حقق باحثون من معهد وقود الشمس التابع لمركز هيلمهولتز برلين (HZB) تقدمًا جديدًا في فهم العمليات الداخلية داخل المحللات الكهروضوئية (PEC Electrolyzers) المستخدمة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، وهو ما قد يسهم في التغلب على أحد أكبر التحديات التي تعوق التوسع الصناعي لهذه التكنولوجيا الواعدة.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في دورية EES Solar، أن تتبع حركة الأيونات والغازات الذائبة داخل المحلول الإلكتروليتي باستخدام تقنيات تصوير متقدمة يوفر معلومات غير مسبوقة يمكن أن تساعد في تصميم أجهزة أكبر وأكثر كفاءة.
الهيدروجين الأخضر وتحدي التوسع
يُعد الهيدروجين الأخضر أحد أهم ركائز التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، إذ يُنتج باستخدام الكهرباء المولدة من مصادر متجددة دون انبعاثات كربونية.
ومن بين التقنيات الواعدة لإنتاجه المحللات الكهروضوئية (PEC)، التي تستخدم أقطابًا ضوئية خاصة لتحويل ضوء الشمس مباشرة إلى طاقة كيميائية تفصل الماء إلى هيدروجين وأكسجين.
ورغم تحقيق تقدم كبير في تحسين أداء هذه الأقطاب داخل المختبرات، فإن كفاءة الأجهزة تنخفض بصورة ملحوظة عند زيادة حجمها لتناسب التطبيقات الصناعية.
لماذا تتراجع الكفاءة؟
يوضح الباحثون أن السبب الرئيسي يعود إلى تغيرات معقدة تحدث داخل المحلول الإلكتروليتي مع زيادة حجم الجهاز، من بينها:
- تشكل تدرجات في درجة الحموضة (pH).
- تغير حركة الأيونات.
- انتقال الغازات الذائبة.
- نشوء تيارات حمل داخل السائل.
وتؤدي هذه الظواهر إلى زيادة فاقد الطاقة وتسريع تدهور الأقطاب الضوئية، ما يقلل من كفاءة إنتاج الهيدروجين.
تقنيات تصوير تكشف ما يحدث داخل الجهاز
ولفهم هذه العمليات بصورة أدق، طور الفريق البحثي عدة تقنيات تصوير داخل مركز HZB، أبرزها:
• التصوير الفلوري ثنائي الأبعاد (2D Fluorescence Imaging)، الذي يرصد تغيرات درجة الحموضة وتركيز الأكسجين الذائب داخل المحلول لحظة بلحظة.
• تقنية قياس سرعة الجسيمات بالصور (Particle Image Velocimetry – PIV)، التي تتبع حركة الجسيمات داخل السائل وتوضح أنماط تدفق الإلكتروليت.
وأتاحت هذه الأدوات للباحثين مراقبة ما يحدث داخل المحلل الكهروضوئي أثناء التشغيل بدقة غير مسبوقة.
نتائج فاجأت الباحثين
أظهرت التجارب أن تدفق المحلول الإلكتروليتي باستمرار لا يكفي وحده لمنع تكوّن تدرجات كبيرة في درجة الحموضة داخل الجهاز، حتى في المحاليل المتعادلة.
وأوضح البروفيسور رويل فان دي كرول، أن الفريق فوجئ بهذه النتيجة، إذ تبين أن الحد من هذه التدرجات يتطلب أيضًا زيادة تركيز الأيونات المنظمة (Buffer Ions) داخل المحلول، ويُعد ذلك عاملًا مهمًا لتقليل فقد الطاقة وتحسين كفاءة التحليل الكهروضوئي.
اكتشاف يخالف التوقعات النظرية
ومن النتائج اللافتة أيضًا أن التدرجات الكبيرة في درجة الحموضة لم تتشكل بالقرب من سطح الأقطاب كما توقعت نماذج المحاكاة الحاسوبية السابقة، بل ظهرت داخل حجم المحلول نفسه.
ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يؤكد أن النماذج الحاسوبية الحالية لا تزال غير قادرة على تمثيل جميع الظواهر الفيزيائية المعقدة داخل هذه الأجهزة.
وقال فان دي كرول إن هذه النتائج تبرز أن التجربة العملية ما تزال المعيار الذهبي لفهم سلوك أنظمة إنتاج الهيدروجين الأخضر.
خطوة نحو أجهزة أكبر وأكثر كفاءة
يعتقد فريق البحث أن هذه المعارف الجديدة ستساعد على تصميم محللات كهروضوئية أكبر حجمًا وأكثر استقرارًا، مع تقليل فقد الطاقة وتحسين كفاءة إنتاج الهيدروجين عند الانتقال من المختبر إلى التطبيقات الصناعية.
كما قد تسهم النتائج في تسريع تطوير تقنيات إنتاج الهيدروجين الأخضر، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد أهم مصادر الوقود النظيف لإزالة الانبعاثات من قطاعات مثل:
- صناعة الحديد والصلب.
- النقل البحري.
- الطيران.
- الصناعات الكيميائية الثقيلة.
ورغم أن الدراسة تركز على فهم العمليات الأساسية داخل الأجهزة، فإن الباحثين يرون أن هذه الخطوة تمثل أساسًا مهمًا لتطوير الجيل المقبل من تقنيات الهيدروجين الأخضر القادرة على العمل بكفاءة عالية على نطاق تجاري.
