كيف تبرد النباتات نفسها أثناء موجات الحر؟ العلماء يكشفون المفتاح الجزيئي

اكتشاف يمهد لمحاصيل أكثر تحملاً للحرارة.. كيف تعمل منظومة التبريد الطبيعية في النباتات؟

كشفت دراسة علمية جديدة عن واحدة من الآليات الجزيئية التي تستخدمها النباتات لمواجهة الحرارة الشديدة، من خلال فتح المسام المجهرية الموجودة على أوراقها والسماح للماء بالتبخر، في عملية تعمل كنظام تبريد طبيعي يساعد الأوراق على التعامل مع موجات الحر.

ويبدو هذا الاكتشاف لافتًا بصورة خاصة لأن النباتات تتعامل مع الحرارة بطريقة تختلف جذريًا عن الحيوانات؛ فهي لا تستطيع الانتقال إلى الظل أو تغيير موقعها، ولذلك تعتمد على تنظيم فقد الماء عبر الأوراق للحفاظ على درجة حرارتها ضمن الحدود التي تسمح لها بالاستمرار في أداء وظائفها الحيوية.

وحدد باحثون في بلجيكا مسارًا جزيئيًا يرتبط بهذه الاستجابة، تقوده بروتينات محددة، في مقدمتها بروتين UBP24، إلى جانب إشارة كيميائية تتمثل في إضافة مجموعة فوسفات إلى البروتين.

ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية Nature Plants تحت عنوان علمي يرتبط بتنظيم استجابة النبات للحرارة، وحملت DOI: 10.1038/s41477-026-02345-1.

المسام الورقية.. جهاز تبريد طبيعي

توجد على سطح أوراق النباتات مسام مجهرية تعرف باسم الثغور النباتية، وتؤدي دورًا مزدوجًا بالغ الأهمية؛ فهي تسمح بدخول ثاني أكسيد الكربون اللازم لعملية البناء الضوئي، وفي الوقت نفسه تتحكم في خروج بخار الماء من الورقة.

ويتكون كل ثغر من خليتين حارستين تحيطان بالفتحة. وعندما تمتلئ هاتان الخليتان بالماء وتنتفخان، تنحنيان إلى الخارج، ما يؤدي إلى اتساع الثغر.

وعندما يخرج الماء من الورقة عبر هذه المسام ويتحول إلى بخار، فإنه يسحب معه الحرارة من سطح الورقة، في عملية تشبه من حيث المبدأ تبريد الجسم من خلال تبخر العرق.

لكن المشكلة أن فتح الثغور في الظروف الحارة يعني أيضًا زيادة فقد الماء، وهو ما يضع النبات أمام معادلة صعبة: كيف يحافظ على برودة أوراقه من دون أن يفقد كمية مفرطة من الماء؟

الجفاف والحرارة.. استجابتان متعاكستان

في أثناء الجفاف، تتجه النباتات عادة إلى إغلاق الثغور لتقليل فقد الماء.

أما عند ارتفاع درجات الحرارة بشدة، فقد تحتاج إلى الاتجاه المعاكس وفتح الثغور حتى تسمح بالتبخر وتخفض حرارة الأوراق.

واللافت أن الباحثين وجدوا أن الإشارتين ليستا منفصلتين تمامًا، بل إن جزءًا من منظومة الإشارات نفسها يمكن أن يدخل في الاستجابتين المتعاكستين.

وركز الفريق البحثي على نبات الرشاد الصغير (Arabidopsis thaliana)، وهو نبات عشبي يستخدم على نطاق واسع في أبحاث بيولوجيا النبات، إلى جانب تجارب على خميرة الخباز.

ولمتابعة استجابة الثغور للحرارة، عزل الباحثون أجزاء من بشرة أوراق الرشاد وعرضوها للحرارة لمدة ساعتين في الظلام.

وكانت النتيجة واضحة: عند 28 درجة مئوية بقيت الثغور شبه مستقرة، بينما بدأت في الانفتاح عند 35 درجة مئوية، واتسعت بدرجة أكبر عند 42 درجة مئوية.

والأهم أن الحرارة وحدها كانت كافية لإطلاق هذه الاستجابة؛ فلم تكن هناك حاجة إلى الضوء أو الرياح أو تغيرات في التربة.

بروتين UBP24.. حلقة أساسية في عملية التبريد

حدد الباحثون بروتينًا يحمل اسم UBP24 باعتباره عنصرًا أساسيًا في قدرة النبات على فتح ثغوره أثناء الحرارة المرتفعة.

وينتمي UBP24 إلى مجموعة من البروتينات التي تعمل على إزالة العلامات الكيميائية التي تضعها الخلايا على البروتينات المستهلكة تمهيدًا للتخلص منها.

وعندما عطّل الباحثون الجين المسؤول عن UBP24، أصبحت نباتات الرشاد غير قادرة تقريبًا على فتح ثغورها عند 42 درجة مئوية.

لكن إعادة نسخة سليمة من الجين أعادت قدرة الثغور على الاستجابة بصورة طبيعية.

وهذا يشير إلى أن UBP24 لا يعمل بصورة منفردة، بل يساعد في الحفاظ على بروتين آخر بالغ الأهمية هو AHA1.

ويتمركز AHA1 في الغشاء الخارجي للخلايا الحارسة للثغر، ويعمل على ضخ الجسيمات المشحونة إلى خارج الخلية، وهي خطوة تساعد على سحب الماء إلى داخل الخلايا، ما يؤدي في النهاية إلى تغير شكلها وفتح الثغر.

وعندما أوقف الباحثون عمل UBP24، تراكمت على AHA1 علامات تدفع الخلية إلى التخلص منه، وبالتالي انخفضت كمية البروتين القادرة على أداء وظيفتها.

تجربة حاسمة على AHA1

للتأكد من العلاقة بين البروتينين، أعاد الفريق تصميم AHA1 بحيث لم يعد قادرًا على استقبال علامات التخلص منه في خمسة مواقع رئيسية.

وعندما وُضع هذا الشكل المعدل من AHA1 داخل نباتات تفتقر إلى UBP24، استعادت الثغور قدرتها على الانفتاح أثناء الحرارة.

أما النسخة الطبيعية من AHA1 فلم تحقق التأثير نفسه.

وتدعم هذه التجربة فكرة أن وظيفة UBP24 في الاستجابة للحرارة تتمثل، جزئيًا على الأقل، في حماية AHA1 من عملية التخلص الخلوي، بما يسمح للخلايا الحارسة بمواصلة فتح الثغور عندما ترتفع درجة الحرارة.

إشارة معروفة بالجفاف تعمل بصورة مختلفة أثناء الحر

اكتشف الباحثون أيضًا دور بروتين آخر يعرف باسم OPEN STOMATA 1 أو OST1.

ويعرف علماء النبات OST1 منذ فترة طويلة باعتباره جزءًا من المسار الذي يساعد النباتات على إغلاق الثغور أثناء الجفاف استجابة لهرمون نباتي يسمى حمض الأبسيسيك ABA.

لكن الدراسة الجديدة أظهرت أن OST1 يمكن أن يؤدي دورًا مختلفًا أثناء الحرارة الشديدة.

ففي الظروف الحارة، يعمل OST1 على إضافة مجموعة فوسفات إلى UBP24، وتؤدي هذه الإضافة إلى تغيير الشحنة الكيميائية للبروتين، ما يساعد في تنظيم استقراره ووظيفته.

وكانت هذه النتيجة مفاجئة للباحثين لأنها تضع OST1 في موقف يبدو معاكسًا لدوره المعروف في إغلاق الثغور خلال الجفاف.

الحرارة لا تعتمد هنا على ارتفاع هرمون ABA

بحث الفريق فيما إذا كانت الاستجابة الحرارية مرتبطة بزيادة هرمون ABA، لكن النتائج لم تدعم ذلك.

فلم ترتفع مستويات ABA داخل الخلايا الحارسة استجابة للحرارة.

كما أن النباتات التي عولجت بمادة تمنع إنتاج ABA استمرت في فتح ثغورها عند ارتفاع الحرارة، وكذلك النباتات الطافرة التي تعاني ضعفًا شديدًا في إنتاج الهرمون.

وبدلًا من ذلك، حدد الباحثون عائلة أخرى تضم سبعة بروتينات يمكنها تنشيط OST1 أثناء الحرارة.

وعندما عطّلوا هذه البروتينات السبعة معًا، أصبحت الثغور غير قادرة تقريبًا على الانفتاح بصورة طبيعية تحت درجات الحرارة المرتفعة.

وهكذا يبدو أن النبات يمتلك مسارًا للإشارة الحرارية يستطيع تشغيل OST1 بصورة مستقلة عن مسار ABA المرتبط بالجفاف.

مفتاح جزيئي ظهر مع تطور النباتات الوعائية

لم يتوقف الباحثون عند نبات الرشاد، بل قارنوا تسلسل جين UBP24 في 55 نوعًا من الكائنات النباتية، بدءًا من الطحالب وصولًا إلى النباتات المزهرة.

وكان تركيزهم على الموقع الذي يمكن أن تستقبل فيه جزيئات UBP24 مجموعة الفوسفات.

وأظهرت المقارنة أن النباتات الوعائية، وهي النباتات التي تمتلك أنظمة داخلية لنقل الماء والمواد الغذائية، تحمل في معظمها حمضًا أمينيًا قابلًا لاستقبال هذه العلامة الكيميائية في الموقع نفسه تقريبًا.

ويتوافق ظهور هذه الخاصية بصورة لافتة مع المرحلة التطورية التي ظهرت فيها الثغور القادرة على الفتح والإغلاق الديناميكي.

وقال إيف دي سميت، الذي يقود المجموعة البحثية في مركز VIB-UGent الذي أُجريت فيه الدراسة، إن الباحثين فوجئوا بدرجة الارتباط بين هذه العلامة الجزيئية وظهور ديناميكية الثغور في النباتات البرية.

ويشير ذلك إلى أن الآلية التي اكتشفها الباحثون قد تكون مرتبطة بتاريخ تطوري طويل لقدرة النباتات على تنظيم فتح وإغلاق مسام أوراقها استجابة للبيئة.

الخميرة تكشف آلية مختلفة للتعامل مع الحرارة

ولم تقتصر النتائج على النباتات.

فخميرة الخباز لا تمتلك ثغورًا أو أوراقًا، لكنها تحتوي على بروتين قريب من UBP24 يسمى Ubp3.

وعند الموقع المكافئ للموقع الذي يستقبل مجموعة الفوسفات في UBP24، تحمل Ubp3 في الخميرة حمضًا أمينيًا ذا شحنة سالبة بصورة دائمة.

بمعنى آخر، لا تحتاج الخميرة إلى إضافة العلامة الكيميائية نفسها، لأن الشحنة موجودة أصلًا في تركيب البروتين.

واللافت أن هذه الخاصية بدت مستقرة للغاية عبر أنواع مختلفة من جنس Saccharomyces، إذ حملت ثمانية أنواع تختلف في تفضيلاتها الحرارية الحمض الأميني نفسه.

كما أظهرت تجربة سابقة أن الخميرة التي جرى تعريضها لارتفاع تدريجي في الحرارة من 25 إلى 40 درجة مئوية عبر 600 جيل لم تغير هذا الموقع.

وعندما استبدل الباحثون الحمض الأميني المشحون بحمض أميني متعادل، تباطأ نمو الخميرة عند جميع درجات الحرارة التي جرى اختبارها، وكان التأثير أكبر عند 20 درجة مئوية.

وأجريت جانب الخميرة من الدراسة بالتعاون مع مجموعة كيفن فيرستيبن في جامعة KU Leuven.

وقال دي سميت إن هذه النتيجة كانت من أكثر نتائج الدراسة إثارة للدهشة، لأن تغيير حمض أميني واحد كان كافيًا لتغيير استجابة الخميرة للحرارة.

هل يمكن استخدام الاكتشاف لإنتاج محاصيل أكثر تحملاً للحرارة؟

هنا تبرز أهمية الدراسة بالنسبة للزراعة، خصوصًا في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الحر التي تضغط على المحاصيل الزراعية.

لكن الباحثين لا يقدمون حتى الآن حلًا زراعيًا جاهزًا.

فالدراسة أجريت بصورة أساسية على نبات الرشاد والخميرة، ولم تُختبر الآلية في الحقول الزراعية.

وكان أقرب اقتراب من محصول غذائي هو تجربة أولية قارنت بين شتلات الرشاد والقمح بعد تعريضهما لدرجة حرارة تقارب 35 درجة مئوية.

ووجد الباحثون أن ثمانية بروتينات التقطت العلامة الكيميائية نفسها في النوعين، وكان UBP24 من بينها.

وتفتح هذه النتيجة بابًا بحثيًا مهمًا، لأن فهم الطريقة التي تتحكم بها النباتات في الثغور أثناء الحرارة يمكن أن يساعد مستقبلًا في برامج تربية النباتات أو في تطوير تعديلات وراثية موجهة لتعزيز القدرة على تحمل الإجهاد الحراري.

وأشار دي سميت إلى أن هذه المعرفة يمكن أن تستخدم مستقبلًا، مثلًا، في برامج التربية النباتية أو إدخال طفرات مستهدفة في المحاصيل من خلال تحرير الجينوم.

لكن هذا المسار يحتاج إلى مزيد من البحث قبل أن يتحول إلى تطبيق زراعي واسع.

وقد بدأ مختبر الباحث بالفعل مشروعًا بالتعاون مع منشأة Ecotron التابعة لجامعة UHasselt لاختبار النباتات تحت سيناريوهات مناخية مستقبلية.

ماذا يحدث عندما يجتمع الجفاف والحرارة؟

من أهم الأسئلة التي لا تزال بلا إجابة كاملة: ماذا يحدث للنبات عندما يتعرض للحرارة الشديدة والجفاف في الوقت نفسه؟

فالحرارة تدفع النبات إلى فتح الثغور لتبريد أوراقه من خلال تبخر الماء، بينما يدفع الجفاف النبات إلى إغلاقها للحفاظ على الماء.

وهذا يضع النبات أمام تعارض فسيولوجي حقيقي، ولا يزال العلماء لا يعرفون بشكل كامل كيف يقرر مسار الإشارات الجزيئية ما إذا كان عليه فتح الثغور أو إغلاقها عندما تتزامن الضغوط البيئية.

ولهذا يخطط فريق دي سميت لدراسة شبكة الإشارات المحيطة بـUBP24 بصورة أوسع، وصولًا إلى مستوى الخلية المفردة، وبخاصة الخلايا الحارسة التي تتحكم مباشرة في حركة الثغور.

من آلية نباتية إلى أداة لمواجهة تغير المناخ

تكتسب هذه النتائج أهمية متزايدة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا وتزايد تعرض النظم الزراعية لفترات حر شديدة.

فقدرة النبات على التحكم في فقد الماء وتبريد أوراقه ليست مجرد آلية بيولوجية أساسية، وإنما جزء من منظومة تساعده على تحقيق توازن بالغ الحساسية بين التبريد، والحفاظ على الماء، ودخول ثاني أكسيد الكربون، واستمرار البناء الضوئي.

ومع ذلك، لا تعني الدراسة أن تعديل UBP24 وحده سيؤدي تلقائيًا إلى إنتاج محاصيل مقاومة لموجات الحر.

فالاستجابة الحرارية للنبات شبكة معقدة من الإشارات والبروتينات والهرمونات، كما أن زيادة فتح الثغور قد تحسن التبريد لكنها قد ترفع في المقابل فقد الماء، خصوصًا عندما تترافق الحرارة مع الجفاف.

لذلك يمثل اكتشاف مسار UBP24–AHA1 خطوة في فهم كيفية إدارة النباتات لهذا التوازن، وليس حلًا نهائيًا لمشكلة الإجهاد الحراري في الزراعة.

ومع استمرار تغير المناخ، قد تصبح معرفة هذه الآليات الجزيئية أكثر أهمية في تطوير محاصيل قادرة على الحفاظ على وظائفها الحيوية تحت ظروف حرارية أشد قسوة، لكن الطريق من الاكتشاف المخبري إلى محصول يتحمل موجات الحر في الحقل لا يزال يحتاج إلى تجارب طويلة ومتعددة البيئات.

Exit mobile version