ناقش العلماء لعقود ما إذا كان بالإمكان استمرار النمو الاقتصادي دون زيادة الانبعاثات الحرارية.
وأظهرت دراسة حديثة أجراها باحث بجامعة ولاية بنسلفانيا أن ذلك قد يكون ممكنًا، لكن فقط تحت شروط صارمة وبالنسبة أساسًا للدول الأغنى عالميًا.
حللت الدراسة أكثر من ثلاثة عقود من البيانات باستخدام إطار قياس السياسات والإجراءات المناخية التابع لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (CAPMF)، مع استثناء الولايات المتحدة، لدراسة تأثير السياسات المناخية على العلاقة بين النمو الاقتصادي وانبعاثات الغازات الدفيئة.
نشرت الدراسة في مجلة Social Forces، وأظهرت النتائج أن الدول ذات الدخل المرتفع قادرة على خفض أو تحييد الانبعاثات عند تطبيق سياسات مناخية صارمة، تشمل أدوات مثل الضرائب الكربونية، ودعم التقنيات الخالية من الكربون، والحظر والمعايير التكنولوجية، حتى مع استمرار نمو اقتصادها.
في المقابل، ارتبطت السياسات الصارمة غالبًا بزيادة الانبعاثات في الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض.
قال رايان ثومبس، أستاذ مساعد في علم الاجتماع الريفي وأحد الباحثين المشاركين: “تشير النتائج إلى أهمية السياسات المناخية الصارمة، إذ يمكنها تعزيز جهود الاستدامة، حتى إن كانت فعاليتها تعتمد على السياق المحلي.
السياسات التي تعزز رفاه الإنسان والبيئة دون الاعتماد على النمو الاقتصادي هي الأكثر فاعلية وتحقق العدالة بين الدول”.
النقاش حول فصل النمو عن الانبعاثات
أشارت أبحاث واسعة إلى وجود علاقة إيجابية بين النمو الاقتصادي والانبعاثات، أي أن ازدياد الاقتصاد غالبًا ما يصاحبه ارتفاع الانبعاثات.
وأوضح ثومبس: “يجادل البعض بأن النمو لا يمكن فصله عن الانبعاثات لأنه يتطلب موارد طبيعية متزايدة، بينما يرى آخرون أن التكنولوجيا يمكن أن تحقق الفصل. ما اتفق عليه الجميع هو أن السياسات الصارمة ضرورية للانتقال إلى اقتصاد أكثر استدامة”.
منهجية الدراسة
حلل الباحثون بيانات 49 دولة، شملت أكبر الملوثين وتلك التي تبنت أكثر السياسات المناخية صرامة، وفق قاعدة CAPMF.
وقال ثومبس: “الدول الغنية تمثل الجزء الأكبر من العينة، وهي أيضًا الملوث الرئيسي، وغالبًا ما تطبق سياسات صارمة.
الصرامة هنا تقيس مدى قدرة السياسات على تحفيز تقليل الانبعاثات.
على سبيل المثال، إذا كان لدى دولتين ضريبة كربون، تُعتبر الدولة ذات الضريبة الأعلى ذات سياسة أكثر صرامة”.
وأظهرت النتائج أن السياسات الصارمة نجحت في فصل النمو الاقتصادي عن الانبعاثات في 32 دولة، فيما ارتبطت بزيادة الانبعاثات في 12 دولة، ولم يكن لها أثر في خمس دول أخرى.
وأشار الباحثون إلى أن أثر السياسات يختلف حسب السياق الاقتصادي، حيث زادت الانبعاثات في الدول متوسطة الدخل ومنخفضة الدخل عند تطبيق سياسات صارمة.
السيناريوهات المستقبلية
أجرى الباحثون محاكاة لسيناريوهات مختلفة تضمنت دولًا ذات دخل منخفض ومتوسط وعالٍ، وأظهرت النتائج أن سيناريوهات النمو المستقر أو تقليل النمو (degrowth) توفر أفضل الفرص لتحقيق مستقبل مستدام.
وأكد ثومبس الحاجة لمزيد من الدراسات لفهم تأثير السياسات المختلفة على العلاقة بين النمو الاقتصادي والانبعاثات في مختلف الفئات الاقتصادية، ولمعرفة ما إذا كانت السياسات الفردية أم مزيجها هو الذي يقود النتائج الملاحظة.
