عادت التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز لتتصدر المشهد العالمي، بعدما انعكست مباشرة على أسواق الطاقة والمعادن، في مؤشر جديد على حساسية الأسواق لأي اضطراب في هذا الشريان الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
فمع تصاعد المخاوف من انهيار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، قفزت أسعار النفط بشكل حاد، بينما تعرض الذهب لضغوط بيعية، في تحرك يعكس إعادة تموضع المستثمرين بين الأصول الخطرة والملاذات الآمنة.
قفزة قوية في أسعار النفط
سجلت أسعار النفط ارتفاعًا تجاوز 5% خلال تعاملات الاثنين، مدفوعة بمخاوف من تعطل الإمدادات نتيجة التوترات العسكرية.
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 5 دولارات لتقترب من مستوى 95 دولارًا للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى نحو 89 دولارًا، في واحدة من أقوى القفزات اليومية منذ أسابيع.
هذا الارتفاع يعكس حالة القلق في الأسواق من احتمال فقدان ما بين 10 و11 مليون برميل يوميًا من الإمدادات، وفق تقديرات شركات تحليل السوق، في حال استمرار التصعيد أو توسع نطاقه.
تذبذب حاد بعد خسائر سابقة
يأتي هذا الصعود بعد تراجع حاد بلغ نحو 9% في نهاية الأسبوع الماضي، حين سادت توقعات بانفراجة مؤقتة عقب إعلان إيران إبقاء المضيق مفتوحًا خلال فترة التهدئة.
غير أن التطورات الأخيرة، بما في ذلك احتجاز سفن وتصاعد التهديدات المتبادلة، أعادت المخاطر إلى الواجهة، ودفعـت المتعاملين إلى إعادة تسعير السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا.
على الجانب الآخر، لم يستفد الذهب من تصاعد التوترات، بل تراجع بنحو 1% في المعاملات الفورية، ليستقر قرب 4762 دولارًا للأوقية، في أدنى مستوياته منذ أيام.
ويُعزى هذا التراجع بشكل رئيسي إلى صعود الدولار الأميركي، الذي يزيد من تكلفة الذهب على حائزي العملات الأخرى، ما يقلص الطلب عليه رغم طبيعته كملاذ آمن.
كما تراجعت العقود الآجلة للذهب بنحو 2%، في حين لحقت به باقي المعادن النفيسة، حيث انخفضت الفضة والبلاتين والبلاديوم بنسب متفاوتة.
الدولار.. العامل الحاسم في المعادلة
يبرز الدولار كأحد أهم العوامل المؤثرة في تحركات الذهب، إذ يؤدي ارتفاعه إلى سحب السيولة من المعادن النفيسة، حتى في ظل الأزمات الجيوسياسية.
هذا التباين بين صعود النفط وهبوط الذهب يعكس اختلاف طبيعة التأثير:
- النفط يتأثر مباشرة بمخاطر الإمدادات
- الذهب يتأثر أكثر بحركة الدولار والسيولة العالمية
اضطراب الشحن يعمّق المخاوف
التوترات لم تقتصر على التصريحات السياسية، بل امتدت إلى الواقع الميداني، مع تعرض ناقلات لإطلاق نار وعودة القيود على حركة الملاحة، ما زاد من حذر شركات الشحن.
ورغم تسجيل عبور أكثر من 20 سفينة خلال أحد أيام عطلة نهاية الأسبوع – وهو أعلى مستوى منذ مارس – فإن هذا النشاط لم يكن كافيًا لطمأنة الأسواق، التي تراقب عن كثب أي مؤشرات على تعطّل الإمدادات.
الأسهم بين الحذر والتفاؤل
انعكست هذه التطورات بشكل متباين على أسواق الأسهم العالمية:
- تراجعت العقود الآجلة الأميركية والأوروبية
- في المقابل، واصلت بعض الأسواق الآسيوية الصعود، مدفوعة بتوقعات التوصل إلى تسوية
هذا التباين يعكس انقسام المستثمرين بين سيناريوهين: تصعيد طويل يضغط على الاقتصاد العالمي، أو تسوية سريعة تعيد الاستقرار للأسواق.
الديون والمخاطر المالية في الخلفية
في سياق متصل، بدأت المؤسسات المالية في التحذير من تداعيات أوسع للصراع، خاصة على جودة الأصول والديون، مع توقعات بارتفاع القروض المتعثرة إذا استمرت الحرب.
هذه المخاوف تضيف بعدًا ماليًا للأزمة، يتجاوز تأثيرها المباشر على الطاقة والغذاء، ليشمل الاستقرار المصرفي والنمو الاقتصادي.
مؤشر واحد يختزل المخاطر
في ظل هذا المشهد المعقد، باتت الأسواق تراقب مؤشرًا بسيطًا لكنه حاسم: عدد السفن العابرة لمضيق هرمز.
فهذا الرقم يعكس بشكل مباشر حالة الإمدادات العالمية، ويحدد اتجاهات الأسعار، وربما مسار التضخم العالمي خلال الفترة المقبلة.
خلاصة المشهد
تكشف تحركات الأسواق الأخيرة أن الجغرافيا السياسية لا تزال العامل الأكثر تأثيرًا في أسواق السلع. فبينما يقفز النفط مع كل تهديد للإمدادات، يبقى الذهب رهينًا لحركة الدولار، في معادلة تعكس تعقيد الاقتصاد العالمي.
وفي قلب هذه المعادلة، يظل مضيق هرمز نقطة الارتكاز التي تحدد ليس فقط أسعار الطاقة، بل اتجاه الأسواق العالمية بأكملها.
