن استخراج الهيدروجين من باطن الأرض سيكون اقتصاديًا على نطاق تجاري.
كما يجب التأكد من وجود خزانات طبيعية تحتوي على الهيدروجين بكميات كبيرة، وأن الهيدروجين لا يتسرب بسرعة إلى الطبقات العليا من القشرة الأرضية.
ويحتاج الباحثون أيضًا إلى معرفة ما إذا كان تحفيز التفاعل من خلال حقن السوائل يمكن أن ينتج هيدروجينًا بصورة مستمرة، وما إذا كان معدل الإنتاج سيظل مرتفعًا بما يكفي لتبرير تكاليف الحفر والاستخراج.
بداية سباق نحو الهيدروجين الجيولوجي
تكشف الدراسة عن اتجاه جديد في أبحاث الطاقة النظيفة، لا يقوم فقط على إنتاج الهيدروجين من المياه أو الوقود الأحفوري، وإنما يبحث عن الهيدروجين الذي تصنعه الأرض بنفسها.
وقد تكون الصخور الغنية بالحديد والمياه الساخنة والشبكات الطبيعية من الشقوق والمسام جزءًا من نظام قادر على إنتاج هذا الوقود بصورة مستمرة.
وإذا أثبتت الدراسات الميدانية المقبلة إمكانية استخراج الهيدروجين الطبيعي بكميات كبيرة وبصمة كربونية منخفضة، فقد تتحول مناطق غنية بالتكوينات الحديدية، مثل بيلبارا، إلى مراكز جديدة لصناعة الطاقة.
أما في الوقت الحالي، فإن أهم ما حققته الدراسة هو الانتقال خطوة من فكرة مثيرة إلى دليل تجريبي أوضح على كيف يتكون الهيدروجين الطبيعي تحت الأرض، وما الظروف التي تساعد على استمرار إنتاجه.
وقد تكون الخطوة التالية هي الأهم: النزول من المختبر إلى أعماق الأرض لمعرفة ما إذا كان هذا «الذهب» الغازي موجودًا بالفعل بالكميات التي تسمح بتحويله إلى مصدر عالمي جديد للطاقة.
